Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مارادونا" كما صوّره "اليوغوسلافي" أمير كوستوريتسا

ساحر الكرة مجرد مبرّر كي يصوّر السينمائي ذاته وينشر أفكاره

كوستوريتسا ومارادونا خلال تقديم الفيلم في مهرجان كان عام 2008 (غيتي)

كانت دهشة هواة السينما كبيرة قبل أسابيع حين رأوا بعد رحيل ساحر كرة القدم الأرجنتيني دييغو مارادونا أن وسائل الإعلام العالمية إذ أسهبت في الحديث عن الراحل وفي استذكار تفاصيل أمجاده وحياته، لم تبد كبير اهتمام بأن تستعيد عرض ذلك الفيلم الوثائقي الذي كان المخرج أمير كوستوريتسا قد حققه عن مارادونا قبل سنوات عدة بعد أن اشتغل عليه فترة من الزمن لا بأس بطولها وحققه وسط صخب كبير وضجيج إعلامي كان نادراً ما يرافق تصوير فيلم من ذلك النوع. فالفيلم الذي أُنجز وعُرض سينمائياً في المهرجانات والصالات في عام 2008 ظل المتفرجون والهواة ينتظرونه منذ أعلن كوستوريتسا أنه في صدد تحقيقه منذ السنوات الأولى من الألفية، لكنهم في نهاية الأمر ملّوا الانتظار وربما لأن شرائط عدة عن مارادونا كانت قد حققت في الوقت نفسه بحيث لم يعد أحد راغباً في الاستزادة، ناهيك بأن كوستوريتسا كان حين أنجز الفيلم أخيراً قد بات منسيّاً من ذلك الجمهور العريض الذي كان قد أحب أفلامه القديمة مثل "أندرغراوند" و"قط أبيض وقط أسود"، وبخاصة "زمن الغجر" بعدما كان اكتشفه مع فيلمه العالمي الأول "بابا في رحلة عمل"، وأحب فيه أسلوبه الفاتن في صنع فن "انشقاقي" قبل أن "يصدمه" المخرج الشاب يومها وبعد انفراط الاتحاد اليوغوسلافي بإعلان نفسه آخر اليوغوسلافيين بشكل لم تكن استفزازيته تخفى على أحد!

فيلم "مشترك" عن عملاقين

المهم أن عام 2008 شهد العروض الأولى لفيلم كوستوريتسا عن "مارادونا". بيد أن الفيلم، وعلى عكس ما كان متوقعاً طبعاً، لم يلق يوماً اهتماماً حقيقياً من الجمهور بل لوحظ أن مارادونا نفسه لم يُسهب في تعليقه على الفيلم هو الذي كان قبل ذلك لا يتوقف عن الإشادة بكوستوريتسا والحديث عن سينماه. والحقيقة أنه إذ بدا كل ذلك غامضاً بعض الشيء ولم يفلح في جلاء غموضه أي تفسير يرى خلافاً بين الرجلين الشهيرين والمتقاربين جداً، انتظر كثر أن تعرض التلفزيونات العالمية ذلك الفيلم لمناسبة رحيل لاعب الكرة المحبوب، لم يحصل ذلك في الوقت المناسب، وبالأحرى لم تتهافت المحطات العالمية الرئيسية للحصول عليه وعرضه. ويقيناً أن هذا الاستنكاف عزز من غموض الحكاية كلها. ومن هنا كان من الضروري انتظار إعلان الصحف الفرنسية قبل أيام عن عرض الفيلم لمناسبة السهرات الميلادية. وهو عرض بالفعل ليلة أمس وتحديداً على شاشة تلك القناة الاستثنائية، والمعتبرة عادة الأقل شعبية في فرنسا: القناة البرلمانية الخاصة بالجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب).

خيبة عامة

والحقيقة أن ذلك العرض ذا الظروف الممعنة في غرابتها شكل ليس فقط مناسبة للعودة إلى هذا الفيلم ومن خلاله إلى ذكرى بطل كرة القدم الذي لا يمكن نسيانه على أية حال، بل لفهم السبب الذي جعل الفيلم شبه منسي وشبه مهمل حتى في المناسبة التي كانت تحتم ظهوره: فالفيلم أكد بعرضه هذا ما كان النقاد الفرنسيون قد كتبوه عنه حين كانت عروضه الأولى قبل سنوات واعتقد كثر أنه افتراء: هو فيلم يتحدث عن كوستوريتسا أكثر مما يتحدث عن مارادونا. في هذا الفيلم استغل المخرج البوسني، والرافض لأن يكون بوسنياً على رغم بوسنيته ويفضل أن يبقى "يوغوسلافياً" ولو وحده من دون الناس أجمعين!، استغل عمله في الفيلم ويقينه من أنه ربما سيكون فيلماً واسع الشعبية. اختبأ بالتالي وراء مارادونا ليصوّر نفسه وأفكاره بكل توسّع وإسهاب، بحيث يبدو مارادونا في طول الفيلم وعرضه وكأنه هو الذي يحقق فيلماً عن كوستوريتسا. طبعاً حين قال النقاد الفرنسيون هذا يوم عرض الفيلم للمرة الأولى، اعتقد كثر من قرائهم أنهم ينتقمون من السينمائي بسبب الإهانات التي تعمد إلحاقها بهم يوم عرض بشكل خاص تحفته "أندرغراوند"، فهوجمت بعنف من قبل عدد من المفكرين الفرنسيين الذين أغاظهم تمسك كوستوريتسا بذكرى يوغوسلافيا، معلناً أن البلقان كله قد انهار وتراجع وغرق في الفاشية، إذ انفرط عقد تلك الدولة "التي أحسن تيتو بناءها وها هو الغرب يدمرها".

