ليبيا على شفير حرب أهليّة أخرى والقوى الأجنبيّة بدأت بالفعل تتصارع من أجل الغنائم

بينما تقف بريطانيا على الهامش سيكون لكل من الفرنسيين والإيطاليين والروس والأميركيين رأيهم في الصراع المحتمل القادم

هل أصبحت أطراف الحرب في ليبيا رهينة تحالفاتها مع دول كبرى متصارعة؟ (وكالة "رويترز")

عندما كانت قوات معمر القذافي تتوغل في مدينة بنغازي عبر الأبنية المحطمة والسيارات المتفحمة، لم تتمكن الكمائن التي نصبها المتمردون من وقف الدبابات. في الأيام الأولى للثورة التي كانت غامرة بالبهجة، لم تكن الاستعدادات للدفاع عن المدينة كافية. وفي ظل تصاعد ألسنة اللهب والدخان كنّا نعتقد أن المدينة موشكة على السقوط، مع عواقب وخيمة.

ساد الخوف من الثأر ومن عمليات انتقاميّة واسعة النطاق بين المعارضة. تمكن بعض الناس من الفرار، لكن كثيرون منهم ظلّوا محاصرين ينتظرون الأسوأ. ووصف لي صديقي ومترجمي ما شاء الله الوضع ببساطة قائلاً "سيقتلونا جميعاً".

كنا نشعر في ذلك اليوم أن الثورة الليبيّة ستولد ميتة. من بين حقائق الحياة التي كنا نتعلمها آنذاك هي أن الحماسة الوطنيّة التي تعبر عنها اليافطات المنتشرة في أرجاء المدينة، حاملة كلمات مثل "لا للتدخل الأجنبي، الليبيون قادرون على فعلها لوحدهم" التي تُبرِز عدم الارتياح مما حدث قبلاً في العراق وأفغانستان، كانت أملاً في غير محله. في تلك اللحظات، كانت الحشود تناشد بعض الصحافيين الأجانب الذي ظلّوا هناك أن يتّصلوا بالأميركيين والبريطانيين والفرنسيين، ويبلغوهم أنه ما لم يتدخلوا فوراً فستقع مجزرة في المدينة.

ربما كان بمقدور القذافي السيطرة على بنغازي آنذاك. كانت لديه قوة عسكرية كافية للهجوم على المدينة أكثر من تلك التي كانت تحاصر مصراته في غرب البلاد، حيث كان المتمردون أفضل تسليحاً واستعداداً للقتال. لكن قادة النظام اختاروا عوضاً عن ذلك الانسحاب إلى خارج بنغازي في انتظار مزيد من التعزيزات، قبل شنّ هجوم جديد.

كان ذلك خطأ قاتلاً. وبدأ القصف الجوي البريطاني والفرنسي في ساعة متأخرة من تلك الليلة. ورأينا آثار ذلك القصف صباح اليوم التالي، مع منظر رهيب من الدمار المنتشر على حقل تكسوه زهور بريّة. في تلك الليلة، هوجمت قوات النظام بينما كانت مكشوفة في العراء ومعرضة للخطر. كان المشهد الماثل لأعيننا هو منظرٌ مروع مصغّر من المحرقة التي حدثت على طريق البصرة، عندما قصفت الطائرات الأميركيّة والبريطانيّة القوات العراقية المنسحبة من الكويت وأحرقتها.

كان ديفيد كامرون ونيكولا ساركوزي من المصفقّين لشعار "على القذافي أن يرحل". وحرّضوا على العمل العسكري الذي نفّذه الناتو وأدى في النهاية إلى الإطاحة بالزعيم الليبي وإلقاء القبض عليه وقتله. لكن في تلك الأيام، كان لفرنسا فضل في ذلك أكثر من بريطانيا. إذ احتفل المتمرّدون بالضربات الجوية واصفين إياها "بالساركوزيّة" ، مع ذكر قليل للجهود البريطانيّة.

