Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحركة الفنية التشكيلية العربية اعترتها حال من الارتباك والحذر

مهرجانات بينالية أجلت وقاعات أغلقت ومعارض افتراضية حاولت تعويض الفراغ

كورونا في لوحة الرسام محمد عبدالله (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - موقع الرسام)

قبل عام واحد فقط لم يكن من المعتاد عند زيارتك أحد الغاليريهات أن يُطلب منك ارتداء الكمامة، أو أن يشير إليك أحدهم بضرورة تطهير يديك قبل الدخول، ولم يكن عليك مثلاً أن تحدد موعداً عند زيارتك أحد العروض الفنية. هذه السلوكات كانت ستبدو غريبة، أو ربما مثيرة للسخرية أيضاً قبل عام 2020. اليوم أصبحت من الأمور المعتادة لدى رواد الجاليريهات والمساحات الفنية، لا يجد المرء غضاضة في اتّباعها، بل ربما ينظر بريبة واستهجان لمن يخالفها. إنها إجراءات السلامة المُرتبطة بوباء كورونا، والتي أصبحت جزءاً من حياتنا الاجتماعية والثقافية.

لم يقتصر الأمر على هذه الإجراءات وحدها بالطبع، بل تخطاه إلى علاقتنا بالعمل الفني، فقد ظهرت العديد من المبادرات التي تدعو إلى استبدال الزيارات المباشرة بافتراضية على الإنترنت. سرعان ما انتشر الأمر وسيلة لتجاوز حال الإغلاق العام والحجر الصحي. نقل العديد من المؤسسات والمساحات الفنية نشاطه إلى الفضاء الإلكتروني. معارض فنية للوحات ومنحوتات أو أعمال تركيبية، أو حتى عروض آدائية، يتيح أغلبها إمكان التنقل والحركة داخل المكان وبين المعروضات من منزلك. صارت علاقتنا بالعمل الفني مرهونة بالشاشات. إنه عام موسوم بالغرابة حقاً!

لا شك في أن عام 2020 كان شديد الوطأة على الفنانين العرب ونشاطهم، كما في أنحاء العالم. فكثير من المؤسسات والمتاحف وقاعات العرض الفنية أغلقت أبوابها في إجراءات الإغلاق. وإن كان الأمر قاسياً على المؤسسات الكبرى، فقد كان بلا شك أشد وطأة على الغاليريهات الصغيرة التي تُكافح من أجل الصمود في وجه هذه الأزمة. يقول أحد أصحاب الغاليريهات في القاهرة أن الموسم الفني أصابه الارتباك تماماً هذا العام، فبرنامج العروض الذي وُضع في بداية العام طرأت عليه الكثير من التعديلات. ويضيف: "هذا الأمر يمكن تجاوزه بالطبع، غير أن الأصعب الخسارة المادية التي تعرضنا لها، في ظل الإغلاق. حتى بعدما فتحت القاعات والمؤسسات الفنية أبوابها أمام الزوار، هناك تخوف من الكثيرين من الحركة والاختلاط  مع استمرار الوباء وتزايد أعداد المُصابين، ما أثّر بالطبع في عملنا.

شلل فني

في ظل التخوفات والإجراءات المُشددة التي اتخذتها الدول العربية خلال الشهور الأولى من هذا العام للحيلولة دون تفشي الوباء، وتماشياً مع الإغلاق التام للنشاطات والحد من الحركة والتجمعات، لجأت غالبية المؤسسات الفنية والثقافية إلى تعليق نشاطها، ما أصاب حركتها في العالم العربي بالشلل التام. أُرجئت العديد من الأحداث والملتقيات المهمة، وأُغلقت العشرات من قاعات العرض الفنية ومساحاتها. وفي هذه الأجواء القلقة أُرغم الفنانون كغيرهم على البقاء في المنزل التزاماً بإجراءات التباعد الاجتماعي.

أدى هذا الوضع الاستثنائي إلى ظهور العديد من المبادرات الفردية للتعبير، ستظل بلا شك أثراً لا يُمحى لهذه الذكرى القاسية. فنانون كثر لجأوا إلى أعمال مليئة بالخوف والقلق، وغيرهم إلى السخرية والطرافة أيضاً.

تبرز هنا مبادرة الفنان الجزائري حمزة بنوا للرسم بالضوء في شوارع العاصمة الخالية من المارة. من بينها أيضاً والتي قوبلت بمشاركة واسعة من الفنانين العرب، مُبادرة الفنانة الأردنية هيلدا حياري التي دعتهم إلى التعبير عن أجواء العزل المنزلي في أعمال فنية مرسومة بالأبيض والأسود. دشنت حياري صفحة على موقع فيسبوك لهذا الغرض تحت عنوان "اسكتشات بالأسود والأبيض في العزل". جذبت العشرات من مشاركات الفنانين من أنحاء العالم. لم يقتصر الأمر على العرب وحدهم، بل استقبلت الصفحة أعمالاً عدة لفنانين من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وسنغافورة وغيرها. وقد اقتصرت الأعمال المنشورة على الصفحة على الحديثة فقط المتعلقة بفترة انتشار الوباء، بما فيها تجاربهم مع العزل المنزلي، والاقتصار على المرسومة بالأبيض والأسود على الورق.

