Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حزب الله" يهيئ بنية تحتية لمناطقه لأن "الحكومة تحتاج وقتا"

يستمر رئيس الجمهورية ميشال عون في وضع شروط تعجيزية أمام تشكيلة سعد الحريري

رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في القصر الرئاسي ببعبدا (غيتي)

لا يلبث "حزب الله" في لبنان أن ينفي ربطه تشكيل الحكومة باستحقاقات خارجية، رداً على اتهامه من قبل خصومه بأنه يرهن قيامها بالأجندة الإيرانية، حتى يعود فيؤكد بسلوكه هذا الاتهام، بطريقة أو بأخرى.

وما بات متعارفاً عليه في الأوساط السياسية اللبنانية، أن الحزب يقف خلف العراقيل التي يضعها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وصهره رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، في وجه مهمة الرئيس المكلف سعد الحريري إنجاز الحكومة في سرعة، بعد مضي تسعة أسابيع على تكليفه من قبل الأكثرية النيابية، كي يشكل حكومة اختصاصيين غير حزبيين، تفادياً لغلبة منطق المحاصصة الحزبية والسياسية والطائفية.

آخر من كرروا اتهام الحزب بالربط بين تأليف الحكومة وبين انتظار تسلّم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن مهماته في 20 يناير (كانون الثاني) رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، خلال حديث أدلى به لجريدة حزبه على موقعها الإلكتروني (الأنباء)، غداة مقابلة الأمين العام للحزب حسن نصرالله التلفزيونية، حين قال إن "القوة المركزية في لبنان، أي إيران متمثّلة بحزب الله، تنتظر تسلم الرئيس المنتخب الجديد جو بايدن لتتفاوض معه على الملف اللبناني، الصواريخ، العراق، سوريا، اليمن".

يتهم الآخرين بما يُتهم به

إلا أن الحزب دأب على رد التهمة بأن الحريري هو الذي يترقب تخفيفاً للشروط الأميركية على تركيبة الحكومة الجديدة.

من عادة "حزب الله" أن يتهم الآخرين بما يتهمونه به، لكن نصرالله لم يترك مجالاً للشك في الربط بين ولادة الحكومة وبين انتقال السلطة في واشنطن، حين قال في مقابلة تلفزيونية مطولة مع قناة "الميادين" إن علينا أن ننتظر "ما الذي تريده الإدارة الأميركية الجديدة في المنطقة"، في سياق رده على أسئلة عن الوضع الإقليمي، إذ أشار إلى "وجود مقاربات بأن الإدارة الأميركية الجديدة ربما يكون لديها موقف مختلف بالنسبة إلى حل القضية الفلسطينية، وربما في العودة للاتفاق النووي مع إيران".

واستطراداً، فإن نصرالله لا يفصل الوضع في لبنان عن المعادلات الإقليمية، ولا سيما في سياق الصراع الإيراني – الأميركي، فهو عاد وقال إنه "في ظل الإدارة الحالية (الرئيس دونالد ترمب) لا يمكن أن يحصل ترسيم الحدود" البحرية بين لبنان وإسرائيل، التي تلعب واشنطن دور الوسيط والمسهّل فيها. ثم لفت إلى أن "الحكومة لا تزال تحتاج وقتاً". 

وأعاد التأخير في التأليف إلى "تأكيد المعنيين وجود أسباب داخلية، والمشكلة الأساسية تكمن في غياب الثقة، وفي شكل أساسي بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري"، لكنه أبقى على شعرة معاوية مع الرئيس المكلف، فأوضح أن "هناك أجواء إيجابية وتعاوناً بيننا وبين الحريري".

سياسة الحزب تقوم على أن يترك لحلفائه في الفريق الرئاسي العوني أن يخوضوا المواجهة مع الحريري، فتطغى مظاهر التناقضات السنيّة - المارونية، في شكل يجنبه تصاعد الحساسية السنيّة – الشيعية، إذا تولى هو وضع الشروط والمطالب التي تعرقل مهمة زعيم تيار "المستقبل" في إنجاز الحكومة.

