Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الموت من أجل حياة أفضل: على متن "قوافل الموت" اللبنانية نحو أوروبا

اليأس يدفع مئات اللبنانيين والسوريين للمخاطرة بكل شيء بهدف الوصول إلى قبرص بواسطة القوارب، بيد أن الرحلة محفوفة بالمخاطر وكثيرون لن يصلوا أبداً

بعد انفجار مرفأ بيروت والصعوبات الاقتصادية الخانقة التي يواجهها لبنان، ارتفع عدد "قوارب الموت" المتجهة من طرابلس إلى قبرص (غيتي)

كان ذلك اليوم الثالث لهم تائهين في البحر، وقد بدأوا للتو بمحاولة تنقية المياه المالحة بواسطة حفاضات الأطفال كي يشربوها، حين تطوع محمد، ابن الـ23 سنة، للسباحة نحو اليابسة والسعي للحصول على مساعدة. طفلان، ورجل مصاب بالسكري، وامرأة، كانوا فارقوا الحياة في ظل حالتهم المتردية تلك. وكان الوقت ينفد بسرعة، من دون طعام أو مياه، بالنسبة للأشخاص الأربعين المتبقين، القابعين في حالة من الهلع والخوف، والذين دفع كل واحد منهم أكثر من 1000 دولار (740 جنيهاً استرلينياً) ليستقل قارباً متهالكاً من لبنان إلى قبرص سعياً خلف حياة أفضل. والمهرب، الذي أخذ حقائبهم ومتاعهم واعداً إياهم بأنها سوف تتبعهم بقارب أكبر، لم يعد له أثر.

هكذا، وهُم وسط البحر معلقين بمياه المتوسط ولا هدف أمامهم أو دليل نحو بر الأمان، قام محمد، العامل السابق في متجر ثياب، وأربعة شبان آخرين، بالقبول بالسباحة نحو البر في آخر محاولة للحصول على المساعدة.

وقال سمير، الشقيق الأكبر لمحمد، وهما من مدينة طرابلس في شمال لبنان حيث تنطلق القوارب، إن شقيقه "أعطى الأطفال ما كان معه من ماء وتمر، ولا أحد يعرف ما حصل بعد ذلك". تابع سمير "قذف الموج جسد أخي نحو شاطئ صيدا، جنوب لبنان، كما عُثر على جسد آخر لصديق له في مياه البحر بمنطقة عكار. الشبان الباقون لم يعثر عليهم أبداً".

أما الناجون الذين ظلوا على متن القارب فقد عثر عليهم بعد ستة أيام، في 14 سبتمبر (أيلول)، على يد وحدة بحرية لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وأولئك الناجون كانوا فقط 37 شخصاً بينهم خمسة أطفال، من أصل 50 شخصاً استقلوا القارب. وكان العديد منهم مشرفاً على الموت وشخص واحد على الأقل فاقداً وعيه.

كمثل مئات المواطنين اللبنانيين والسوريين الذين حاولوا خوض البحر من مدينة طرابلس هذا العام، شرح الناجون الذين كانوا على متن القارب كيف أن كل واحد منهم دفع لمهرب محلي مبالغ تراوح بين 5 و8 ملايين ليرة لبنانية. وذاك يعادل ما بين 3300 و5300 دولار أميركي وفق تقديرات سوق الصرافة الرسمي، أما وفق تقديرات السوق السوداء فإنه تعادل ما بين 625 و1000 دولار أميركي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمهرب أودعهم البحر على متن قارب خشبي صغير، وأخذ منهم كل ما كان بحوزتهم من مؤن وأغراض، واعداً إياهم بأنه سوف يوافيهم بها في عرض البحر بسفينة أكبر، فينقلهم إلى تلك السفينة الكبيرة كي يكملوا ما تبقى من رحلتهم المحفوفة بالمخاطر. وسمير، شقيق محمد، يتابع مرويته من دون أن يتمكن من كبح دموعه، قائلاً "والدة أحد الأطفال الذين كانوا على متن القارب كان بحوزتها حليب مجفف، فحاولوا النجاة عبر استهلاك بضع ملاعق من ذلك الحليب في اليوم. أما الذين ماتوا، بمن فيهم الأطفال، فقد ألقيوا في مياه البحر". تابع "العديد من الجثث قذفها الموج نحو الشاطئ. لقد كانت رحلة موت".