من المبادرات اللافتة أيضاً على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تلك التي دشنتها مؤسسة مدرار للفنون المعاصرة في القاهرة تحت عنوان "خلف الأبواب" لعرض التجارب الآدائية. عبرها بُثت العشرات من الأعمال والتجارب مباشرة على الإنترنت. المشروع دُشّن كما يقول القائمون على المؤسسة لتجاوز عراقيل العرض والتواصل الجماهيري بين فناني الآداء والمشاهدين خلال فترة الإغلاق بسبب الوباء. وجميعها عبر هذه الصفحة لفنانين وفنانات وظفوا المساحة المتاحة لهم في منازلهم أثناء العزل من أجل هذا الغرض.

منصات إلكترونية

على مستوى المؤسسات الفنية، كان هناك اضطراب واضح في جدول العروض والفعاليات. اضطرت مؤسسة الشارقة للفنون على سبيل المثال إلى تعليق نشاطها إلى أجل غير مسمى. تأجل هذا العام لقاء مارس، وهو أحد أبرز النشاطات السنوية التي تنظمها المؤسسة، كملتقى سنوي يجمع العديد من القيمين والفنانين وكان من المقرر أن يناقش في مداولاته وحلقاته هذا العام الأفكار المرتبطة ببينالي الشارقة الذي من المقرر أن تنطلق فعالياته في 2021، والذي أصبح انعقاده هو الآخر على المحك. معظم العروض والفعاليات الأخرى التي قدمتها مؤسسة الشارقة خلال عام 2020 انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني، بما فيها منصة الشارقة للأفلام، وعروض مهمة لفنانين عرب وأجانب، قبل أن تفتح أبوابها جزئياً أمام الجمهور مع الحفاظ على إجراءات التباعد الاجتماعي والسلامة، بالإضافة إلى ضرورة الحجز المسبق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما أقدمت عليه مؤسسة الشارقة، تكرر في معظم المواقع والمؤسسات في أنحاء العالم العربي. مؤسسة جميل للفنون في السعودية لجأت إلى تعليق نشاطها الجماهيري تماماً، بينما مؤسسة دارة الفنون الأردنية أتاحت عروضها بالكامل عبر منصتها الإلكترونية التفاعلية. وفي لبنان أجلت الغاليريهات الفنية عشرات العروض التي كان من المقرر إقامتها، إلى مواعيد لاحقة. حدث الأمر نفسه في عواصم عربية أخرى تعطلت خلالها العروض الفنية. ينطبق الأمر كذلك على دول أخرى كالعراق والسودان والمغرب وتونس، حيث ألغيت جميع الفعاليات وأغلقت الغاليريهات الخاصة أبوابها أمام الجمهور. في الجزائر اقتصر نشاط المؤسسات الفنية على عرض الأعمال فقط، مع إلغاء الافتتاحات والتجمعات المرتبطة بها.

في مصر علّقت وزارة الثقافة نشاطها الفني والثقافي لفترة قبل أن تعاود العمل مرة أخرى تحت إجراءات احترازية، أما على مستوى الغاليريهات والمؤسسات الخاصة فقد لجأ بعضها إلى الإغلاق التام، والبعض الآخر استمر من دون تدشين فعاليات جديدة. كما أُجّلت النسخة التاسعة من مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة والتي كان من المقرر عقدها في الفترة من 20 مارس (آذار) وحتى 10 إبريل (نيسان)، على أن تستأنف في أشهر الخريف، وهو ما لم يحدث. ويعد هذه المهرجان الوحيد من نوعه في مصر الذي يجمع أشكالاً من الفنون المعاصرة من كل أنحاء العالم، ويشمل عروضاً آدائية ومسرحية وبصرية وموسيقية وسينمائية، ويشارك فيه فنانون من جنسيات مختلفة. ومع هذه الأجواء المربكة على الصعيد المصري، لم يخلُ الأمر من أحداث إيجابية، فقد أعيد افتتاح متحف الفن المصري الحديث من جديد بعد سنوات من الإغلاق بسبب الترميم وإعادة التأهيل.

لا شك في أن هذا الشلل الذي أصاب الحياة الفنية والثقافية خلال عام 2020 كان له مردوده السلبي على الفنانين المستقلين والمؤسسات الفنية الصغيرة، في ظل غياب أي دعم حكومي أو مؤسسي. ومن المرجح أن تفرض هذه التداعيات نفسها على النشاط الفني خلال 2021 الذي يستقبله العالم بمزيج من التفاؤل والحذر، فالتعافي من الأزمة يحتاج إلى وقت وجهد ومثابرة.

المزيد من ثقافة