Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يغير السياسات النقدية العالمية

تريليونات الدولارات ضُخّت في الأسواق والتعافي لن يكون عام 2021

فقدت كثير من المدن نشاطها وحيويتها خلال أزمة جائحة كورونا (غيتي)

طبع فيروس كورونا عام 2020 ليصبح الحدث الأول والأبرز، متخطياً كل الحدود. أوقف الحركة، فأصبحت المدن خالية، وسقط الاقتصاد بضربة سريعة كادت أن تكون قاضيةً على الثروات ومقومات الحياة.

أما التعقيدات بشأن كيفية احتواء ومواجهة الوباء صحياً واقتصادياً، فرفعت من المخاوف وعدم اليقين، ما انعكس ضغوطاً على النمو والاستقرار الماليين.

أولى التداعيات طالت أسواق الأسهم، التي سجلت هبوطاً حاداً، بخاصة في الاقتصادات الكبرى، مثل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان، ما يعني خسائر سريعة بمليارات الدولارات، تزامنت مع تشدد كبير في الأوضاع المالية، فارتفعت تكاليف التمويل في أسواق الأسهم والسندات. وبرزت الحاجة الملحة إلى تحول في السياسات النقدية للبنوك المركزية، عبر اتخاذ إجراءات سريعة للمساعدة في تخفيف حدة الضائقة المالية، بالتالي اللجوء إلى ضخ السيولة لخفض أسعار الفائدة، ومنع حدوث أزمة ائتمانية. 

خط الدفاع الأول 

تلعب البنوك المركزية دوراً أساسياً في التصدي للأزمات الاقتصادية في إطار مسؤوليتها عن المحافظة على استقرار الأسعار وتوازن سوق العمل.

في الحالات الطبيعية، يعد سعر الفائدة أحد أهم أدوات السياسة النقدية التي تلجأ إليها البنوك المركزية، فترفعه لكبح جماح التضخم، أو تخفضه لتحفيز الاقتصاد على النمو وخلق الوظائف. 

أما عند الأزمات، فتتحرك البنوك المركزية عبر استخدام أدوات غير تقليدية للحفاظ على النشاط الاقتصادي والوظائف واستقرار الأسعار.

وأبرز هذه الأدوات، التيسير النقدي وشراء السندات وبرامج الإقراض وتوفير السيولة. وكانت البنوك المركزية حول العالم قد لجأت إلى تيسير نقدي ضخم بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، واستطاعت أن تعيد التوازن للاقتصاد والأسواق المالية.

ومع تهديد كورونا الاقتصادات بالانهيار والدخول في دوامة انكماش طويل، تدخلت البنوك المركزية مجدداً وأتاحت رزماً تحفيزية ضخمةً، دفاعاً عن مستقبل مواطنيها.

التحفيزات النقدية 

يؤكد طارق الرفاعي، مدير مركز كوروم للدراسات في لندن، أن التحفيزات التي لجأت إليها دول العالم كانت ضرورية جداً، فلا إمكانية لإدارة أزمة الوباء وتداعياتها الاقتصادية المدمرة من دونها.

ويوضح أن التحفيزات انقسمت إلى نوعين، مالية ونقدية. الأولى تقرها البنوك المركزية لدعم الأسواق المالية، والثانية تقرها الحكومات لضخ الأموال مباشرة إلى الأفراد والشركات. 

ويرى الرفاعي أن التحفيزات بنوعيها كانت ضرورية بسبب المخاطر والمخاوف المرتفعة، التي تلت الإقفال التام والمتتالي للاقتصادات العالمية. وهي المرة الأولى في العصر الحديث التي يشهد فيها العالم إقفالاً تاماً لمدة ثلاثة أشهر، من مارس (آذار) وحتى مايو (أيار).

وعلى الرغم من أن الصين أعادت فتح اقتصادها سريعاً، إلا أن الإقفالات الجزئية استمرت حتى خلال فترة الصيف للدول الأخرى. فلو لم تبادر البنوك المركزية والحكومات إلى إقرار وصرف رزم تحفيزية ضخمة وسريعة، لكان العالم شهد انكماشاً اقتصادياً حاداً. 

