Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جون لو كاريه رفع رواية الجاسوسية إلى مرتبة الأدب الحقيقي

ستيفن كينغ وصفه بالعملاق الأدبي وأعماله مترجمة إلى 36 لغة بينها العربية

أكدت العائلة وفاة الروائي الشهير من "التهاب رئوي حاد مساء السبت بعد معركة قصيرة مع المرض" (رويترز)

عندما تلقى الروائي البريطاني الكبير ستيفن كينغ نبأ رحيل الروائي جون لوكاريه كتب للفور على تويتر:"مات جون لوكاريه عن 89 سنة. لقد أودت هذه السنة الرهيبة بعملاق أدبي وروح شديدة الإنسانية". كان رحيل لوكاريه رائد رواية الجاسوسية في بريطانيا والعالم مفاجئاً على الرغم من تقدمه في الشيخوخة، فهذا الروائي يملك شبكة واسعة من القراء في لغات عالمية ترجمت رواياته إليها، ويعد من الأكثر مبيعاً في العالم، وبعض رواياته تحتل مواقع متقدمة جداً في لوائح الكتب الرائجة. لم ينل كورونا من لوكاريه بل التهاب رئوي حاد ظل يقاومه حتى الرمق الأخير.

لعل أبرز ما يميز تجربة جون لوكاريه هو رفعه الرواية الجاسوسية القائمة على التوثيق والوقائع والأحداث والمواجهات البوليسية والأبعاد السياسية والجيو- سياسية، إلى مرتبة الأدب الرفيع والسرد الراقي والمحبوك على طريقة الأعمال الروائية الكبيرة. ولئن قدم لوكاريه من عالم الوظيفة الدبلوماسية والتجسس الحقيقي إلى عالم الكتابة، فهو نجح في أن يكون روائياً قادراً على خلق الشخصيات وبناء العلاقات وسبك القصص المعقدة والمركبة في أسلوب سردي مشوق، ليس بعيداً عن أساليب الروائيين المعروفين.

جون لوكاريه، اسم مستعار اختاره الكاتب بدلاً من اسمه الحقيقي دايفيد جون مور كرونويل وجاء به من وظيفته الرسمية في الدولة. وضع عشرات من روايات التجسس التي عرفت هي وشخصياتها شهرة كبيرة وفي طليعة هذه الشخصيات الجاسوس الغربي الظريف "جورج سمايلي"، المنخرط أبداً في معارك صاخبة ضد "كارلا"، الشخصية النقيضة والضابط في الكي جي بي.

استهل الكاتب مسيرته بدراسة اللغات الأجنبية في جامعة برن السويسرية أواخر الأربعينيات وتخرج عام 1954 في جامعة أكسفورد، بدأ في هذه الفترة، التعاون بطريقة غير رسمية مع الاستخبارات من خلال التجسس على الطلاب اليساريين.

عمل لو كاريه بين عامي 1956 و 1958 مدرساً للغتين الفرنسية والألمانية في كلية إيتون. وفي عام 1958 التحق بجهاز الاستخبارات البريطاني ام. 15 وفي العام اللاحق انتقل إلى جهاز الاستخبارات الخارجية ام .16، وكان على مدى خمس سنوات وكيلاً سرياً تحت غطاء العمل الدبلوماسي في ألمانيا الغربية. وهذا ما يعني أن لوكاريه جاء إلى الرواية الجاسوسية من خبرة على الأرض وتجارب حية ولم تكن رواياته ضرباً من التخييل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نشر الروائي روايته الأولى "دعوة للموتى" عام (1961) تحت الاسم المستعار جون لو كاريه الذي كان يستخدمه على مدى سنوات خلال عمله الاستخباراتي. وكان ترك الوظيفة الرسمية بعد نجاح روايته الثالثة "الجاسوس الذي جاء من البرد" (1963) التي وظف فيها تجربته الاستخباراتية في ألمانيا.

وضع لو كاريه نحو 22 رواية، ترجمت بمعظمها إلى نحو 36 لغة عالمية. وسلط في رواياته المشهورة الضوء على طبيعة العمل الروتيني لرجال الاستخبارات في جو من المغامرات التشويقية.

