Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لغة موليير تتقهقر لمصلحة شكسبير في تونس والجزائر

المؤسسات البريطانية تلعب دوراً في انتشار الإنجليزية التي يراهن عليها الشباب المغاربي

يلجأ بعض الأهالي في تونس الى تعليم أولادهم الإنجليزية في مؤسسة تابعة للسفارة البريطانية (غيتي)

في الأعوام الأخيرة، وجدت اللغة الفرنسية بالجزائر وتونس منافسة حادة من طرف نظيرتها الإنجليزية، التي تحظى بدعم الجيل الجديد من الشباب الذي يرى فيها لغة التطور والعصر، ولا يعارض فكرة ترقيتها إلى اللغة الأجنبية رقم واحد بعد العربية. يبدو أن شكسبير يتسلل بقوة إلى المواقع المتقدمة لموليير في المغرب العربي الذي كان تحت السيطرة الفرنسية.

الجزائر: هل تزول الفرنسية بعد 30 سنة؟

يبدأ الجزائريون تعلم أبجديات اللغة الفرنسية في السنة الثالثة ابتدائي (إعدادي) إلى الثالثة ثانوي، بينما تعتمد الجامعة الجزائرية على الفرنسية لتدريس التخصصات العلمية كـالطب، والهندسة، والعلوم الدقيقة، والري، والميكانيكا، وغيرها، أما الإنجليزية فيبدأ تلقينها مع بداية الطور المتوسط، أي بعد بلوغ التلميذ11عاماً.

 

وينقسم الجزائريون حيال الفرنسية بين رأيين: الأول، يرى فيها "غنيمة حرب". والثاني، يصنفها في خانة "الغزو الثقافي"، غير أنهم يتفقون على أن المستقبل في تعلم الإنجليزية.

وتعتبر الجزائر ثاني أكبر بلد فرنكوفوني بعد فرنسا، وأهم بلد عربي يتكلم سكانه الفرنسية مدفوعين بالماضي الاستعماري الذي دام 132 سنة، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 10 ملايين جزائري يستطيعون القراءة والكتابة بالفرنسية، من مجموع التعداد الإجمالي للسكان البالغ 44 مليوناً عام 2020، على الرغم من عدم انضمامها إلى منظمة الفرنكوفونية التي تضم الدول التي تعتمد الفرنسية لغة رسمية أو الأكثر تحدثاً بين شعوبها.

تقول الطالبة هدى، في جامعة باب الزوار بالجزائر العاصمة: "لا أسعى إلى تطوير لغتي الفرنسية التي أدرس بها، بينما أبذل قصارى جهدي وطاقتي لتحسين مهاراتي في الإنجليزية التي تعتبر أم اللغات، وأدرك أنها ستفتح لي أبواباً عدة في المستقبل؛ لأنني أرى أنها مفتاح العالم".

تدعم الطالبة الجزائرية وبشدة فكرة تعويض الفرنسية بالإنجليزية التي تصفها بالثرية ولكونها أصبحت لغة القرار السياسي، مقارنة بلغة موليير التي فقدت مكانتها حتى في عقر دارها، ولم تعد قادرة على استيعاب التطورات التي يشهدها العالم، وفق اعتقادها.

ولا يزال التيار العروبي في الجزائر ينتقد استمرار السلطة في اعتماد الفرنسية في التعاملات والمراسلات الرسمية.

"مدرسة بريطانية دولية"

ورفع الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير (شباط) 2019، إضافة إلى مطالب تغيير النظام السياسي، دعوات لتحرير البلاد من كل أشكال التبعية للمستعمر القديم، وأصبح استبدال الفرنسية بالإنجليزية "مطلباً شعبياً" في سابقة هي الأولى، إذ ظلت الحكومات المتعاقبة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، تتحفظ على مطلب التدريس بالإنجليزية بدلاً من الفرنسية.

على الجهة المقابلة، تشهد الجزائر انتشاراً لافتاً لمعاهد ومدارس خاصة لتلقين "لغة شكسبير"، مما يعكس الانفتاح الجزائري على الإنجليزية بشكل مطرد.

وفي أكتوبر (تشرين أول) وقع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، مرسوماً رئاسياً يتضمن التصديق على مذكرة تفاهم بين الجزائر وبريطانيا وإيرلندا الشمالية تقضي بإنشاء مدرسة دولية بريطانية في الجزائر.

