Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان وكورونا بين حقوق الأطباء وفقر البنية التحتية

سياسات سابقة جعلت النظام الصحي لا يصمد في وجه الأمراض المستوطنة والعادية

خسر السودان في مواجهة كورونا أطباء عاملين في اختصاصات دقيقة (حسن حامد)

بدأت أزمة المستشفيات في السودان في ظل النظام السابق، إذ تشكّلت خطة الحكومة وفق رؤية وزير الصحة آنذاك مأمون حميدة بتجفيف المستشفيات الرسمية، فقضت خطته على أهم مستشفى في البلاد، وهو مستشفى الخرطوم التعليمي. وعمد إلى خصخصة غالبية الرسمية منها لتحلّ محلها مستشفيات خاصة تعود ملكيتها إلى قادة النظام السابق من حزب المؤتمر الوطني. وعلى أنقاض هذه المستشفيات، أنشأ حميدة  نفسه، وهو على رأس وزارة الصحة، مستشفيين كبيرين لمصلحته الشخصية، هما مستشفى "الزيتونة" و"يستبشرون"، واقتصر العلاج فيهما على الأثرياء، نظراً إلى كلفتهما العالية، التي  ليست في مقدور المواطنين العاديين. هذا الوضع وغيره من العوامل أنشأ واقعاً مزرياً في البيئة الصحية في السودان، فلم يصمد النظام الصحي في وجه الأمراض المستوطنة والعادية، ومع تفشي فيروس كورونا في موجتيه الأولى والثانية انكشف الغطاء عما تكابده الصحة العامة في البلاد. وقبل أن يتفاجأ العالم بالسلالة الجديدة من الفيروس، كانت الموجة الثانية تحصد الأرواح بشكل متسارع، وبدأت أرقام الإصابات تتزايد بشكل متواصل. وخسر السودان، في الخطوط الأمامية، أطباء عاملين في اختصاصات دقيقة وعسكريين في رتب عالية، ما يقرع جرس الإنذار بضرورة معالجة وضع البنية الصحية الهشة التي تتشعّب مشكلاتها بين الإمكانيات الضعيفة وحقوق الكوادر الصحية.

سياسات مجحفة

 تكمن أزمة المستشفيات في السودان في سياسة الحكومة السابقة لمحو آثار المستشفيات الرسمية التي تقدم العلاج بأسعار رمزية، من دون النظر إلى الضرر الواقع على المواطنين. فمستشفى الخرطوم منذ أن أنشأته الإدارة البريطانية عام 1904، ظلّ مع غيره من المستشفيات الحكومية يوفر الخدمة حتى لو لم تكن متكاملة، إلا أنها ترفع العنت عن كاهل الفقراء ومحدودي الدخل، إضافة إلى وجود غالبية الأطباء الاستشاريين من خبرات مختلفة باعتباره مستشفى تعليمياً تابعاً لجامعة الخرطوم. وكذلك المراكز الصحية والمستشفيات الإقليمية التي ظلت تؤمن خدمة صحية للمناطق البعيدة، وتخفف الضغط عن المستشفيات المركزية. ولكن إهمالها وإغلاق بعضها وخصخصة البعض الآخر، حرم المواطنين من تلقّي العلاج. فقد شهدت هذه المستشفيات رفع عدد من القضايا المطالبة باستحقاقات الأطباء والمرضى على الحكومة. وعاشت مع غيرها من المستشفيات وقفات احتجاجية على بعض السياسات التي عدّتها الكوادر الطبية مجحفة.

مراكز محدودة

لم يكن مستشفى الخرطوم الحكومي الوحيد، قبل إخراجه من المنظومة الصحية، الذي يشكو رواده من ضعف الخدمات. فهناك غيره يعاني الإهمال. مشاهد من الشارع السوداني وحكايات تم توثيقها على وسائل التواصل الاجتماعي، ورفع بعضها إلى وزير الصحة، ومناشدات جماعية للمسؤولين تحكي حجم المعاناة من دون ردّ عليها. ومن المشاهد، على سبيل المثال، أن أحد مرضى كورونا الذين لم يظفروا بأسرّة في المستشفيات ولا في مراكز العزل، يعاني منقولاً، ومن داخل السيارة حيث يتناول الأوكسجين بدأ يحكي أنه لم يستطِع العلاج بسبب رفض المستشفيات استقباله، ثم أخرج أوراقاً نقدية وقام بنثرها في الشارع، قائلاً إن "المال الذي لم يستطِع علاجه لا له قيمة، وهو في غنى عنه"، وغير ذلك كثير.