حاز لو كاريه كثيراً من الجوائز الأدبية، وفي عام 2008 أدرجته صحيفة "تايمز" في المرتبة الـ22 في قائمة أبرز الأدباء البريطانيين بعد الحرب العالمية الثانية. نقل الكثير من رواياته إلى السينما وبعضها حول مسلسلات درامية. لوكاريه بريطاني فعلاً في كل ما تعني الهوية من أبعاد ومعان، لكنه سليل الغرب الأوروبي وأحد كبار الأساتذة في التخييل الروائي البوليسي حول المواجهة بين الشرق والغرب. تطرق إلى أبرز موضوعات التجسس في رواياته. ومنها: "شمعدانات سوداء"، "مرآة الجواسيس"، "مدينة صغيرة في ألمانيا"، "عاشق بريء وعاطفي"، "الخلد"، "رجال سمايلي"، "جاسوس صرف"، "بيت روسيا"، "المسافر السري"، "قارعة الطبل الصغيرة"، "مدير الليل"، "لعبتنا"، "خياط بناما"، "صداقة مطلقة"، "أغنية المهمة" وسواها...

لم تترجم في العالم العربي سوى خمس روايات له وهي: "سمكري خياط جندي جاسوس"، "خيوط المؤامرة"، "الجاسوس المستجير من البرد"، "مدير الليل" و"قارعة الطبل الصغيرة" أو "الطبالة الصغيرة". وإن لم تلقَ هذه الروايات أصداء كبيرة بين القراء العرب على غرار بعض الروايات العالمية القديمة والجديدة، فهي ظلت محصورة ضمن شريحة من القراء تهوى أدب الجاسوسية شبه المجهول في المكتبة العربية والذي نادراً ما جذب روائيين عرباً. لكن رواية "الطبالة الصغيرة" بحسب الترجمة العربية نالت نجاحاً كبيراً على خلاف الأخرى لأنها تتطرق أساساً إلى الصراع العربي الإسرائيلي في الثمانينيات وتضع مدينة بيروت والمخيمات الفلسطينية في قلب وقائعها. وقد انتشرت هذه الرواية في ترجمتها العربية على مواقع الإنترنت في توزيع مجاني وفي أمكان أي شخص قراءتها. فبعض القراء العرب يعدونها مؤيدة للقضية الفلسطينية ومناهضة للموساد، بل هي تعمد إلى كشف أساليب الأخير في الثمانينيات.

تقع هذه الرواية التي صدرت العام 1983 في إطار "الصراع العربي الاسرائيلي"، فالروائي شاء تقديم صورة عن المناضل الفلسطيني الحقيقي ليكسر الصورة المشوهة التي عممت له في الإعلام الغربي كشخص إرهابي.

تبرز في الرواية شخصية ممثلة بريطانية تدعى "شارلي"، مبتدئة ومغمورة تعمل في أحد مسارح لندن ذات ميول يسارية وراديكالية وتتعاطف مع الفلسطينيين وقضيتهم. من ناحية ثانية تطل شخصية أخرى هي "مارتن كيرتز"، ضابط إسرائيلي نجا من الهولوكوست في طفولته، يوكل إليه جهاز الموساد مهمة اقتفاء آثار شاب فلسطيني خبير في التفجيرات يدعى "خليل". هذا الشاب الفلسطيني متهم بتنفيذ عمليات تفجير ضد أهداف إسرائيلية. يسعى مارتن إلى إقناع رؤسائه بتجنيد الممثلة شارلي، خصوصاً أنها تجسد نموذج المناضلين الأوروبيين المؤيدين للقضية الفليسطينة ما يعني إمكان استغلالها للوصول إلى خليل. تقع شارلي في شباك الموساد، فيبتزونها ويضغطون عليها كي تقبل بإداء دور مماثل لشخصيتها في الحياة ويرسلونها أولاً إلى لبنان كي تتدرب على العمليات الفدائية في أحد المخيمات الفلسطينية، ثم يجندونها في مهمة القضاء على خليل عبر اللعب عليه والحصول على ثقته واستدراجه من ثم إلى الفخ. تقع الممثلة في حبه لكن بعد فوات الوقت. فالشاب الفلسطيني خليل سيلقى حتفه في النهاية.

المزيد من ثقافة