المواجهة السنيّة - المسيحية تريحه

ويرى أحد السياسيين البارزين المتابعين لفصول العراقيل في وجه تأليف الحكومة، أنه طالما يتولى عون وباسيل تضخيم مطالبهما التوزيرية التعجيزية، باسم شراكة الموقع المسيحي الأول في الدولة في اختيار الوزراء، وإضعاف قدرة الحريري على إنجاز الحكومة بالنيابة عنه، فإن المواجهة السياسية بينهما على الصيغة الحكومية توفر على "حزب الله" تبعات تأخيرها في شكل مباشر، فالجمهور المسيحي الذي يحمّل الحزب مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية المالية والمعيشية في البلد، نتيجة تحويله إلى منصة للتدخلات الإيرانية في المنطقة، وبالتالي استعداء الدول العربية والغربية، أخذت دائرته تتسع في شكل تصاعدي خلال الآونة الأخيرة، والدليل مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي أخذ يرفع من درجة تلميحاته إلى دور الحزب في عرقلة ولادة الحكومة، إذ قال في قداس الميلاد في 25 ديسمبر (كانون الأول)، "تفاجأنا بربط تأليف الحكومة بصراعات المنطقة، فبتنا من دون سلطة إجرائية دستورية، وازداد الانهيار".

وكان أكثر وضوحاً بتحذيره من أنه "وإن كان ثمة من يراهن على سقوط الدولة، فليعلم أن هذا السقوط لن يفيده ولن يفتح له طريق انتزاع الحكم، لأن انتصار بعضنا على بعض مستحيل بكل المقاييس، ولأن اللبنانيين شعب لا يقبلُ اصطناع دولة لا تشبهه ولا تشبه هويته وتاريخه ومجتمعه".

وفي اعتقاد السياسي المواكب لفشل جهود تذليل العقبات، وآخرها مساعي البطريرك الراعي، من أمام تأليف الحكومة، أن الحزب يكسب في لعبة الاختباء خلف شروط عون وفريقه على الحريري، فحليفه عون يحتاج إلى دعمه في المواجهة التي يخوضها من أجل فرض شروطه الحكومية، والحريري سيحتاج إلى تدخله مع عون وباسيل من أجل خفض سقف مطالبهما التعجيزية عندما يحين وقت قيام الحكومة وفق الروزنامة الإيرانية.

لا اكتراث بآثار الفراغ الحكومي

المواربة عند "حزب الله" في مقاربة معضلة الفراغ الحكومي لا تقنع أياً من خصومه، حتى الذين يفضلون مهادنته في هذه المرحلة، من باب قناعتهم بأن رفع قبضته عن القرار السياسي اللبناني مرتبط بظروف إقليمية. لكن قيادته لا تكترث لانكشاف دوره وآثار الفراغ الحكومي على الأوضاع المعيشية في البلد، التي ستزداد سوءاً كل يوم يتأخر فيه قيام حكومة مستقلين غير حزبيين، تنفذ الإصلاحات المتفق عليها بحسب المبادرة الفرنسية، تمهيداً لتقديم المساعدات المالية التي توفر السيولة بالعملة الصعبة لوقف انهيار الليرة اللبنانية، وتتيح استيراد المواد الأساسية.

فنصرالله في حديثه التلفزيوني لم يأتِ على ذكر التدهور في معيشة اللبنانيين إلا لماماً، مبرهناً أن همّه إقليمي قبل أي شيء، بدءاً من اتهامه دولاً عربية وغربية بأنها تسعى إلى اغتياله، وهي الدول التي يفتعل معها مرة أخرى اشتباكاً، في وقت يفترض أن يتكل لبنان على مساعداتها المالية من أجل تصحيح أوضاعه.