ومحمد الذي كان يعيش في طرابلس، أفقر المدن اللبنانية، لم يخبر عائلته بأنه سيحاول الوصول إلى قبرص. كان الشاب يعمل في متاجر "زارا" Zara للثياب، لكنه فقد وظيفته خلال أزمة الانهيار المالي في لبنان التي أدت بالعملة الوطنية هذه السنة إلى خسارة 80 في المئة من قيمتها، فارتفعت أسعار الغذاء بمعدل ثلاثة أضعاف، وانزلق أكثر من 50 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

ومحمد مثله مثل شبان كثر محاصرين في لبنان، أمِل في أن يكون وصوله إلى أوروبا يعني تمكنه من الحصول على عمل وإنقاذ عائلته من الفقر المدقع. وكانت الأزمة الاقتصادية الفادحة في لبنان، المتراكمة بفعل عقودٍ من الفساد وسوء الإدارة، قد بلغت ذروتها في أكتوبر (تشرين الأول) الفائت وأشعلت ثورة في البلاد. ولم يؤد حلول جائحة كورونا في مارس (آذار) المنصرم إلا إلى مفاقمة الأمور.

وفي أغسطس (آب) انفجرت آلاف عدة من أطنان المواد المتفجرة التي كانت مخزنة في مرفأ بيروت، فدمرت أجزاء واسعة من العاصمة، وأدت إلى مقتل أكثر من 200 شخص وسقوط آلاف الجرحى. وتسبب ذاك الانفجار بدايةً بتشريد ربع مليون شخص، ودمارٍ قدرت خسائره بمليارات الدولارات.  وهذا كله انعكس نكبة على اقتصاد ووسائل عيش اللبنانيين. والأمر في مدينة طرابلس دفع المئات، من أمثال الشاب محمد، إلى ركوب القوارب في محاولة لبلوغ أوروبا سعياً وراء حياة أفضل. والوصول إلى أرقام إحصائية دقيقة تشير إلى عدد الذين حاولوا بالإجمال العبور بحراً نحو أوروبا يبقى صعباً، لكن الأمم المتحدة تقول إن أعداد هؤلاء ارتفعت كثيراً هذه السنة. وذكرت وكالة اللاجئين في الأمم المتحدة لـ"اندبندنت" أنهم في الوكالة، منذ منتصف عام 2020، تبلغوا عن محاولة 712 شخصاً العبور وأن 13 شخصاً من هؤلاء فارقوا الحياة، أو فقِدوا جراء محاولتهم تلك. وهذا يمثل ارتفاعاً ملحوظاً من 490 شخصاً عُرف عن سفرهم عام 2018 ومن 270 شخصاً عرف عن قيامهم بالرحلة عام 2019.

في هذا الإطار قالت المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة UNHCR، ليزا أبو خالد، إنه من الواضح إن تلك الرحلات اليائسة "يقوم بها أشخاص لا يرون أي أمل في البقاء بلبنان توازياً مع التفاقم المستمر للأزمة الاجتماعية والاقتصادية". ويحاول معظم هؤلاء عبور البحر الأبيض المتوسط، وذلك من خلال المشاركة في شراء قارب خشبي يعرف محلياً باسم "فلوكة"، أو عبر الدفع للمهربين مبلغ 1000 دولار، على الأقل، بما يعادله بالليرة اللبنانية التي تتهاوى سريعاً، وذلك للتهرب من مراقبة القوى الأمنية، والإبحار من الأراضي اللبنانية والدخول في المياه القبرصية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع تحول هذه التجارة إلى مصدر مال مربح، غدا المهربون أكثر قسوة ووحشية حتى. وهم في الغالب يدورون في فلك زعامات وعائلات محلية ذات نفوذ، يطلق عليها سكان طرابلس تسمية "المافيا".