وهي أيضاً المرة الأولى التي تتزامن فيها أزمتان، صحية واقتصادية، ما دفع الدول للعمل على جبهتين.

ويحذر الرفاعي الدول من المديونيات المرتفعة، التي ستعرضها للتعثر في السنوات القليلة المقبلة. 

ففي عام 2010، عانت اليونان والبرتغال وإسبانيا من أزمة ديون حادة، ومع عودة ارتفاع نسب المديونية فيها، يحذر الرفاعي من الرجوع إلى السيناريو نفسه، كما يتخوف من دخول دول أخرى تعاني من تعاف اقتصادي هش في التعثر.

شركات تحلق أو تتعثر 

يشير الرفاعي إلى واقع جديد خلقته الجائحة، تمثل في تقوية بعض الشركات على حساب إضعاف أخرى. فشركات التكنولوجيا شهدت ارتفاعات قياسية في حجم أعمالها وأرباحها، ما رفع قيمتها السوقية إلى مستويات غير مسبوقة، كما حصل مع "أمازون" و"فيديكس" و"فايزر".

أما الشركات الأكثر تضرراً فكانت تلك العاملة في القطاعات التقليدية، كالسياحة والخدمات، بخاصة الصغيرة والمتوسطة.

وعلى الرغم من أن التحفيزات أقرت لدعم الشركات الأصغر في القطاعات الأكثر تضرراً، إلا أن توسع الشركات الكبرى يدل بوضوح على استفادتها من السيولة المتاحة والرخيصة في الأسواق على حساب الشركات الصغيرة، كالمطاعم ومكاتب السفر. ويتوقع الرفاعي أن تواجه هذه الشركات تعثراً قد يصل إلى الإفلاس خلال السنوات القليلة المقبلة. وهذا ما سينعكس، بالضرورة، على سوق العمل، فتعود مستويات البطالة إلى الارتفاع وتنخفض إيرادات الدولة من ناحية مستويات الجباية من الضرائب والرسوم.

التحديات مستمرة 

كثير من الاقتصاديين يتوقعون أن يكون عام 2021 سنة التعافي والنمو، لكن بحسب الرفاعي فإن نجاح الشركات الكبرى وانطلاق نشاط قطاع السياحة والترفيه لن يعود إلى مستويات ما قبل الأزمة إلا بعد مرور بضع سنوات. 

فخلال عام 2021، سيشهد العالم استمراراً في محاولة التعافي الاقتصادي، الذي سيكون بطيئاً وأقل من المتوقع. كما سنشهد انعداماً للتوازن في التعافي بين القطاعات التي انقسمت بين الأكثر تضرراً والأقل تضرراً من الأزمة، وتبايناً في تعافي الاقتصادات العالمية. 

النقد الرخيص مشكلة مؤجلة

يتوقع الرفاعي أزمات جديدة ستنتج عن السياسات النقدية المتبعة لمواجهة كورونا، التي ترجمت بتحفيزات مالية خلقت ما يعرف بالنقد الرخيص. إذ يخلق ضخ الأموال في الاقتصاد ضغوطاً تضخمية قد تنعكس سلباً على التعافي الاقتصادي، ويدفع المستثمرين نحو أخذ مخاطر أعلى لتحقيق عوائد أكبر. ما يعني شراء الديون أو الاستثمار في الشركات أو الدول ذات المخاطر الأعلى، كما هي الحال في الأرجنتين ولبنان. فالمستثمر يندفع إلى الاستثمار في سندات ذات فوائد عالية تعرضه لخسائر مرتفعة.

وعلى الرغم من أهمية التحفيزات المالية خلال عام 2020، إلا أن استمرارها قد يؤدي إلى مشاكل أكبر مستقبلاً.

التحفيزات المالية بالأرقام 

عمدت كل الحكومات حول العالم ومعها البنوك المركزية إلى إقرار رزم تحفيزية مالية ونقدية لدعم الشركات والأسر، ووصل حجم التحفيز في الدول العشرين الكبرى إلى 21 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة مرتفعة تعكس واقع وخطورة أزمة كورونا وتداعياتها على الاقتصادين المحلي والعالمي.

