Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيكاسو ورودان بين دفق الحياة وفيض الإبداع

معرض باريسي يتفحّص نقاط التقارب في عمليهما وشخصيتيهما

لوحة للفنان بكاسو من المعرض (الخدمة الإعلامية للمعرض)

لا بد للقاطن في باريس أو للمار فيها من زيارة معرض "بيكاسو ــ رودان"، الذي ينظّمه حالياً متحف بيكاسو ومتحف رودان في هذه المدينة، ليس فقط لأنه يشكّل فرصة فريدة للتأمّل في أهم أعمال هذين العملاقين اللذين ثوّرا فنّ زمنيهما وممارسته، وابتكرا نمطاً تمثّلياً جديداً، تعبيرياً لدى رودان (1840ــ1917)، وتكعيبياً لدى بيكاسو (1881ــ1973)، بل لأنه يقترح أيضاً، وللمرة الأولى، قراءة متقاطعة لهذه الأعمال غايتها ليس كشف ما استقاه بيكاسو من رودان، بل تفحّص نقاط التقارب المهمة في عمليهما وشخصيتيهما.

ولعل أولى هذه النقاط هي تقاسم رودان وبيكاسو حرّية إبداعية فريدة بالنسبة إلى حقبتيهما، وانبثاق ابتكاراتهما الجمالية من بحث ثابت عن مقترحات جديدة للإمساك بالواقع بواسطة الرسم والنحت. ومثلما جعل رودان من الطاقة الحيوية موضوعاً مركزياً لمنحوتته وسعى، بتأمّله في موديلاته من مختلف الزوايا، إلى استخلاص رعشة الحياة فيها، بالتالي إلى تمثيل "قوة الطبيعة وصلابتها"، ليس عبر استنساخ واقعها أو الالتزام بشكلها الظاهر، بل عبر إدراك جوهرها في لحظة نحتها؛ رأى بيكاسو في الفن "كذبة تسمح بتعرية الحقيقة" وسعى خلف حقيقة موضوعه لكن ليس لمحاصرة رعشته، بل لنقله في تعقيده البنيوي. ولبلوغ هدفهما المشترك، أبدى الفنانان جرأة مدهشة في استخدام التقنيات الفنية لم يعهدها التقليد الأكاديمي من قبل.

ومنذ 1890، استسلم رودان لعملية تجزئة منحوتته وتقطيعها وعزل عناصرها، الواحد عن الآخر، مبتكراً للمرة الأولى في تاريخ الفن أعمالاً عير مكتملة أو شذرات. هكذا اكتسبت منحوتته جمالية وحيوية جديدتين، كما هي الحال مع "الرجل السائر" التي اقتطعها من منحوتة "القديس يوحنا المعمدان". من جهته، وضمن رغبة ملحّة في "ابتكارات جديدة"، أنجز بيكاسو منذ 1909، لوحات ذات سطوح ناتئة، ثم ملصقات بأبعاد غير معهودة تتحلّل داخلها الحدود بين فنون جميلة وفنون شعبية، كلوحة "قيثارة" (1926) التي تتحاور على سطحها ممسحة مقطّعة ومقصوصة صحافية وخيط. ومثل رودان، لم يقتنع قط بفكرة العمل المنجَز، فصرّح عام 1935: "إنهاء عمل، إنجاز لوحة؟ يا له من غباء! بقيامنا بذلك، نقتل موضوعنا ونسلبه روحه".

مغامرة متقابلة

بالتالي، غامر رودان وبيكاسو داخل فضاءات إبداعية لم يستكشفها أحد قبلهما، وضمن هاجس إعادة ابتكار نفسهما الثابت، عبرا من تقنية تشكيلية إلى أخرى، كاشفَين وجهات نظر جديدة على موضوعاتهما، وبالنتيجة على الواقع، واستعادا هذه الموضوعات وأشكالها وأعادا تدويرها بهدف مساءلتها، ضمن حركة إلى الأمام لا نهاية لها. هكذا، ترك رودان جلياً، على الطين الذي كان يعشق عجنه وعلى الجصّ والرخام والبرونز، مواده المفضّلة، الآثار التقنية لطريقة إنجازه منحوتاته، وشكّل لنفسه مجموعة من الشذرات أو الأجزاء (أذرع، سيقان، أيدي، أقدام...) ناتجة من قولبة جزئية لبعض أعماله، بغية إعادة استخدامها في أعمال جديدة، ما يفسّر توالد منحوتاته من ذاتها ضمن تحولات غير متوقّعة. أما بيكاسو، فبعد تثويره أعراف التمثيل عبر تفجيره التصوير التقليدي للواقع وإدخاله على أعماله أشياء قادمة من هذا الواقع، أعاد تعريف مفهوم المنحوتة الحديثة وجعلها تحاور لوحاته، معتمداً القولبة والتلحيم والحفر والتركيب والطيّ كتقنيات، والورق المقوّى والصفيح والجصّ ومعادن مختلفة كمواد، وذهب إلى حد ترجمة بعض أعماله بمادة الباطون. اختبارات هي عبارة عن بحث خيميائي داخل المادة أراد الفنانان من خلاله الاقتراب قدر الإمكان من لغز الحياة والإمساك بأشكالها واختلاجاتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهة أخرى، حين نتأمّل بشخصية ومسعى كل من رودان وبيكاسو، نستخلص بسرعة مجموعة صفات، مثل ذكورية وسلطوية وجرأة، تنطبق عليهما معاً وتعكس قوة الحياة التي كانت تحرّكهما منذ البداية وتغذّي بشكل ثابت علاقتهما بفعل الخلق. من هنا عدم تقدّم مسيرة كل منهما الفنية على خطّ واحد بل في اتجاهات متعددة ووفقاً لتشعّبات معقّدة تمكن مقارنتها بطريقة نمو وتطور كل ما هو حيّ، وعدم تطابق شخصيتيهما مع شخصية الفنان الملعون الذي يلد عمله داخل ألمه أو مع شخصية الكاتب الذي يواجه متلازمة الصفحة البيضاء، إذ كان عليهما العراك باستمرار لتوجيه فيض الإبداع الجارف داخلهما.