من جهته، إبراهيم، ابن الـ38 سنة، وهو نجار عاطل من العمل ومتظاهر باع معداته بهدف دعم انتفاضة عام 2019، اتهم المهربين بتقديم رشاوى لأفراد فاسدين في القوى الأمنية اللبنانية كي يسمحوا لقوارب التهريب بالإبحار. وعلى رغم المخاطر يقول إبراهيم إنه في حال منيت بالفشل جميع محاولاته للسفر قانونياً إلى أوروبا، فسوف يبيع كل ما تبقى له كي يدفع تكاليف العبور بقارب غير شرعي. وفي حديثه مع "اندبندنت" قال إبراهيم، وهو أبٌ لولدين، "كل أسبوع تبحر القوارب نحو قبرص"، مشيراً بيده إلى الميناء التي تنطلق منه القوارب. وتابع قائلاً "الوضع أسوأ حتى من الحالة المأساوية. فنحن لا نعيش في البؤس، بل في الجحيم".

ووفق ما تشير منظمة الأمم المتحدة، ومقابل تزايد أعداد اللبنانيين الذين يستقلون قوارب التهريب، فإن غالبية الأشخاص الذين يعبرون نحو قبرص هم لاجئون سوريون تحملوا عبء ووطأة الأزمة المالية في كل من لبنان وسوريا. ويقيم اليوم 90 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان، حيث يقدر عددهم بـ 1.5 مليون شخص، ويعانون من واقع فقر شديد، بحسب ما ذكرت لـ"اندبندنت" ناديا هاردمان، الباحثة في شؤون اللاجئين بـ "منظمة مرصد حقوق الإنسان" Human Rights Watch. كما أفادت هاردمان بأن تسعاً من أصل عشر عائلات تستدين المال لشراء الطعام.

وكان محمد غندور، ابن الـ37 سنة، والمتزوج من اللاجئة السورية رنا، قد استقل قارب تهريب في أواخر أغسطس وانطلق في رحلته. وتعيش عائلته مع أهله، البالغ عددهم اثنا عشر فرداً في غرفة مزرية عند الواجهة البحرية لطرابلس. لم يكن لغندور عمل، وقد واجه الرجل مشكلات في تسجيل أولاده في المدرسة، فحُرموا من التعليم. ابنه الأكبر البالغ من العمر 14 سنة، لم يذهب إلى المدرسة منذ أن كان في سن التاسعة. وقام محمد وبعض أفراد من عائلته وجيرانه بالاشتراك في شراء قارب متهالك، كما قاموا بإنزال خرائط للملاحة في البحر المتوسط على هواتفهم النقالة كي يبحروا في المياه. لكن، وفي منتصف رحلتهم، اختفت إشارات الهواتف المحمولة وكاد الأفراد الذين فاقوا العشرة على متن القارب التائه أن يلقوا حتفهم. وعن تلك الواقعة تحدث محمد شارحاً "كان الأمر مروعاً، فالقارب طوله 8 أمتار وبقينا في المياه لليلتين. أرسلنا إشارات للعديد من السفن بيد أنهم تجاهلونا. كنا على وشك الابتداء بشرب مياه البحر حين تلقينا فجأة إشارة في الهاتف، وتمكنا من تحديد وجهة قبرص. ما من أب يصطحب أولاده السبعة معه في البحر بهذه الحال إن لم يكن يائساً". وعلى الرغم من حقيقة أن زوجته رنا مدونة في سجلات الأمم المتحدة كلاجئة سورية، فقد قامت السلطات القبرصية بإعادة ترحيل العائلة إلى بيروت بعد احتجازها لمدة 24 ساعة في معسكر بنيقوسيا. وتابع محمد غندور "تصور، بعد يوم واحد من إشرافنا على الموت كي نصل إلى أوروبا، نجد أننا عدنا أدراجنا إلى طرابلس". لكن محمد قال إنه سيحاول العبور إلى أوروبا مرة ثانية في الصيف المقبل.

في هذا الإطار قالت منظمة "مرصد حقوق الإنسان" إنه خلال الأسبوع الذي سافر فيه محمد، جرى رد ورفض وإبعاد وإعادة 200 مهاجر وطالب لجوء من لبنان، وذلك على نحو مقتضب ومن دون منحهم أي فرصة لتقديم طلبات لجوء. كما أفادت المنظمة الحقوقية بأن أفراد الشرطة البحرية في قبرص اليونانية قاموا، في بعض الحالات، بضرب اللاجئين. السلطات القبرصية من جهتها أعلنت بوضوح أنها لن تقبل أولئك القادمين بالقوارب. ونقلت صحيفة "سايبريس مايل" Cyprus Mail عن وزير الداخلية القبرصي نيكوس نوريس قوله: "نعلن وبصورة قاطعة إنه لم يعد بوسعنا استقبال قادمين إضافيين من المهاجرين لأسباب اقتصادية، لأن قدرات الاستقبال لدينا ببساطة لم تعد تحتمل، وقدرات بلدنا استنفدت".

