Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا يصدق كثيرون من الأميركيين نتائج الانتخابات؟

من المهم فهم سيكولوجية العدالة لمعرفة هذه الظاهرة المحيّرة

على الرغم من حسم نتيجة الانتخابات الرئاسية لصالح جو بايدن بفارق سبعة ملايين صوت وكسبه أصوات المجمع الانتخابي، وفشل الرئيس دونالد ترمب وفريقه عبر 60 دعوى قضائية في إثبات تزوير الانتخابات، إلا أن نتائج استطلاع حديث أظهرت أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الجمهوريين لم يثقوا بنتائج الانتخابات، كما وجدت دراسة أخرى أن ما يقرب من ثلثي الجمهوريين يفتقرون إلى الثقة في نزاهتها، وأكثر من 80 في المئة منهم يخشون التزوير والتحيز وعدم الشرعية، فما السبب في هذا الإنكار المتواصل من الجمهوريين ومن المنتمين إلى التيار المحافظ؟ وهل من سبب نفسي وراء ذلك؟

ظاهرة إنسانية

لا يعدّ الشك في نتائج الانتخابات المخيبة للآمال ظاهرة تتعلق بالجمهوريين فحسب بل إنسانية وفق ما يقول علماء النفس، ولمعرفتها، من المهم فهم سيكولوجية العدالة.

عندما يكون هناك قرار ما، ويحصل الناس على النتيجة التي يريدونها، فإنهم غالباً ما يعتبرون النتيجة عادلة، وعلى سبيل المثال، حين يتقدم الأشخاص لترقية في العمل وينالونها في النهاية، يعتقدون على الأرجح أنهم يستحقونها، ولكن إذا لم يحصلوا عليها، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى رد فعل مختلف، ويتساءلون غالباً عما إذا كانت عملية اتخاذ القرار استندت إلى أسس موضوعية وأخلاقية وخالية من التحيز.

تأثير العملية العادلة

يشير العديد من الأبحاث النفسية وفي علوم الإدارة أيضاً إلى أنه عندما يحصل الناس على نتيجة غير مواتية لتطلعاتهم، ويعتقدون في الوقت نفسه أن العملية المستخدمة في اتخاذ القرار كانت عادلة، فإنهم يتفاعلون بشكل أكثر إيجابية.

صحيح، قد يصابون بخيبة أمل وربما يشعرون بالإحباط، لكنهم يميلون إلى قبول القرار ويظلون مخلصين للمؤسسة التي اتخذته، وهو ما تعرّفه الجمعية الأميركية لعلم النفس باسم "تأثير العملية العادلة"، بمعنى أن النتيجة النهائية للقرار توضح عدالة الإجراءات التي استخدمت في استخلاصه، ومن ثم يؤثر ذلك بشكل إيجابي في كيفية تفاعل الناس مع النتائج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في العديد من المواقف، قد يجد الناس صعوبة في تقييم ما إذا كانت نتيجتهم عادلة أو لا، مرضية أو لا، فحسب، بسبب أنهم لا يمتلكون معلومات سوى عن نتائجهم الخاصة بهم، بينما لا يعرفون نتائج الآخرين، وفي مثل هذه المواقف تستخدم عدالة الإجراءات كبديل إرشادي للتخفيف من ردود الفعل السلبية على قرار لا يفضله البعض.

البحث عن الأخطاء

مع ذلك، أوضح بحثان أجرتهما جامعة ميشيغان الأميركية العام 2009 أنه عندما يكون القرار غير المفضل على درجة عالية من الأهمية بالنسبة إلى مجموعة من الأشخاص أو يعد أمراً أساسياً لهويتهم أو قيمهم الشخصية، فإنهم يميلون إلى البحث عن الأخطاء والعيوب التي تثبت أن العملية المستخدمة لاتخاذ القرار كانت غير عادلة.

في البحث الأول، طُرحَت أسئلة على 180 طالباً جامعياً بشأن قرار تعتزم إدارة الجامعة اتخاذه قريباً للحد من حرية التعبير، وأخبر الطلاب أن لديهم فرصة للتعبير عن مخاوفهم في منتدى عام، وعند تقييم ما إذا كان القرار الذي اتخذته الإدارة ينتهك هويتهم وقيمهم الشخصية كأعضاء في الجامعة، كشف البحث عن رد فعلهم بأنه كان غير عادل، حتى عندما أتيحت لهم الفرصة للتعبير عن آرائهم في منتدى عام، كما كانت هناك علاقة ضعيفة أو معدومة بين إتاحة الفرصة لهم لإبداء الرأي وإدراكهم الإجراءات العادلة بالنسبة إلى من اعتبروا أن هويتهم قد انتُهكَت.