في السنوات التالية، خلال زياراتي إلى ليبيا، شاهدت معارك تندلع بين الميليشيات وبين القبائل المتناحرة. حاولت الدول الأجنبيّة التلاعب بالعملية السياسيّة الناشئة، لكنها بعد ذلك تخلّت إلى حد كبير عن ذلك البلد المتخلّف. ثم ما لبثت أن عادت بأجنداتها الجيوسياسيّة لدعم الفصائل المتقاتلة، وكي تؤجج العنف.

اليوم هناك رجل قوي آخر يسعى للسيطرة على السلطة في ليبيا، وبدعم دولي. وقوات خليفة حفتر الذي ساعد القذافي على الاستيلاء على السلطة عام 1969 قبل أن يتخاصم معه ويصبح قائداً للمتمردين ثم يرقى نفسه من لواء إلى مشير، أصبحت على أبواب العاصمة طرابلس.

بدأ هجوم "الجيش الوطني الليبي" الموالي لحفتر قبيل انطلاق مؤتمر كان يفترض أن يرسم مساراً لإنهاء القتال. لكن حفتر تعهد بمواصلة هجومه إلى أن يبسط سيطرته على طرابلس. غير التطورات الميدانيّة ستعتمد كثيراً على اللاعبين الدوليين المتدخلين في حرب الاستنزاف الليبيّة.

وعلى مدار سنوات عدّة، استفاد حفتر من دعم مصر والإمارات العربية المتحدة اللتان تهدفان بشكل رئيسي إلى استخدامه لمواجهة الجماعات التي يدعمها "الإخوان المسلمون" والقطريون مثل الجماعة التي يرأسها عبد الحكيم بالحاج، وهو قائد سابق لـ"الجماعة الإسلامية الليبيّة المقاتلة"، ويعرف في المملكة المتحدة برفعه دعوى قضائية في لندن حول دور الاستخبارات البريطانيّة في تسليمه لنظام القذافي.

ويأتي الدعم لحفتر كذلك من روسيا التي يُنظَر إليها كواحد من الأمثلة الأكثر وضوحاً عن كيف أصبح الكرملين من جديد، لاعباً نشطاً في الشرق الأوسط وأفريقيا. قبل عامين، أُعطي المشير جولة في حاملة الطائرات الروسية "الأدميرال كوزنيتسوف"، كما استأجرت الاستخبارات الأوكرانيّة رحلات جويّة لطائرات يعتقد أنها كانت تنقل أسلحة ومرتزقة روس إلى بنغازي وطبرق.

ندّدت مجموعة الدول الغربيّة السبعة بهجوم حفتر، لكن، كان الفرنسيّون آخر من فعل ذلك، رغم كونهم نشطين في دعم المشير، وهناك مزاعم عن مساعدة القوات الخاصة الفرنسيّة لعملياته.

تسبب التدخل الفرنسي في شرخ ما فتئ يزداد بروزاً وحِدَّة مع الإيطاليّين. في البداية كانت إيطاليا، الدولة التي استعمرت ليبيا سابقاً، تعارض الإطاحة بالقذافي، ولاحقاً حافظت على حضور ديبلوماسي مستمر في طرابلس فيما انسحبت الدول الأوربية الأخرى منها. وأيّدت إيطاليا حكومة فايز السراج التي تعترف الأمم المتحدة بها، المستقرة في معقلها في طرابلس.

وقد صرح ماتيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء الإيطالي في التحالف الحكومي اليميني الشعبوي بأنّه "ليس لدى فرنسا مصلحة في استقرار الأوضاع في ليبيا، ربما لأن لها مصالح نفطيّة تتعارض مع مصالح إيطاليا". وحمّل الحكومة الفرنسيّة المسؤوليّة عن الفوضى وأزمة اللاجئين التي نجمت عنها، عِبْرَ التحريض على الحرب، مشدّداً "نحن لا نريد أن نتلقى دروساً في الأخلاق من ماكرون".

تملك بريطانيا، وهي القابلة القانونيّة الأخرى لولادة ليبيا ما بعد القذافي، تأثيراً ضئيلاً حول ما يحدث هناك الآن، إذ حرف البريكست اهتمامها عن شمال أفريقيا ومناطق أخرى كثيرة. ومنذ عامين، التقى حفتر مجموعة من أعضاء البرلمان البريطانيّين المحافظين خلال زيارة نظّمتها مؤسُسة فكرية إلى ليبيا بعد أن شرع في سعيه للحصول على دعم دولي. لكن، وكما نعلم، لديه عددٌ من الداعمين اليوم، وهم أقوياء يملكون المال والسلاح. 