وللإنصاف لا بد من الإشارة اليوم إلى أن أمير كوستوريتسا كان محقاً في موقفه هذا، وعلى الأقل على ضوء الأحداث الدامية والقاسية التي كانت تعيشها المنطقة البلقانية في ذلك الحين، غير أن الفرنسيين بالغوا في التنديد بموقفه وبفيلمه إذ أحسوا بالغيظ لفوزه يومها بالسعفة الذهبية في مهرجان كان، جعلوه يبادلهم التحية بأسوأ منها... ومن هنا حين عرض بعد ذلك بسنوات فيلمه عن "مارادونا" خيّل إلى الذين لم يشاهدوا الفيلم أن ثمة نكايات وكيديات في ثنايا الموقف النقدي الفرنسي من هذا الفيلم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مادح نفسه

في نهاية الأمر إذاً، عرض الفيلم مساء أمس الأربعاء ومن على الشاشة الأكثر رسمية في فرنسا. فإذا بالعرض يكشف كم أن كوستوريتسا بدا مفخّماً ذاته مهتماً بأفكاره إلى درجة أنه، على سبيل المثال، استغرق وقتاً طويلاً ليشرح كيف أنه ومارادونا يتفقان تماماً مع الزعيم الكوبي كاسترو في كل مواقفه، وكيف أن من مزايا مارادونا ليس إبداعه الاستثنائي في رياضة كرة القدم، بل كون اللاعب الكبير يبدو وكأن ثمة تشابهاً كبيراً بينه وبين... شخصيات أفلام كوستوريتسا نفسه. وهذا التأكيد الذي يشغل مشاهد عدة من الفيلم يأتي متواكباً مع إدخال المخرج مشاهد تكاد لا تنتهي من بعض أشهر أفلامه، مثل "أندرغراوند" نفسه، كما مثل "بابا في رحلة عمل" و"زمن الغجر"، ليؤكد ذلك "التشابه بين ساحر الكرة" وشخصيات تلك الأفلام، ودائماً بلغة تكاد توحي للمتفرج بأن مارادونا ما كان في وسعه أن يكون ذلك اللاعب الكبير الذي عرفه العالم كله... لولا معرفته الدقيقة بنفسيات شخصيات أفلام صديقه السينمائي. أما في ما يتعلق بتقنيات اللاعب وسحره الشخصيّ ومساره الرياضي، فلا شيء تقريباً. بل يمكننا أن نقول إن متفرج الفيلم يخرج من مشاهدته وهو يعرف عن كوستوريتسا أضعاف ما يعرفه عن مارادونا، حتى وإن كان السينمائي قد استخدم بعض اللقطات الأرشيفية الساحرة المستقاة من التاريخ الرائع لمارادونا، ولكن دائماً على وقع موسيقى فريق "سكس بيستول" الذي لا يفوت كوستوريتسا أن يفيدنا بأنه فريقه المفضل من دون أن نعرف في المقابل ما إذا كان الفريق هو أيضاً الفريق المفضل لدى مارادونا نفسه.

...وحكاية عربية في النهاية

طبعاً إذ نقول هذا لا نحاول أن نحط من قدر كوستوريتسا الذي دائماً ما فتنتنا أفلامه كما فتنت ملايين المتفرجين، وكثراً من النقاد ومحكمي المهرجانات من الذين كانوا على صواب حين منحوا كل فيلم من أفلامه تقريباً جائزة كبرى، وكان من قلة من مبدعي السينما لم يكتف أفرادها بسعفة ذهبية واحدة، لكننا نأسف لذلك الإخفاق الذي ربما هو الوحيد الكبير في تاريخه. الإخفاق الذي يذكرنا بمخرج عربي دعي مرة لاعتلاء المنصة في حفل لتكريم ذكرى زميله الكبير رضوان الكاشف الذي كان رحل لتوه أقيم في معهد العالم العربي في باريس. فراح يتكلم طوال ثلث ساعة عن إعجاب الراحل الكبير بأفلامه هو وتحليله لها، إلى درجة أن صرخ به زميل له من بين الحضور: "حسناً، وصلنا رأي رضوان بأفلامك... فهل تحدثنا عن رأيك أنت بأفلامه طالما أنه هو موضوع التكريم"؟ فتوقف عن الكلام ونزل من على المنصة. على الأقل حين نتحدث هنا عن أمير كوستوريتسا وفيلمه عن "مارادونا" يمكننا فقط أن نستعير لختام حديثنا هذا، على الأقل، القول المأثور بأن لكل فارس كبوة!

المزيد من ثقافة