"كباش" سياسي في الشارع بين المتظاهرين ومن تبقى من رموز النظام الجزائري

"قوى الأمر الواقع" ترفض التنازل عن خطة اجراء انتخابات رئاسية في يوليو

جزائرية ترفع لافتة رافضة لاجراء الانتخابات خلال تظاهرة في باريس الأحد 14 أبريل (أ.ف.ب)

استبق ناشطون جزائريون في محافظة قالمة (500 كيلومتر شرق العاصمة) زيارة مريم مرداسي وزيرة الثقافة في حكومة نور الدين بدوي إلى منطقتهم الأحد، بالتجمّع بكثافة في الشوارع بهدف عرقلتها، ضمن سلوك بات معتاداً ضد وزراء في الجهاز التنفيذي، وذلك بعد ساعات على "طرد" وفد من ثلاثة وزراء في محافظة بشار (800 كيلومتر جنوب غربي العاصمة) السبت. وتتعاظم الأسئلة في أذهان الجزائريين، بعد الجمعة الثامنة للمسيرات السلمية، بينما فوجىء معظمهم بصورٍ لمواجهات "محدودة" بين قوات مكافحة الشغب ومتظاهرين وصفهم بيان المديرية العامة للأمن الوطني بـ"المنحرفين". وبقدر ما تتفاقم مشاعر "الحيرة" بين شباب الحراك، يراقب الشارع كماً هائلاً من المعطيات التي ترسخ فكرة أن مسار تغيير النظام شاق وطويل.

حكومة بدوي تواصل مهماتها

وبقدر توالي المسيرات واستعداد ملايين الجزائريين لمواصلتها حتى تاريخ غير معلوم، تواصل حكومة بدوي "استفزاز" الشارع الذي يرافع لإقالتها ما دام قائدها يُعدّ أحد "الباءات الأربع" (عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة، ونور الدين بدوي رئيس الحكومة، والطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري، ومعاذ بوشارب رئيس المجلس الشعبي الوطني) الذين تُرفع شعارات مناهضة لاستمرارهم، منذ جمعة الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، التي أعقبت مباشرةً استقالة الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل.

وشكّل احتجاج محافظة بشار، في أقصى جنوب غربي الجزائري، علامةً جديدة توضح إصرار الشارع على رفض هذه الحكومة بحجة "ما بُني على باطل فهو باطل".

وكان وزير الداخلية صلاح الدين دحمون، أحد الوزراء الثلاثة، الذين زاروا محافظة بشار، دافع عن أداء الحكومة، داعياً إلى "الالتفاف حول رئيس الدولة عبد القادر بن صالح ومد اليد ورص الصفوف للإقبال على معترك البناء من جديد". وأضاف أن "رهانات حكومة هي تصريف الأعمال وترقية قيم العدالة والمساواة والشفافية في تسيير شؤون العامة".

محاصرة موكب وزير

والأحد، أقدم جمع غفير من المواطنين على محاصرة موكب وزير الطاقة محمد عرقاب والوفد المرافق له في محافظة تبسة (600 كيلومتر شرق العاصمة)، حيث اعترض المئات على خروجه والوفد المرافق له من مطار المدينة. ولقي وزير الأشغال العامة مصطفى كورابة، مصيراً مشابهاً في حي "عين النعجة" الشعبي في الضاحية الجنوبية للعاصمة، حين تدخلت قوة أمنية لـ "إجلائه" قبل تفقد إحدى ورشات توسيع مشروع "ميترو" الجزائر.

وفي وقت تطول قائمة المطالب التي لم تتحقق منذ "سادس جمعة" على التوالي، توسعت "الحيرة" بين ناشطي الحراك الشعبي. ويرفع جزائريون قائمة بالمطالب التي تحققت منذ بدء الحراك وهي "إلغاء ولاية بوتفليقة الخامسة، وإلغاء فكرة تمديد الولاية الرابعة والندوة الوطنية الموعودة، ثم استقالة بوتفليقة"، إضافة إلى إبعاد رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى، وبدء التحقيق مع كبار رجال أعمال مقربين من النظام السابق، بدءاً من السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس السابق، الذي كان في نظر كثيرين "الحاكم الفعلي للجزائر في السنوات السبع الأخيرة".

إلا أن المطالب التي لم تتحقق، تبدو أكبر وأوسع، وفي مقدمها "استقالة الباءات الأربع، وتشكيل هيئة رئاسية تقود المرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة توافق، وإنشاء هيئة مستقلة تنظم الانتخابات الرئاسية وتعلن نتائجها، بالتوازي مع محاكمة "أفراد العصابة".