حصل حفتر على الجنسية الأميركية عقب فراره إلى الولايات المتحدة عقب قطيعته مع القذافي. وعاش في لانغلي بولاية فرجينيا حيث يقع مقر "وكالة الاستخبارات المركزيّة" ("سي أي إيه"). ليس هناك من دليل يثبت أن المشير عمل مع الوكالة، لكن يجب القول أن الأميركيّين لم يبدوا حتى اليوم معارضة فعليّة لأفعاله.

في 7 ابريل (نيسان)، أعلنت الولايات المتحدة الأحد شروعها في سحب وحدتها العسكرية الصغيرة المرابطة في ليبيا. يشار إلى أن قوات خاصة أميركيّة وبريطانيّة وفرنسيّة وإيطاليّة شاركت في العمليات ضد "داعش" في ليبيا، على الرغم من تخفيض عديدها بدرجة كبيرة منذ انتزاع السيطرة على مدينة سرت من الإسلاميين.

إذاً، ما الذي يحدث الآن؟

يلح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي كان في ليبيا للإعداد لمؤتمر السلام عندما بدأ حفتر هجومه، على وجوب عقد المفاوضات التي ستعقبها انتخابات.

حتى اليوم لم تنضم إلى حفتر، كما كان يتوقع هو وداعموه، أعداد كبيرة من المقاتلين المنتمين إلى مليشيات أخرى. وفي غضون ذلك، أعلنت "حكومة الوحدة الوطنية" المدعومة أمميّاً أنها شنّت هجوماً مضاداً سمته "عملية بركان الغضب". تحظى حكومة طرابلس بدعم مصراتة التي ظلت تتصرف فعلياً مثل مدينة- دولة منذ الحرب الأهليّة، وتمتلك قوة مسلّحة تسليحاً جيّداً. لن يكون سعي المشير إلى الاستيلاء على العاصمة مجرد نزهة.

ومع أن أعداد الضحايا كانت خفيفة نسبيّاً، حوالي 21 قتيلاً و55 جريحاً حتى اليوم، دعا بعض داعمي حفتر، روسيا ومصر، إلى وقف القتال.  وخلال زيارته مصر، أفاد سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسيّة، "نحن ما زلنا على اتصال مع اللواء حفتر ورئيس الوزراء السراج... وندعو الأطراف إلى وقف هذه الاشتباكات وبدء المفاوضات". وليس من الواضح فيما إذا كان خفض وزير الخارجية الروسي المتمرس رتبة حفتر من مشير إلى لواء علامة على السهو أو عدم الرضا.

كما صدرت رسائل مماثلة من الولايات المتحدة و"مجموعة السبع" مصحوبة بتحذيرات لحفتر، بإمكانيّة فرض عقوبات عليه. ويُزعم كذلك أنّ الفرنسيين يسيرون في النهج ذاته، ولو علنياً على الأقل، في ذلك الشأن.

وقد يتوقف حفتر في الأمكنة التي وصل إليها اليوم، ما يتيح إمساك قواته بالأراضي الواقعة في ضواحي طرابلس. ويرجح أن تؤدي أية محاولة منه للاستيلاء على المدينة إلى حرب شوارع، وستكون عملية دموية طويلة شبيهة بتلك التي خاضتها قواته للسيطرة على بنغازي في الشرق.

وفي غضون ذلك ستظل ليبيا، وهي البلد الذي يملك ثروة نفطيّة هائلة وعدد صغير من السكان لا يتعدى ستة ملايين نسمة، من دون وجود انقسام مذهبي بين الشيعة والسنة، أرضاً تمزّقها الحرب والصراع. كذلك سبقى ادعاء الإيمان بشعار "لا للتدخل الأجنبي، الليبيون قادرون على فعلها لوحدهم"، حلماً غير متحقّق.

© The Independent

المزيد من العالم العربي