Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخطط زراعة 150 غابة مصغرة في المدن البريطانية لمقاومة تغير المناخ

من المتوقع زراعة 600 شجرة تقريباً في مواقع لا تتعدى مساحة كل موقع منها ملعب كرة مضرب لمواجهة الفيضانات وتحسين التنوع البيولوجي للمدن البريطانية

أطفال يساعدون في زرع شتلات في بلدة ويتني موقع أول غابة صغيرة في المملكة المتحدة (عن موقع "أرث واتش")

هنا، وسط عقار سكني في منطقة أكسفوردشاير، توجد قطعة أرض خضراء صغيرة لا تتعدى مساحتها ملعب كرة مضرب، وقد يخيل للناظر غير المطلع أنها لا تستتحق نظرة ثانية.

فلم يكن يبدو على هذه القطعة الصغيرة والآمنة من بلدة ويتني القريبة من طريق "A40" الرئيسي، أنها نواة مهد ثورة بيئية يمكن أن تغير معالم الأحياء والمناطق في أنحاء المملكة المتحدة، لا سيما في لندن وغلاسكو وبرمنغهام، من هذا العام فصاعداً؛ وإن كان ذلك بطريقة مصغرة للغاية.

لكنها أصبحت كذلك بعدما زرعت بنحو 600 غرسة، الواحدة إلى جانب الأخرى، وتحولت من موقع مملوك لمجلس المدينة إلى أول غابة صغيرة في المملكة المتحدة.

ما الذي يعنيه مصطلح الغابة الصغيرة؟

يقصد بالغابة الصغيرة كل قطعة أرض حرجية في منطقة حضرية، صغيرة بمساحتها لكن كثيفة وغنية بتنوعها البيولوجي، تشجر وتحول إلى غابة حتى تساعد في مكافحة تغير المناخ وتقي المناطق المجاورة من الفيضانات وتأثيراتها، وتعزز وجود الحياة البرية في البيئة المشيدة المأهولة وتحسن الصحة النفسية للأشخاص الذين يعيشون ويعملون بالقرب منها.

من المفترض بالأشجار التي زرعت في هذه البقعة من بلدة ويتني أن تنمو ليبلغ طولها 25 متراً وتتداخل ببعضها بعضاً لتمنع وصول أشعة الشمس إلى الأرض من تحتها. وبين الجذور والأغصان والأوراق المتشابكة والحصينة، يتوقع لحوالى 500 نوع من مختلف أنواع الحشرات والطيور وصغار الثدييات أن تتخذ لها موطناً. وحين تمطر، ستتمكن هذه الظلال السميكة من امتصاص 30 ألف ليتر من المياه وسيكون من الصعب على أي سائل أن يشق طريقه إلى الأرض أسفلها.

الأهم من ذلك، أن الكثافة المحض للأشجار (وزرعها الواحدة قرب الأخرى) سيجعلها فعالة بشكل خاص في امتصاص الكربون من الغلاف الجوي. وصحيح أنه لم تَحدّد بعد التأثيرات الدقيقة لمستويات التلوث، لكن الخبراء يعتقدون بشدة أن قطعة الأرض المشجرة ستعمل كمنقي هواء ضخم للشوارع المحيطة بها.

نعم، كل هذه الإيجابيات متوقعة من قطعة أرض لا تتعدى مساحتها ملعب كرة مضرب.

"الهدف من هذه الغابات إرساء كتلة من الطبيعة البرية في وسط البلدة"، تقول بيث بوديفوت، وهي باحثة مساعدة لدى منظمة "أرث واتش" Earth Watch التي تعنى بالحفاظ على البيئة وتنفيذ المشروع. "فهي تأتي بكل الفوائد التي يمكن توقعه منها".

في الوقت الحاضر، وإثر تنفيذ المخطط الأول، تسعى المنظمة غير الربحية إلى تشجير 150 غابة صغيرة أخرى في أنحاء المملكة المتحدة بحلول العام 2023، مع إعطاء الأولوية لتشجير 25 منها على الأقل في بريستول ومانشستر وليستر هذا العام. ففي يناير (كانون الثاني) وحده، وبصرف النظر عن تفشي وباء كورونا، سيُعمل على تحويل ثلاثة مواقع في أكسفورد ولندن وجيرسي إلى غابات صغيرة.

في كل موقع، ستستحدث مسارات رفيعة بين الأشجار المتشابكة. وفي البعض منها، ستوضع مقاعد وتقام مساحات تعليم صغيرة. لكنها ستبقى جميعها وبشكل أساسي نموذجاً مصغراً عن البيئة البرية المفتوحة للمشاهدة عن بعد وليس للزيارة، على أن تبلغ الصيانة البشرية لها أدنى درجاتها بعد السنوات الخمس الأولى، استناداً إلى النظرية المتبعة.

"ستشكل هذه (الغابات) موارد رائعة للمجتمعات المحيطة بها"، تشرح بوديفوت. "في الصورة العامة للأشياء، تبقى (مساحة الغابات المصغرة) مجرد مناطق صغيرة مع عدد قليل من الأشجار – أي لا تقوى بمفردها على تنقية مدينة بكاملها من الكربون أو أي شيء من هذا القبيل. لكن ما يجعلها ثروة قيّمة بكل ما للكلمة من معنى هو كم الفوائد المتنوعة الذي يمكن أن يتمخض عنها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تضيف بوديفوت: "توفر الأشجار الكثير من الخدمات و(في حالة الأشجار الكثيفة والمتراصة) تكون فعالة بشكل خاص، إما في الوقاية من الفيضانات أو التقاط الكربون أو تحسين التنوع البيولوجي أو إتاحة مكان للبحث العلمي والتعليم".

