Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حقيقة تفجير لوكربي لا تزال غائبة بعد 32 عاما

رغم دفع القذافي تعويضات للضحايا وسجن ضابط ليبي لكن شكوكاً تطعن في صحة الحكم

رجال الشرطة الاسكتلندية ينظرون إلى حطام طائرة "بان آم 747" (أ ف ب)

في 21 ديسمبر (كانون الأول) عام 1988، أُسُقطت طائرة ركاب تابعة لخطوط الطيران الأميركية "بان أميركان وورلد إيروايز" من طراز بوينغ 747-121، كانت تقل 270 راكباً فوق منطقة لوكربي الاسكتلندية، في عملية إرهابية دين فيها ضابط الاستخبارات الليبية عبد الباسط علي محمد المقرحي، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة القتل.

ومنذ تفجير الطائرة وحتى عام 2003، رفض نظام معمر القذافي تحمل المسؤولية، نافياً توجيه أي أوامر بالهجوم، في حين اتهمته الولايات المتحدة بالوقوف وراء العملية في إطار صراع بين البلدين شهد سلسلة من المواجهات العسكرية في خليج السدرة منذ بداية الثمانينيات، إذ كان القذافي يزعم أنها مياه إقليمية ليبية. 

فقد وقع أولاً حادث خليج سدرة، باستهداف البحرية الأميركية اثنين من طائرات سوخوي المقاتلة الليبية في إطار عمليات حماية حرية الملاحة. وتلاه حادثان آخران عام 1986، ما دفع القذافي إلى الإصرار على الانتقام. وبعدها اتهم بتوجيه أوامر لتفجير ملهى ليلي في برلين الغربية يرتاده أفراد عسكريون أميركيون، ما أسفر عن مقتل ثلاثة منهم وإصابة 230 شخصاً.

منذ ذلك الحين وحتى عام 2003 اتسمت هذه السنوات بالعداء بين ليبيا والولايات المتحدة، لكن تحت ضغط العقوبات الدولية ومع صعود تنظيم القاعدة الإرهابي الذي أصبح عدواً مشتركاً بين البلدين، تقدم القذافي بمبادرات لفك العزلة الدولية عن بلاده، شملت التخلي عن ترسانة الأسلحة النووية وتحمل المسؤولية عن تفجير لوكربي ودفع تعويضات إلى عائلات الضحايا. 

وفي مايو (أيار) 2002، عرض النظام تسوية تبلغ 2.7 مليار دولار لعائلات الضحايا الـ270 وتعويضات بقيمة 300 مليون دولار لليبيين ضحايا الغارات الجوية الأميركية في ليبيا عام 1986، التي شنها الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان على طرابلس وبنغازي انتقاماً لمقتل الضباط الأميركيين في تفجير ملهى برلين.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2008، قبل ثلاث سنوات من الإطاحة بنظامه، دفع القذافي 1.5 مليار دولار لصندوق يستخدم لتعويض عائلات الضحايا، لتتحول ليبيا من دولة راعية للإرهاب إلى حليف للولايات المتحدة في الحرب عليه، وفتحت الأراضي الليبية للاستثمارات الأميركية في قطاع النفط، كما عقد القذافي مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير "اتفاق الصحراء" لإعادة العلاقات بين البلدين.

شكوك بشأن الحكم

لكن على الرغم من دفع القذافي التعويضات والحكم على المقرحي عام 2001 بالسجن مدى الحياة أمام محكمة اسكتلندية خاصة أقيمت في هولندا، قبل أن يتم الإفراج الصحي عنه عام 2009 بعد تدهور حالته الصحية لإصابته بالسرطان، فإن المتهم الوحيد في القضية أصرّ حتى وفاته عام 2012 على براءته. وبعد نحو 32 عاماً على التفجير، تكشفت بعض التفاصيل التي تشكك في صحة الحكم الصادر بحق الضابط الليبي.

ففي مارس (آذار) الماضي، لجأت عائلة المقرحي إلى اللجنة الاسكتلندية لمراجعة الإدانات الجنائية لتبرئته، فقررت الأخيرة رفع القضية إلى محكمة العدل العليا، أعلى هيئة قضائية في البلاد، مع عدم استبعادها وجود "خطأ قضائي". ورأت اللجنة أن الحكم "غير منطقي" نظراً إلى ضعف الأدلة المطروحة في إدانة المقرحي. وفي نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بدأ القضاء الاسكتلندي النظر في طلب الاستئناف.

وقالت كلير ميتشل، المحامية في فريق الدفاع عن عائلة المقرحي، إن الشكوك لا تزال قائمة حول هوية الشخص الذي اشترى في مالطا الحقيبة التي وُضعت فيها القنبلة والطريقة التي نُقلت فيها جواً قبل وضعها على متن الطائرة الأميركية، التي كانت تتجه من لندن إلى نيويورك.

وكانت المحكمة توصلت إلى أن المقرحي هو من قام بشراء ملابس في مالطا وتعبئتها في حقيبة سامسونايت أخفيت فيها القنبلة، ثم وضعها في رحلة من مالطا إلى فرانكفورت الألمانية، حيث نقلت إلى مطار هيثرو في لندن، لتوضع أخيراً في طائرة "بان آم".