وتوضح الاتفاقية أن "الأولوية للالتحاق بالمدرسة تكون لأبناء السلك الدبلوماسي، كما تكون مفتوحة للطلبة الجزائريين وكذلك أبناء رعايا الدول الأخرى المقيمين بصفة مؤقتة أو دائمة بالجزائر، على أن توفر المدرسة تعليماً للطور الابتدائي والثانوي".

كما أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية، عن نوايا للشروع في إصلاح الجامعة، ترتكز على الانفتاح على اللغات الأجنبية خصوصاً الإنجليزية، لكن تعميمها يصطدم بصعوبات ترتبط أساساً بنقص التأطير والإمكانات خصوصاً في الجامعات، إذ إن معظم الأساتذة الجامعيين يتقنون الفرنسية أكثر ودرسوا بها مما يجعل تعميمها أمراً صعباً، خصوصاً في حقل العلوم.

ويقول أساتذة جامعيون، إن تعميم الإنجليزية لا يجب أن يكون بهدف محاربة لغة على حساب أخرى، أو بخلفية أيديولوجية، إنما وفق إستراتيجية تبدأ من إعادة النظر في كيفية تقديم وتدريس اللغات الأجنبية في المدارس الجزائرية.

وتوقعت دراسة أعدها المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر، بأن تصبح الإنجليزية اللغة الأجنبية الأولى، تليها الإسبانية والروسية، مع احتمال زوال الفرنسية من الجزائر بحلول عام 2050.

تونس: 500 ألف من حملة الشهادات يمكن أن يحصلوا على عمل لو أتقنوا الإنجليزية

التنوع اللغوي الموجود في تونس جعلها من البلدان العربية التي يتميز شعبها بإتقانه بعض اللغات، وذلك لتنوع اللهجة المحلية التي تتراوح ما بين العربية الفصحى والأمازيغية والفرنسية وحتى اللغة الإيطالية. وتأتي الإنجليزية باعتبارها "اللغة الجديدة التي انضمت إلى هذا المزيج"، والتي أصبحت لها مكانة مهمة خصوصاً بين الشباب، الذي عدّل الكفة لمصلحة لغة شكسبير، في مقابل تراجع نسبي للغة موليير.

وتقول سارة، المحامية والأم لطفلين، "انتبهت إلى أهمية الإنجليزية من خلال ألعاب الفيديو للأطفال، فأغلب التي يحبها طفلاي بالإنجليزية، ما جعلهما يحفظان منذ سنواتهما الأولى الأرقام والحروف وحتى أناشيد الأطفال بهذه اللغة". وتواصل، "صحيح أن البرامج الرسمية أصبحت تدرج اللغة الإنجليزية منذ سنوات الدراسة الأولى"، لكنها ترى أن هذا غير كاف لأنه لا يتم اعتماده في التعليم العالي"، ما جعل سارة تدرّس طفليها في مركز تابع للسفارة البريطانية بتونس. وتضيف، "ابنتي الكبرى نجحت بتفوق في الثانوية العامة، والآن تدرس خارج تونس، وقد ساعدها حذقها للإنجليزية وأيضاً الفرنسية في مواصلة دراستها بتفوق، كما أن اللغات ساعدتها في التعويل على نفسها مادياً من خلال العمل في الترجمة لدى إحدى الشركات الخاصة".

لغة العلم

أما منير، (42 سنة)، فيعتقد أنه "حان الوقت لإيلاء الإنجليزية الأهمية التي تستحقها، لأنها لغة العلم والأدب والفلسفة". مضيفاً، "أنا كباحث في التسويق أدركت أن كل الكتب المهمة التي أحتاجها وحتى المواقع عبر الإنترنت، كلها بالإنجليزية، وهذا ما جعلني أدرسها بعد إنهاء دراستي الجامعية في أحد المراكز الخاصة، وذلك لتحسين مهاراتي في عالم الأعمال".

واحتلت تونس المركز الأول مغاربياً في أحدث نسخة لمؤشر إتقان الإنجليزية الصادر عن مؤسسة "Education First" التعليمية الدولية، والذي شمل 100 دولة غير ناطقة بالإنجليزية.

وعلى الرغم من تصدرها البلدان المغاربية والعربية في هذا الإحصاء، فإن تونس التي حلت في المركز الـ 54 عالمياً، صُنفت في خانة البلدان ذات المستوى "المنخفض"، علماً أن المؤشر يعتمد خمسة مستويات للكفاءة والإتقان وهي "عال جداً، وعال، ومتوسط، ومنخفض، ومنخفض جداً".

