Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشعيبية طلال رائدة الفن الفطري في المغرب مازالت تمارس سحرها

معرض يستعيد أعمال الفنانة التي تحولت من خادمة منزل إلى اسم عالمي في حقل التشكيل

الرسامة المغربية الفطرية الشعيبية طلال (الخدمة الإعلامية في المعرض)

 تعود الشعيبية طلال، الفنانة الأشهر في تاريخ التشكيل المغربي، هذه الأيام إلى الواجهة، وذلك عبر المعرض المخصص لها على مدار ثلاثة أشهر، الذي انطلق أخيراً في فضاء سفي مدينة الرباط، وبتنظيم من "سي دي جي إكسبرسيون" ومؤسسة صندوق الإيداع والتدبير، ويستمر إلى منتصف شهر مارس (آذار) 2021 .

 يحمل المعرض عنواناً ذا طابع احتفائي، "الشعيبية..ساحرة الفنون"، ويقدم أعمالها وفق ثلاثة تقسيمات كرونولوجية، "نداء، من الإرهاصات الأولى إلى تأكيد التفرد"، ويتوقف فيه زوار المعرض عند مرحلة البدايات لدى هذه الفنانة العصامية، وتحديداً من سنة 1960 إلى 1972، ثم "سنوات النجاح، من المعارض الأولى إلى الاعتراف الدولي"، وتقدم هذه الفترة السنوات من 1972 إلى 1990، ثم "السنوات الأخيرة" وتشمل الأعمال الفنية التي أنجزتها الشعيبية طلال في الفترة الممتدة من 1990 إلى 2003.

وبالموازاة مع عرض لوحات الفنانة المغربية الرائدة، تمّ تقديم كتاب عنها يشمل، فضلاً عن صور اللوحات المعروضة خلال هذه التظاهرة، بعض الشهادات التي كُتبت عنها، تتصدرها كلمة عالمة الاجتماع المعروفة الراحلة فاطمة المرنيسي. والطريف أن الكتاب يقدم الشعيبية طلال كشاعرة، إذ يضم في مواده نصاً شعرياً لها.  

 كرامة المرأة الفنانة

تقول فاطمة المرنيسي في كلمتها عن الشعيبية طلال: "إنها شعاع من الضوء يتموج ويومض ويسمى إنساناً، حتى لو كانت امرأة يعتبرها بعضهم هنا وهناك تافهة وثانوية وعديمة الأهمية". تضيف المرنيسي، "تمكنتْ في مجتمع مبرمج لإهانة المرأة، من إحباط المخططات وتفكيك الآليات، ودونما تعمد، ومجردة من كل سلاح، لأن البحث عن الكرامة صار هو رد الفعل الأكثر تلقائية للبقاء وللحياة، بشهادات أو دونها".

كلمة المرنيسي كانت بمثابة انتصار للفنانة الفطرية، التي عانت في بداياتها من الإقصاء والرفض وعدم تقبل الوسط التشكيلي المغربي لفنها، خصوصاً أن معظم الفنانين الذين جايلوها حظوا بتكوين أكاديمي ودرسوا التشكيل في المعاهد العليا في المغرب وأوروبا.  بالتالي لم يكن من السهل نجاح امرأة بدوية وغير متعلمة في مجال فني يحتاج، فضلاً عن الموهبة، إلى معرفة فنية ومرجعية نظرية شاسعة.

من خادمة في البيوت إلى فنانة عالمية

ويكفي العودة إلى حياة الشعيبية طلال لفهم تلك المعجزة التي حولتها من أرملة فقيرة تعمل خادمة في البيوت إلى فنانة عالمية. فقد ولدت في البادية في ضواحي مدينة أزمور، تزوجت وهي في الثالثة عشرة من عمرها برجل متقدم في السن، فارق الحياة بعد عامين من الزواج تاركاً بين يديها الطفل الحسين، الذي صار فناناً معروفاً في ما بعد. ولأجل ذلك الطفل عملت خادمة في المنازل في مدينة الدار البيضاء.