ومريض آخر أُصيب بحروق في يده وأصرّ على أن ينقله ذووه من مدينة مدني في ولاية الجزيرة إلى الخرطوم للعلاج في مستشفى خاص، فصعق الأهل عندما علموا أن سعر الفحص هو 25 مليون جنيه سوداني، وسعر عملية بسيطة حوالى مليار جنيه. وسيدة في العقد السابع من عمرها، أُصيبت بأعراض شُخصِّت في المركز الصحي في القرية على أنها ملاريا، ثم أعيد الفحص لتظهر النتيجة بأنها تيفوئيد. وذكرت أنها ظلت طوال شهر كامل تتناول علاجاً من الأعشاب البلدية. ولعدم توفّر فحص كورونا إلا في مراكز محدودة، فإن سكان الولايات وأطراف الخرطوم يكتفون بمعالجة الأعراض المشتبه فيها، إما باستبعادها أو نسبها إلى أمراضٍ أخرى. وهذا الواقع أسهم في حالة عامة من عدم الاعتراف بانتشار الفيروس، فتزايدت أخبار الوفيات من دون أن يصل ذوو المتوفى إلى نتيجة عن سبب موته.

إضراب نواب الاختصاصيين

من ضمن الأسباب التي أسهمت في عدم مواجهة النظام الصحي لأزمة كورونا، قضية حقوق نواب الاختصاصيين.  ويقول قسم السيد عبد القادر، نائب اختصاصي أمراض النساء والتوليد إن "الكادر الطبي في ظل جائحة كورونا يعمل بنظام العزل وفحص المريض من دون تعقيم أو زي كامل خاص، بل نعتمد على أنفسنا في توفير مستلزماتنا من المعقّمات والكمامات والقفازات وحتى المياه للشرب والنظافة. ومنذ بدايات الجائحة، أعلن دعم من وزارة الصحة بخصوص كورونا، ولكننا لم نستلم ذلك حتى الآن. وظللنا نعمل وسط ظروف قاسية، ولكن تدريبنا في مناطق تعدّ مناطق شدة، أكسبتنا مهارات بسرعة التصرف لإنقاذ الحالات. فالمريض لا يدري شيئاً عن ظروف الطبيب أمامه. هل يحصل على راتبه أو لا، وهل لديه مشكلات ومطالبات أو لا. ونحن هنا نتصرف بمهنية ووازع إنساني وأخلاقي، لا علاقة له بمشكلاتنا مع وزارة الصحة".

ويضيف أن "الضغط في المستشفيات واقع على نائب الاختصاصي على وجه التحديد، والاعتماد الكامل عليه بنسبة 99 في المئة باعتباره يقدم الخدمة العلاجية مجاناً لمدة 24 ساعة متواصلة، على خلاف الكوادر الأخرى التي يكون لديها عملها في عياداتها أو في المستشفى نفسه خلال وقت وراتب محدّدين. وعلينا والحال هكذا مواجهة مرضى بأعراض مختلفة قد يأتون بشكوى مرضية أخرى، ولكن تكون لديهم أعراض كورونا".

مطالب متعسّرة

ويؤكد عبد القادر ما جاءت به مبادرة نواب الاختصاصيين بعد تنفيذها الإضراب المستمر منذ 4 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، في إطار سلسلة من الإضرابات تكرّرت في الأعوام 2013 و2016 و2018 وتحمل المطالب ذاتها التي لم تحقق طوال هذه الفترة. وتشتمل المطالب على "السكن الوظيفي لنواب الاختصاصي في موازنة 2021 وبدلات عدوى وزيادة قيمة العقد وتقليص الشرط الجزائي للمنحة بتعويض الفارق المالي لنواب المنحة، إضافة إلى تعديل شروط المنحة الكاملة والحوافز، إلى جانب اعتماد بروتوكول التأمين الصحي بالقيمة المضافة للنواب وأسرهم في موازنة 2021".

ويذكر أن "كثيراً من النواب لا يستطيعون العلاج أو علاج أسرهم حتى في المستشفيات التي يعملون فيها بسبب حرمانهم من التأمين الصحي". ويضيف أن "الإضراب أثَّر في صحة المواطنين، ولكن استفادت منه المستشفيات الخاصة والمستوصفات، خصوصاً مستشفيات النساء والتوليد".