رفض موعد الانتخابات

ويتجسد "الأمر الواقع" الذي يتهمه الجزائريون بسرقة الحراك الشعبي، بعد نحو 50 يوماً من المسيرات، في استمرار حكومة نور الدين بدوي، وبقاء عبد القادر بن صالح في منصبه رئيساً للدولة ودعوته الهيئة الناخبة للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وتستفز كل هذه المعطيات والإمعان فيها، شرائح شعبية، حتى من خارج الحراك، وتشمل أحزاباً زكّت ترتيبات المادة 102 من الدستور.

وصرحت سامية خمري، عن "جبهة العدالة والتنمية" الإسلامية لـ"اندبندت عربية"، بأن "رئاسيات يوليو المقبل هي آخر شيء قد يفكر فيه الجزائريون الآن".

كما قالت الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون "قيادة الأركان وبعض الأحزاب والشخصيات دعوا بإلحاح إلى تطبيق المادة 102 التي ترمي في النهاية إلى الحفاظ على النظام ذاته المرفوض من الأغلبية الساحقة، فالكل يعلم أن رئيس الدولة الذي سيخلف رئيس الجمهورية وفق نص هذه المادة ليس له أي صلاحيات ما عدا تنظيم انتخابات رئاسية، هذا يعني أن مطالب الغالبية الساحقة برحيل الحكومة وحل غرفتَي البرلمان والانتهاء من كل رموز النظام السياسية والعسكرية دون استثناء، ستبقى من دون استجابة".

فتح ملفات فساد مقابل وقف التظاهرات

في ما يشبه "صفقةً" بين المؤسسة العسكرية والحكومة من جهة، وملايين المتظاهرين من جهة أخرى، برز اقتراح " فتح ملفات الفساد" كأقصى ما يمكن طرحه من تنازلات في الفترة الراهنة، في مقابل استماتة غير معهودة في التمسك بالمسار الدستوري باتجاه انتخابات رئاسية تُجرى في أقل من ثلاثة أشهر، في 4 يوليو (تموز) المقبل. وتبرز الرمزية السياسية في اختيار هذا التاريخ، ففي حال جرت الانتخابات في موعدها الجديد، فالنتائج ستُعلن في الخامس من يوليو، ذكرى استقلال الجزائر (1962) وهذا قد يوحي أن الجزائر أمام "جمهورية ثانية فعلاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقترح المؤسسة العسكرية على الجزائريين، إعادة فتح ملفات "خليفة" و"سوناطراك" (مؤسسة النفط الحكومية)، وملف كمال شيخي الشهير بـ "البوشي"، حين أفشلت قوة بحرية محاولةً لإدخال سبعة قناطير من الكوكايين إلى الجزائر في وهران في مايو (أيار) 2018.

وأكد الناشط في الحراك الشعبي، سمير بلعربي الأحد، الاستمرار بالتظاهر سلماً، "حتى تحقق المطالب. فلا خيار يملكه الجزائريون غير هذا". وأضاف "المطلب الأساسي هو رحيل النظام، حالياً رموزه هم الباءات الأربع"، متوقعاً استقالتهم "فكل المؤشرات توحي ذلك على الرغم من الشعور العام بالإحباط".

هامل يوافق قايد صالح

وتبعاً لحجم الملفات التي تمكن الحراك من فتحها، ومع استعادة مسؤولين سابقين في الدولة قدرتهم على إثارة ملفات بعد صمت طويل بدعوى "واجب التحفظ"، انضم المدير العام السابق للمديرية العامة للأمن (الشرطة) الجنرال عبد الغني هامل إلى قائمة مناهضي النظام الجدد.

قال هامل الأحد، رداً على إشاعات عن استدعائه إلى القضاء العسكري "ليست لدي أي روابط لا من بعيد ولا من قريب مع قضية الكوكايين… تربيتي وثقافتي لا تسمحان أن تكون لي روابط مع هذا النوع من القضايا".

كما أكد دعم التصريحات الأخيرة للفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش، بشأن فتح التحقيقات في ملفات "سوناطاك والخليفة وقضية البوشي".

ويُعرَف أن إقالة هامل، تمّت بعد ضغط من قايد صالح شخصياً، وذلك بعدما ردّ على الزجّ باسمه واسم سائقه ونجله في قضية الكوكايين، فقال إن "مَن يريد محاربة الفساد عليه أن يكون نظيفاً"، ليخلفه العقيد مصطفى لهبيري.

المزيد من