أما على المستوى الرسمي، فباشرت وزارة التربية تدريس الإنجليزية بدءاً من الصف الرابع الابتدائي، انطلاقاً من العام الدراسي 2019، بعد أن كانت تدرّس في سنوات التعليم المتقدمة. لكن لا يقع اعتمادها كلغة ذات أهمية على غرار الفرنسية في التعليم العالي، إلا في بعض الاختصاصات مثل الأدب الإنجليزي أو اختصاص الأعمال، فكل المواد العلمية تُدرس باللغة الفرنسية.

ويبقى جدل التنافس بين الفرنسية والإنجليزية مفتوحاً في تونس، على الرغم من غلبة الفرنسية على الصعيد الرسمي باعتبارها لغة ثانية، إلا أنه على أرض الواقع اجتماعياً وعملياً، يبدو أن كفة الميزان بدأت تتأرجح لمصلحة الإنجليزية. 

آفاق واسعة

ويقول كاتب عام المنظمة التونسية للتربية والأسرة، عامر الجريدي، "من غير الممكن حالياً أن تكون الإنجليزية هي اللغة الثانية في تونس بدل الفرنسية"، باعتبار أنه سياسياً وثقافياً لا زالت تونس في تبعية لفرنسا، وأنها عضو في المنظمة الفرنكوفونية، وربما ستنظم النسخة المقبلة على أراضيها.

وتابع قائلاً، "الفرنسية مترسخة في الثقافة التونسية، وهو معطى تاريخي نابع من الاستعمار الفرنسي لتونس، وبالتالي لا يمكن محو هذا التاريخ بشطبة قلم، كما أن تغيير هذا الواقع يتطلب زعيماً وطنياً لا يأتمر بفرنسا ولا الخارج".

وواصل، "منطقياً الإنجليزية لغة العالم الأولى، هذا لا شك فيه، لكن في تونس وفي مثل هذه الظروف السياسية، لا يمكن قلب الموازنة لمصلحتها ضد الفرنسية".

من جهة أخرى، يرى الجريدي أنه من "الضروري تدعيم تدريس الإنجليزية في المنظومة التعليمية في تونس، خصوصاً في التعليم العالي، من أجل تحضير الشباب إلى الحياة المهنية، التي تفتح الإنجليزية آفاقاً واسعة لها".

ويعتبر الكاتب العام أن "الشباب التونسي الآن أصبح يختار الإنجليزية التي فرضها الواقع، وفي الوقت ذاته بعض منهم تراجعت قدراتهم في الفرنسية لأنها أصعب بكثير من الإنجليزية التي يسهل تعلّمها حتى عند الأطفال".

من جهة أخرى، يؤكد الجريدي أن تفوق التونسيين عربياً في إتقانهم الإنجليزية يعود إلى معرفتهم بالفرنسية التي تعتبر من أصعب اللغات التي يمكن اتقان قواعدها اللغوية. ويعتقد أن هذا المُعطى مشجع من أجل تدعيم الإنجليزية باعتبارها لغة العلم والأعمال.

الإنجليزية خلف مواطن الشغل

من جهتها، ترى أستاذة اللغة الإنجليزية، مروى الشايب، أن "التمسك بالفرنسية أصبح يعوق النمو والتقدم، بل ويسهم في ارتفاع نسبة البطالة، إذ إن هناك أكثر من 500 ألف تونسي جلهم من أصحاب الشهادات، كان يمكن أن يحصلوا على فرصة عمل لو أتقنوا الإنجليزية".

وتضيف، "تُظهر دراسات عالمية أن أهمية تطوير مستوى إتقان الإنجليزية من أجل رفع التحديات الاقتصادية أصبح أمراً ضرورياً، ومن أهمها خلق مواطن الشغل وجذب الاستثمارات الأجنبية وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي"، وتؤكد أن ذلك يعود لعولمة الاقتصاد التي جعلت الإنجليزية لغة التواصل الأساسية في معظم المعاملات التجارية والمالية والبنكية بين البلدان".

وتفيد الشايب بأن غالبية الطلبة يعون أهمية الإنجليزية، وهي ترى أن ما يتلقونه في البرامج التعليمية الرسمية غير كاف، ويجب تطوير اللغة بالممارسة اليومية والمطالعة، وأيضاً بمواصلة الدراسة بصفة فردية، علماً أن البلاد شهدت خلال السنوات الأخيرة انتشاراً لمراكز خاصة بتعليم الإنجليزية.