قلة من الأشخاص الذين كانوا على متن قارب محمد تمكنوا من الهرب من رجال الأمن القبرصيين والبقاء في قبرص، لكنهم قالوا إنه من دون القدرة على طلب اللجوء أو التقدم للحصول على تراخيص عمل، فإن الوضع تماماً مثل لبنان. وعن هذا الأمر قال خليل، ابن الـ25 سنة، وأحد الذين وصلوا قبرص في قارب محمد وبقوا فيها "لقد خاطرنا بحياتنا لنستبدل الحال البائس السابقة بحالٍ أسوأ منها". إذ إنه يعرف بأنه سوف تتم إعادته إلى لبنان قريباً. أضاف خليل "ليست لدينا حقوق، ولا يمكننا أن نجد عملاً أو نفعل أي شيء. إنها كارثة"، وقد أطلق خليل على قوارب التهريب تسمية "قوافل الموت". وكانت "اندبندنت" على وشك الحديث مع رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان حسان دياب حول هذه المسألة وغيرها من المشكلات التي تواجهها البلاد. لكن في يوم 11 ديسمبر وُجه الاتهام لدياب بالتقصير في سياق قضية انفجار الرابع من أغسطس، فتوقف مكتبه عن الرد على الاتصالات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رئيس بلدية طرابلس من جهته، رياض يمق، قال إن مكتبه شديد القلق تجاه ارتفاع معدلات الفقر في طرابلس، إذ إن أكثر من 70 في المئة من سكان المدينة اليوم باتوا يعيشون تحت خط الفقر. وقامت بلدية طرابلس بتخصيص مبلغ 2 مليون دولار كي تُوزع كمساعدات مالية على 40 ألف عائلة في ظل الجائحة الراهنة. لكن هذه الإعانات سوف تدفع بالليرة اللبنانية، وبسعر الصرف الرسمي مقابل الدولار، والذي يبلغ 1500 ليرة للدولار الواحد. وهذا يجعل الإعانة للفرد لا تتخطى الـ75 ألف ليرة، أي أقل من 10 دولارات للشخص الواحد، بحسب السوق السوداء الراهنة والواقعية. وقدمت الحكومة من جهتها إعانة إضافية تبلغ 400 ألف ليرة لبنانية (نحو 50 دولاراً في السوق السوداء)  للعائلة الواحدة، وذلك من أصل عشرة آلاف عائلة اعتبرت من الأسوأ حالاً.

لكن منذ ذلك الحين فإنه لم تعد هناك إعانات إضافية، وباتت الأشياء التي يمكن لمكتب رئيس بلدية طرابلس المساعدة فيها قليلة جداً، بحسب ما ذكر يمق. وأضاف قائلاً لـ"اندبندنت"، إن "الحكومة اللبنانية لم تقم بدعم طرابلس كما ينبغي، كما لم تؤمن لنا مصادر دعم أخرى. وهذا يجعلني متخوفاً جداً من السنة المقبلة. إذ ليس ثمة مؤشرات أمل أو أي نوع من الخطط لمدينة طرابلس". كما ذكر يمق أنه يتخوف من ازدياد أعداد الناس الذين سيلجأون إلى قبرص بواسطة القوارب عام 2021. وإن حصل هذا فإن عائلات كثيرة أخرى ستدفع الثمن الفادح، مثل عائلة سمير.

أما سمير، الذي عرض صور شقيقه محمد مبتسماً مع أصدقائه، فقال إن "المسؤولية كلها تقع على عاتق السلطة السيئة والفاسدة التي تخلت عن الجميع في لبنان". وختم "كل ما أراده أخي هو مستقبل أفضل له ولعائلته. ودفع حياته ثمناً لذلك الحلم".

تقرير إضافي من سميرة العازر.

© The Independent