نقص حاد

ويروي عمر دفع الله يوسف، نائب اختصاصي أمراض جلدية وتناسلية، وعضو مبادرة نواب الاختصاصي أن "في الموجة الأولى من كورونا، لم تكن هناك مراكز عزل، إضافة إلى نقص الأكسجين. ويلاحظ أن الموجة الأولى كان ضحاياها الفقراء في الأرياف والأحياء الشعبية، أما الموجة الثانية فحصدت أرواح عدد من رموز المجتمع وقيادات في الدولة وأطباء واستشاريين من كبار السن نسبيّاً أو الذين يعانون من أمراض مزمنة".

ويتابع، "بدأ الحديث عن اكتساب مناعة القطيع لمواجهة السلالة الجديدة، وهي على الرغم من عدم جدواها الكاملة إلا أنها الحل الوحيد في ظل الظروف الحالية في السودان، خصوصاً نقص مراكز العزل، فحتى الموجود منها لا يستجيب لاتصالات المواطنين، ولم يحصل الموظفون على رواتبهم. إضافة إلى سياسات وزارة الصحة، إذ كان بإمكانها تأسيس مراكز عزل بإمكانيات بسيطة من خلال استخدام مباني المدارس في ظل غياب التلامذة أو المراكز الصحية أو استئجار مبانٍ. وأعرب عدد من الكوادر الطبية في الأحياء عن استعدادهم لمساندة لجان المقاومة".

تجفيف منابع الصحة

ويعتبر يوسف أن "مشكلة الاختصاصيين هي من بقايا النظام السابق الذي سنّ بدعة فصل أطباء الامتياز وعدم استيعابهم في أي وظائف خلال تدرجهم من مرحلة الامتياز حتى يصبحوا اختصاصيين. وتقع هذه في إطار سياسة الخصخصة وإبقاء النواب للعمل المجاني من دون سكن وظيفي في ما تبقّى من مستشفيات حكومية، لأن الطبيب يدفع لمجلس التخصصات الطبية مقابل فترته. فقد جفّفت الخصخصة منابع الصحة العامة لمصلحة المستشفيات الخاصة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أن "إضرابات النواب لم تكن مجدية خلال فترة النظام السابق، ولكن ثمة أملاً في ظل الحكومة المدنية بأن تحلّ المشكلة".

ويضيف، "بدأنا نتحرك في مبادرة نواب الاختصاصين للمطالبة بهذه الحقوق، ولدينا ممثلين في كل المستشفيات. أخطرنا مجلس الوزراء والجهات الرسمية، فكوّن المجلس  لجنة تضم ممثلين من وزارة المالية ورئيس مجلس التخصصات الطبية وممثلين من المبادرة، ونحن في انتظار ما قد تسفر عنه من نتائج".

عوائق إدارية

في المقابل، تلاحظ تسنيم محمد، نائب اختصاصي باطنية، أن "المستشفيات تعاني من النقص الكبير في وسائل الوقاية. وقد ترافق إضراب النواب مع بداية الجائحة، وكان إضراباً جزئيّاً لنسدّ الحاجة وتخفيف العمل فقط من دون التغيّب الكامل، لكن واجهتنا مشكلة النقص المتواتر في وسائل الوقاية. وأثَّر ذلك في تردّد المرضى على المستشفى وانتظارهم لساعات طويلة حتى تتوفر هذه الوسائل".

وتضيف، "وضعنا خطة لسير العمل خلال الجائحة، كبادرة منا في المستشفى الذي نعمل فيه، خصوصاً مع عدم جاهزية المستشفيات، على قاعدة تقديم خدمة طبية توفّر الفرز الأولي والثانوي وتتعامل مع الحالات وتوصيل المريض إلى مركز العزل. لكن، للأسف، عندما رفعنا الخطة إلى مدير المستشفى لم يتم الإيفاء بأدوات الحماية، بالتالي لم تنفّذ الخطة وتضرّر المرضى بشكل كبير".

وتتابع، "العائق الثاني هو أن معظم المرضى لا يعترفون بالأعراض الحقيقية. وحتى عندما يصنّفون بأنهم مرضى كورونا وفي رحلتهم من قسم الحوادث إلى مكان العزل، لا توجد حماية صحية للطبيب أو عناية بالمريض، ولا توجد عربات إسعاف أو أكسجين. واقترحنا حلولاً، لكن إدارات المستشفيات لم تستجِب. بعدها، دخلنا في الإضراب الشامل، وبعدما توقفنا عن العمل وقع العبء على أطباء الامتياز ومن دون إشراف النواب. وهذه هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق مطالبنا، لكن تأثيراتها المتزامنة مع كورونا انعكست سلباً على المستشفيات والمرضى".

المزيد من تقارير