في البحث الثاني، طرحت أسئلة على 277 من الموظفين والعاملين ذوي الخبرة عن القرارات التي اتخذتها الإدارة خلال عملهم هل يعتبرونها لهم أو غير عادلة وكانوا يتقبلونها، فكشفوا عن أن العملية الموضوعية ذات الإجراءات العادلة، لم تُحسِن من تصوراتهم في البحث عن العدالة عندما تنتهك إحدى النتائج هويتهم الشخصية، وهم في هذه الحالة لم يتحدثوا فقط عن خلل في الإجراءات، إنما شككوا أيضاً في أن الآراء التي قدموها إلى صانع القرار قد أخذت في الاعتبار.

دوافع عدم التصديق

يشير الباحثون إلى حقيقة أن الناس عندما لا يحصلون على النتيجة التي يريدونها بشأن قضية محورية لهويتهم، فإن ذلك يدفعهم إلى البحث عن أسباب تقول إن الإجراءات الموضوعية العادلة كانت خاطئة ومعيبة بشكل واسع، بل إنهم يشعرون بعدم تصديق العملية برمتها.

وتتسق هذه النتائج مع أبحاث أخرى تظهر أن من لديهم موقف أخلاقي قوي بشأن قضية ما، يميلون بدرجة أكبر إلى الاقتناع بأن الإجراءات المستخدمة والنتيجة التي أفرزتها كانت عادلة عندما تكون في صالحهم، لكنهم لا يميلون إلى تصديق وقبول عدالة الإجراءات والنتيجة من الناحية الموضوعية إذا كانت مُغايرة لرغبتهم.

تظهر هذه المواقف بوضوح حينما تتعلق بقضايا تشهد انقساماً واسعاً في المجتمع الأميركي، فعلى سبيل المثال عبر الداعمون لحقوق الإجهاض في الولايات المتحدة، عن اعتقادهم بأن تبرئة متهم بتفجير عيادة تجري هذه العمليات، تعود إلى أن إجراءات المحاكمة غير عادلة، وبالمثل، فإن المناهضين لذلك اعتبروا، تبرئة طبيب يجري عمليات إجهاض متأخرة وغير قانونية، محاكمة غير عادلة، وهكذا فعندما يهتم الناس بشدة بقضية ما ويحصلون على نتيجة لا يرغبون فيها، فإنهم يتساءلون عن إجراءات العملية التي استخدمت في الوصول إلى اتخاذ القرار.

إنكار غالبية الجمهوريين

بتطبيق حالة الاهتمام الشديد خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية وما تلاها من نتائج في بيئة تسيطر فيها سياسات الهوية وتتحكم الانقسامات الحزبية الغائرة، ليس بالمستغرب أن يرفض كثيرون من الجمهوريين والمنتمين إلى التيار المحافظ نتيجتها على أساس أن عيوباً إجرائية يتصورونها هي السبب الذي جعلتها غير عادلة، على الرغم من الواقع الموضوعي الذي كشفت عنه الدعاوى القضائية الـ 60، والتي فشلت في محاكم العديد من الولايات والمحاكم الفيدرالية والمحكمة العليا الفيدرالية الأميركية.

لا يقتصر رفض نزاهة نتيجة أو قرار ما، عندما تُنتهك هوية مجموعة معينة من حزب سياسي واحد، فعلى سبيل المثال، عندما تم تثبيت تعيين بريت كافانو الذي رشحه الرئيس ترمب قاضياً في المحكمة العليا بعد جدل واسع حول اتهامه بالتحرش خلال جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ، مال الديمقراطيون إلى الاعتقاد بأن هذه الجلسات كانت غير عادلة، وأن عملية حجب جرت لعدد من الأدلة المهمة التي كان من شأنها أن تحول مجرى الاستجواب على مرأى ومسمع من جميع الأميركيين على شاشات شبكات التلفزيون الأميركية.

إرشادات الحل

نظراً لأن أي شخص يمكن أن يقع ضحية لهذا التحيز، ينصح أساتذة علم النفس باتّباع سلسلة من الخطوات للحيلولة أو لتخفيف القدرة على التحيز، مثل محاولة إضفاء الشرعية على عملية اتخاذ القرار من خلال مزيد من إجراءات الشفافية والموضوعية، وإضافة أشخاص موضوعيين ومحايدين من خارج المؤسسة أو الحكومة خصوصاً عند مواجهة قضايا ذات أبعاد أخلاقية، نظراً لأن الناس غالباً ما يتوصلون إلى استنتاجات تتوافق مع مصلحتهم الذاتية، وهو ما يسميه علماء النفس "التفكير الأخلاقي المحفز"، وبالتالي يصبح للشخص المحايد فرصة تقييم القرار بدقة أكبر.

علاوة على ذلك، فإن تقليل شعور الفرد بالاختلاف والانعزال عن أعضاء مجموعة أخرى عبر التقارب الإنساني، يمكن أن يخفف من الاعتقاد الذي يتولد لدى البعض بأن عملية اتخاذ القرار مزورة أو متحيزة.

حتى في حال لم يحصل الناس على النتيجة التي يريدونها في قضايا مركزية تخص هويتهم، فإن من المهم الحذر قبل التشكيك في شرعية أي عملية تتم على أسس موضوعية وعادلة.

المزيد من تحلیل