العميل المزدوج

في مقابلة مع صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية، مطلع الشهر الحالي، ألقى العميل السابق لدى الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) جون هولت بالشكوك على صحة الحكم الصادر بحق المقرحي وسلامة العملية القضائية، قائلاً إنه تم استبعاده عمداً من الشهادة في القضية وينبغي على المحققين تركيز أنظارهم على الفاعل الحقيقي، مشيراً إلى إيران.

وبحسب هولت، فإنه كتب مراسلات سرية تُظهر أن العميل الليبي المزدوج عبد المجيد جعاكا، الذي قدمه المحققون الاسكتلنديون باعتباره الشاهد الرئيس في القضية، لديه تاريخ من "اختلاق القصص". 

وفي حين كان هولت مسؤولاً عن متابعة العميل الليبي المزدوج، إلا أن مدراءه في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لم يرسلوه قط للإدلاء بشهادته خلال محاكمة المقرحي. 

إيران والحليف الفلسطيني

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال عميل وكالة الاستخبارات الأميركية "لدي سبب للاعتقاد بأنه كان هناك جهد متضافر، لأسباب غير مبررة، لإبعاد التحقيقات الأصلية عن إيران وحليفتها الفلسطينية، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة. الآن يجب أن يركز التحقيق الجديد على الإيرانيين وعلاقاتهم بالمفجر". 

وأضاف "سأبدأ بتوجيه سؤالي إلى المدعي العام الأميركي ويليام بار (وزير العدل الحالي) عن سبب تحول تركيزه فجأة في عام 1991، بعيداً من الأدلة الواضحة، نحو سيناريو أقل احتمالاً بكثير يتعلق بالليبيين".

خلال المحاكمة عام 2001، رفض القضاة نظرية تدين إيران وسوريا والجبهة الفلسطينية، مفادها بأن هذه الأطراف تحركت رداً على إسقاط صاروخ أميركي طائرة إيرانية في يوليو (تموز) 1988، موقعاً 290 قتيلاً. فخلال ما يسمى حرب الناقلات في مضيق هرمز، أطلق البحارة الأميركيون على متن السفينة الحربية "يو إس إس فينسنس" النار على طائرة تابعة للخطوط الإيرانية الرحلة 655، كانت تحلق في الجو ظناً بأنها طائرة عسكرية، ما أسفر عن مقتل جميع ركابها.

حرب ناقلات النفط 

 اشتعل الصراع بين أميركا وإيران بين عامي 1987 و1988، والتي كانت قد بدأت بالأساس بين الرئيس العراقي صدام حسين ونظام الخميني في إيران، لكن مع استهداف إيران لناقلات النفط وتهديدها بغلق الخليج العربي في وجه السفن المحملة بالنفط العراقي، التابعة للدول الداعمة لصدام وعلى رأسها الكويت والإمارات، طلبت الكويت المساعدة من الغرب، وبالفعل أرسلت الولايات المتحدة أسطولا إلى الخليج، رافعين العلم الأميركي فوق الناقلات التجارية الكويتية.

في المقابل، زرع الإيرانيون الألغام في مضيق هرمز وأطلقوا قوارب هجومية ضد الناقلات والسفن الحربية الأميركية. وفي 24 يوليو، اصطدمت سادس أكبر سفينة في العالم "إس إس بريدغستون" بلغم إيراني وغرقت. وخاضت بعدها البحرية الأميركية أكبر معركة منذ الحرب العالمية الثانية ضد الزوارق الإيرانية، وفي هذا السياق أسقطت طائرة الركاب عن طريق الخطأ.

وثائق سرية 

في منتصف نوفمبر الماضي، أيدت المحكمة العليا قراراً صادراً عن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راي، يمنع، خلال البحث في طلب الاستئناف، كشف وثائق مصنفة سرية مرتبطة بالقضية بحجة أنها "قد تلحق ضرراً فعلياً بأمن المملكة المتحدة القومي"، لاسيما في مجال مكافحة الإرهاب. وذكرت صحيفة "الغارديان" أن هذه الوثائق تتناول ضلوع عميل في الاستخبارات الأردنية، ينتمي إلى الجبهة الشعبية (القيادة العامة)، في صنع القنبلة.

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، قال عامر أنور، محامي عائلة المقرحي، إن هذه الوثائق أساسية في طلب الاستئناف، محذراً "نحن بصدد كشف كثير من العناصر المهمة حول دور أفراد ودول ومسؤوليها السياسيين". وأضاف "بالنسبة إلى العائلة والعديد من عائلات الضحايا البريطانيين الداعمين للاستئناف، من شأن إعادة النظر في الحكم دعم رأيهم بأن الحكومتين الأميركية والبريطانية تعيشان منذ 31 عاماً في كذبة ضخمة وعمدتا إلى سجن رجل تعرفان جيداً أنه بريء".

وتقول عائلة المقرحي إنه "أكد براءته حتى النفس الأخير". ووفق المحامي، فإن أولاد الضابط الليبي يعتبرون والدهم الضحية 271 في تفجير لوكربي. 

وكان طلب استئناف أول تقدم به المقرحي رُفض عام 2002، لكن اللجنة الاسكتلندية لمراجعة الإدانات الجنائية رأت في 2007 أنه ينبغي أن يحصل على إمكانية أخرى لتقديم التماس، بيد أنه قرر التخلي عن ذلك عام 2009.