جنبلاط: مرتاحون على وضعهم

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن أوساط بعض معارضي الحزب يلفتون إلى قول نصرالله إن الحكومة ستأخذ وقتاً، بما يعني أن في حسابه إمكان تدهور الأوضاع الحياتية أكثر في البلد. وينبّه هؤلاء إلى تأكيده بأنه "معني بحماية بيئة حزب الله، والرهان على صبرها"، فالحزب يخطط وفق المعلومات للتخفيف من معاناة بيئته في المناطق التي يسيطر عليها، بمجموعة إجراءات تدل على سعيه، بدعم من إيران، إلى التكيّف مع الانهيار الآتي جراء استمرار الانسداد السياسي أمام الحكومة المقبلة.

تستند الأوساط التي تتابع ما ينويه الحزب من خطوات، إلى ما أعلنه جنبلاط عن "أنهم مرتاحون في وقتهم، ونرى كيف يستفيدون من الفراغ في لبنان، ومن يركّب أجهزة ATM في مناطقه تمكن من سحب مبلغ يصل إلى حد 5 آلاف دولار نقداً، فيما المواطن اللبناني العادي يذهب إلى المصارف و"يتشرشح"، ولا يستطيع غير سحب كمية قليلة جداً بالعملة اللبنانية"، فتسهيل حصول الجمهور الموالي لـ "حزب الله" على الأموال النقدية عبر مؤسسة "القرض الحسن" المالية التابعة له، والتي وضعتها واشنطن على لائحة العقوبات منذ مدة، بات شائعاً بعدما انتشرت صور آلات سحب الأموال النقدية في وسائل الإعلام اللبنانية.

تسويق مواد غذائية إيرانية وسورية

كما أن الحزب تسلم ويتسلم من إيران وسوريا شحنات بضائع ومواد غذائية يتولى تسويقها بأسعار متدنية، نظراً إلى انخفاض كلفة إنتاجها في هذين البلدين، في متاجر ضاحية بيروت الجنوبية والجنوب والبقاع عبر تجار، فيستفيد من أثمانها في عملية تمويل نفسه، من بين أساليب أخرى.

وثمة من يتوقع أن يلجأ الحزب إلى الإفادة من تجربة شركة كهرباء زحلة الخاصة، التي جدد البرلمان اللبناني امتيازها لإنتاج الكهرباء سنتين إضافيتين، في ظل قصور وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان المملوكة من الدولة عن تأمين التيار الكهربائي 24/ 24 ساعة. وهو يخطط لإنشاء شركة مشابهة في ضاحية بيروت الجنوبية وفي البقاع والجنوب اللبناني، بحيث يضمن إضاءة هذه المناطق، في مقابل احتمال انتقال المناطق التي تغذيها كهرباء لبنان إلى العتمة بعد مدة إذا لم يتأمن التمويل اللازم لتشغيل وتطوير معاملها، وهذا يعني أنه سيفرض لاحقاً تشريع الترخيص لشركات كهذه تابعة له.

أما في مجالات أخرى، فإن الحزب يتكل على تأثيره ونفوذه في المؤسسات الرسمية المعنية بها، مثل المساعدات الاجتماعية أو الزراعية التي تقدمها وزارات، والطبابة عبر وزارة الصحة، وغيرها مما تبقى من إمكانات لدى القطاعات الحكومية، لا سيما أن لديه دالة على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب.

في اختصار، يسعى الحزب إلى إقامة بنية تحتية حيث يتيسر ذلك في مناطق سيطرته، تلاقي استحسان بيئته الشعبية تفادياً لاتساع النقمة ضده، مما يعني أن توقعه أن تطول الأزمة لأن الحكومة تحتاج وقتاً، له تبعات اجتماعية، يعمل على التعاطي معها لتثبيت سيطرته في مناطق نفوذه خصوصاً.

المزيد من العالم العربي