وقد يكون مفهوم الغابات الصغيرة جديداً على المملكة المتحدة، لكن ظهوره يعود فعلياً إلى سبعينيات القرن الماضي.

حينها، جاء عالم النبات الياباني، الدكتور أكيرا مياواكي، بنظرية بسيطة – مثبتة الآن – مفادها بأن زراعة شجيرات محلية بتركيز كثيف، تحفز النمو السريع (عن طريق إثارة التنافس) وتولد قوة إضافية (عبر تأمين حماية جماعية من التهديدات الخارجية).

منذئذ، اعتمدت هذه الطريقة لزراعة 40 مليون شجرة تقريباً في 15 دولة مختلفة حول العالم. وفي عام 2006، نال مياواكي، البالغ من العمر الآن 90، "جائزة الكوكب الأزرق" عن مساهمته المتميزة في إيجاد حلول ناجعة للقضايا البيئية العالمية. ولو قصدتَ يوماً مناطق العزلة من التسونامي في اليابان، ستلحظ أن الغابات الساحلية – التي أقيمت هناك في مسعى إلى التخفيف من تأثيرات أي فيضان مستقبلي – قد صممت وفقاً لأساليب هذه العالِم.

لكن في العام 2015، عدّل محافظو البيئة الهولنديون أفكار مياواكي، أو بالأحرى حجّموها، وخرجوا بما يعرف اليوم بمفهوم الغابات الصغيرة. وكانت النتيجة تطبيق الخبراء في "معهد التعليم الطبيعي والاستدامة" IVN Nature Education في البلاد مفهوم الزراعة المكثفة لمياواكي على مساحات صغيرة في أوساط حضرية عموماً.

في الفترة الفاصلة التي امتدت خمس سنوات، استحدث الخبراء أكثر من 100 غابة صغيرة في هولندا – بما في ذلك في أوترخت وزاندام – وقدموا المشورة بشأن مخططات مماثلة في كل من فرنسا وبلجيكا. وها هم يساعدون اليوم في المشاريع المقرر تنفيذها في المملكة المتحدة.

"لقد استقطبت مخططات زراعة الأشجار مؤخراً الكثير من الاهتمام، مع أن معظمها لا يتّسق بالضرورة مع المناطق الحضرية"، أورد فيكتور بومر، المحافظ على البيئة الهولندي الذي يعتبر أول من عرّف "أرث واتش" على مشاريع "معهد التعليم الطبيعي والاستدامة" في خطاب ألقاه خلال زراعة (الغابة المصغرة) في بلدة ويتني في مارس (آذار) الماضي. "في المقابل، توفر الغابات الصغيرة حلاً مثالياً للمناطق الحضرية، أو بالأحرى، طريقة ناجعة لمضاعفة فوائد الأشجار ضمن مساحة صغيرة، حيث يمكن للأراضي أن تكون محدودة".

من بين الأراضي المخطط تحويلها في بريطانيا، عقارات المجالس المحلية وملاعب المدارس الحضرية ومساحات خاصة، وسيتولى عملية الزرع عموماً موظفو "أرث واتش" ومتطوعون محليون ومنظمات شريكة، على غرار المدارس المجاورة. ولغاية هذه اللحظة، لم تحدد بدقة المواقع التي ستحول إلى غابات وكلفة كل غابة حددت بنحو 25 ألف جنيه إسترليني (أي حوالي 33 ألف دولار أميركي)، على أن يؤمن هذا المبلغ من الرعاة أو الشركاء أو السلطات المحلية.

لكن لا يحبذ الكل فكرة الغابات الصغيرة ويؤيدها، وهو أمر لا بد من ذكره.

هناك من يشكك في أن تؤدي قطع الأرض التي تزدحم بأشجار متشابكة ولا تتعدى مساحة كل واحدة منها ملعب كرة مضرب في وسط المدينة إلى اجتذاب سلوكيات غير اجتماعية وحيوانات من قبيل الثعالب.

بالعودة إلى ويتني، يؤكد عضو مجلس البلدة دانكن إنرايت – الذي كان يشغل منصب رئيس البلدية حين زرعت رقعة الأرض في بلدة إيتون كلوز بالأشجار – أن السكان في المناطق المتاخمة يشعرون بالإيجابية تجاه هذه الخطوة.

"إنه أمر رائع – والأهم أن نكون السباقين في المملكة المتحدة"، على حد تعبير إنرايت. "وأنا أرى بأنها خطوة عملية ورمزية باتجاه تحقيق الهدف الذي يسعى إليه مجلسنا بكل ما أوتي من قوة وهو تحقيق مدينة خالية من انبعاثات الكربون بحلول العام 2028".

صحيح أنه لم يمر وقت طويل على إرساء هذه الغابة، لكن فوائدها بدأت تتجلى بالفعل.

"يمكن القول إنها صغيرة لكن مفعولها كبير. ففي فصل الصيف، أي بعد أشهر قليلة على زراعتها، بدأنا نرى فيها طيوراً ونحلاً وفراشات؛ المستقبل إذن، واعد. وعليه، نصحنا كل مجلس اتصل بنا مستفسراً حول سبل المضي قدماً بالمشروع. أعتقد أن الغابات الصغيرة ستكون أمراً عظيماً؛ ففوائدها أكبر من أن يتم تجاهلها"، ختم إنرايت.

© The Independent

المزيد من بيئة وجيولوجيا