ومن النقاط الأخرى التي تجمع رودان ببيكاسو، تشكيل العين لكلّ منهما، أكثر من مجرّد عضو بسيط يسمح باستنساخ الواقع، جهازاً أدائياً في خدمة الخلق. ومن هذا المنطلق، اعتمد رودان طريقة تسمح له بتركيز انتباهه على موديلاته عبر الدوران حولها، ضمن محاولة لاستنفاد واقعها. وفي هذا السياق، كان يطلب منها السير بحرّية داخل محترفه كي يمسك بحركاتها الطبيعية ويصوّرها ذهنياً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بيكاسو الذي "يكتسب فعل النظر إلى ما يقترحه العالم الخارجي علينا أهمية لديه أكبر بكثير مما نتوقّعه من فنان"، وفقاً لصديقه الشاعر ميشال ليريس. حسّ مراقبة مشحوذ إذاً تقابله لدى الاثنين معاً سرعة مدهشة في التنفيذ ومهارة كانت تخدمهما وتحثّهما على العمل بلا انقطاع، ما يفسّر فيض إبداعهما.

سحر الإبداع

وضمن هاجس المحافظة على علاقة غرائزية بالوحي والاحتراز من أي تعليق خارجي قد يكسر سحر لحظة الإبداع ويبدد خصوبتها، غالباً ما مارس الفنانان فنّهما في السرّ، كما تشهد على ذلك أعمالاً كثيرة لهما أنجزاها بعيداً من الأنظار، مثل مشروع "باب الجحيم" لرودان الذي انبثقت منه منحوتات كثيرة مستقلة ولم يره سوى عدد محدود من زوّار محترفه، أو لوحة "آنسات أفينيون" التي شكّلت لبيكاسو ركيزة رئيسية من أجل بلورة أسلوبه التكعيبي، وتطلّب إنجازها منه عزلة طويلة وكلّية داخل محترفه.

أما نزعة الحياة القوية التي كانت تحيي كل منهما، فدفعتهما بلا هوادة إلى محاولة إنجاز التحفة الفنية المطلقة، تلك التي من شأنها أن تضعهما على قدم المساواة مع كبار الفنانين الذين أتوا قبلهما وكانا معجبين بهم. من هنا سعيهما إلى تحقيق أعمال بأحجام ضخمة، علماً أن التضخيم كان أيضاً حيلة لإبقاء هذه الأعمال غير مكتملة والعودة إليها باستمرار، تماماً مثل سيزيف ألبير كامو الذي وجد سعادته ومعنى وجوده من دحرجته صخرته إلى قمة الجبل إلى ما لا نهاية. ومن هذا المنطلق، نفهم إعجاب رودان بنحات عصر النهضة العظيم، مايكل أنجلو، الذي كان يترك العمل الذي بين يديه غير مكتمل للانكباب على العمل التالي بشكل أفضل، وكان مقتنعاً بأن درجة الاكتمال لا يمكن أن تكون ضمانة للكمال.

وبما أن طبيعة الإنسان متناقضة، ونزعة الحياة فيه لا تحضر من دون نقيضها، فإن القدرات الإبداعية لرودان وبيكاسو لم تحميهما من نزعة الموت المدمِّرة. وأبعد من عذاباتهما الداخلية الشخصية وتداعياتها العنيفة أحياناً على المحيطين بهما، اتّخذت هذه النزعة داخل عملهما شكل حادث خلال فعل الخلق، أو تم دمجها إلى سيرورة الإبداع. وفقط بفضل عملهما الحثيث وتفانيهما الكلي لفنّهما، استطاعا احتوائها وتدجينها، بالتالي منعها من إعاقة اندفاعهما الخلّاق المذهل.

المزيد من ثقافة