 تروي الشعيبية قصة يختلط فيها الواقع بالفانتاستيك، وهي تتحدث عن كلمة السر التي أتاحت لها الدخول إلى منجم التشكيل. فقد رأت وهي في شبابها حلماً غريباً، غرباء يقدمون لها أوراقاً وفرشاة، وصوت يقول لها: "خذي الألوان وارسمي". في حلمها كانت ثمة أشرعة تدور بها، لكن ليس في البحر، بل في السماء. ظل اللون الأزرق الطاغي في الحلم حاضراً في الواقع، وحال استيقاظها من النوم سارعت إلى شراء طلاء أزرق وشرعت ترسم.

إنقسام وغيرة

غير أن نقطة التحول ستكون لاحقاً، وبسبب ناقد فرنسي هو بيار غوديبير الذي جاء إلى منزل الشعيبية للاطلاع على لوحات ابنها الحسين الذي بدأ يرسم منذ طفولته أعمالاً لافتة تنم عن موهبة مبكرة، ثم درس التشكيل في شبابه. وكان برفقة الناقد الفني الفرنسي التشكيليان المغربيان أحمد الشرقاوي وأندري الباز، وأخبرته الشعيبية أنها هي أيضاً ترسم، وأطلعته على بعض اللوحات التي أنجزتها، ولم تكن تعرف أنها ستجد وقعاً كبيراً لدى غوديبير، الذي تفاجأ بأعمالها وأخبر مرافقيه أنهم أمام حالة من النبوغ الفطري.

وهذا يذكرنا بقصة الفنان المغربي العالمي الجيلالي غرباوي، الذي اكتشفه فرنسي آخر هو مارسيل فيكير ، غير أن الفرق بينه والشعيبية هو أنه لم يعش مجده الفني. فقد عاش حياة قاسية، ولم ينتبه العالم إلى عبقريته إلا بعد رحيله.

أول معرض للشعيبية طلال أقيم سنة 1966 بمعهد غوته في مدينة الدار البيضاء، وفي العام ذاته شاركت في معرضين مهمين في فرنسا، في سولستيك ومتحف الفن المعاصر في باريس، قبل أن تتوجه بلوحاتها إلى كوبنهاغن وفرانكفورت. غير أن هذا الاحتفاء قوبل بنوع من الاستغراب من لدن رواد الحداثة التشكيلية في المغرب كفريد بلكاهية ومحمد شبعة ومحمد القاسمي، الذين رأوا أن هذه المبالغة في الاهتمام بالشعيبية طلال تقف من ورائها نزعة كولونيالية تريد هيمنة الفن البسيط والساذج على حساب فن آخر تقف وراءه معرفة أكاديمية وفكر حداثي.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحقيقة أن الوسط الفني والنقدي في المغرب قد تفرق بخصوص الشعيبية طلال إلى فريقين، أحدهما يرى فيها موهبة فطرية نادرة، والآخر يرى أنها تجربة بسيطة أخذت أكثر من حجمها. غير أن الشعيبية لم تكن معنية بهذا النقاش، فظلت ترسم. لم تكن تعرف كيف تتحدث عن لوحاتها، كانت تعرف فقط كيف ترسمها. تقول عن ذلك: "أنا أرسم ورسوماتي تجعلني سعيدة".

من اللافت أن نشير إلى أن الناقدة الفرنسية من أصول برازيلية سيريس فرانكو هي أول من كتب عن أعمال الشعيبية طلال. ومنذ منتصف الستينيات اقتحمت الشعيبية أهم معارض العالم في إسبانيا وهولندا والدانمارك وألمانيا وأميركا وإيطاليا وسويسرا وكوبا واليابان وبريطانيا وفرنسا التي ترددت عليها كثيراً. وصنفت كواحدة من أشهر فناني العالم، ويعتمد اسمها في أبرز القواميس مثل أكسفورد ولاروس.

كانت أعمالها الفنية بمثابة عودة مستمرة إلى الطفولة، كأن تزخر لوحاتها بالحقول التي كانت تمرح فيها، ووجوه النساء القرويات اللواتي ترعرعت على مقربة منهن. وفي سنة 2004 غادرت الشعيبية طلال الحياة، ليكون رحيلها مناسبة كي يلتفت لها العالم العربي الذي كان مجحفاً في حقها، قياساً مع فرنسا، وبلدان أخرى من الغرب، احتفت بها وانتبهت إلى موهبتها في وقت مبكر.

المزيد من ثقافة