الصين

بدأت جائحة كورونا من الصين، التي كانت أول من لجأ إلى التحفيزات النقدية لحماية الاقتصاد، حيث بلغت 733 مليار دولار، وتراجع النمو بـ6.8 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتمدت الصين سياسة الإقفال السريع ولجأت إلى دعم تصنيع المعدات الطبية، ودفع تعويضات البطالة ومنح إعفاءات ضريبية لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة. 

وقام بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) في مارس بالإعلان عن برنامج تحفيزي حجمه 553 مليار يوان (79 مليار دولار)، بالإضافة إلى تخفيض الاحتياطي 1 في المئة، ما أسهم في توفير سيولة في النظام المصرفي.

وضخ البنك المركزي خلال أول ثلاثة أشهر من عام 2020 سيولة بمقدار 1.2 تريليون يوان (178 مليار دولار)، وقدم تسهيلات ائتمانية للشركات المتضررة من كورونا تقدر بـ300 مليار يوان (42 مليار دولار).

الولايات المتحدة

بينما كان الفيدرالي الأميركي يخطط لرفع سعر الفائدة مرتين هذا العام، دفعته مخاطر انتشار الجائحة إلى فرض خفض طارئ لسعر الفائدة حتى الصفر، وهو التحرك الأول منذ عام 2009 (مرتان خلال شهر مارس 2020 وحده). ثم أطلق برنامجاًَ للتيسير النقدي وخفض الفائدة على اتفاقيات تبادل خطوط الائتمان بين البنوك المركزية. وقد بلغت قيمة هذه التحفيزات المتتالية في الولايات المتحدة حدود 2.4 تريليون دولار، وشكلت 13.2 في المئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي. 

واستهدفت هذه التحفيزات الأسواق والقطاعات الاقتصادية والشركات والأسر والأفراد. فتم دعم وتوسيع إعانات البطالة، وتأمين مساعدات غذائية للشرائح والمجتمعات الأكثر فقراً، ودعمت قروض التعليم لمساعدة الطلاب، بالإضافة إلى إتاحة تسهيلات ائتمانية لدعم القروض السكنية وحماية الشركات من الإفلاس، بخاصة الصغيرة والمتوسطة، عبر تأمين قروض ميسرة بفوائد مدعومة. 

يبقى طبعاً القطاع الصحي، الذي خصص له أكثر من نصف تريليون دولار لتمكينه من مواجهة الجائحة وتمويل الدراسات وحجز اللقاحات.

كندا

عانت كندا كما كل الدول المنتجة للنفط من ضربة مزدوجة تمثلت في تزامن أزمة كورونا مع تراجع أسعار النفط. 

وبلغت التحفيزات فيها 354 مليار دولار لدعم قطاعات الصحة وتأمين تقديمات نقدية مباشرة للأسر والشركات. 

كما خفض المركزي أسعار الفوائد وأتاح تيسيراً نقدياً لحماية الأسواق من الانهيار.

الاتحاد الأوروبي

تكثفت اجتماعات المفوضية الأوروبية، التي لجأت إلى توحيد استجابتها للأزمة وتوسيع أطر عمل البنك المركزي الأوروبي، الذي أقر في منتصف مارس برنامجاً للتيسير النقدي  بلغ حجمه 750 مليار يورو (811 مليار دولار) لشراء السندات السيادية وسندات شركات القطاع الخاص.

ومع مواجهة منطقة اليورو مخاطر كبيرة جراء الانتشار الواسع لـكوفيد-19 في الدول الأوروبية، التي تحولت بؤرة وباء (إيطاليا وإسبانيا وغيرهما)، أعادت السلطات استخدام الأدوات التي واجهت بها أزمة الديون السيادية عام 2012، من بينها آلية الاستقرار المالي وصندوق الإنقاذ وبلغ برنامج شراء الأصول المتعثرة الذي أطلقه المركزي الأوروبي 120 مليار يورو.

وفيما وُزعت رزم التحفيز لتمتد على السنوات 2020 -2023، خصصت النسبة الأكبر منه للدول الأكثر تضرراً من الجائحة كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا. 

كما خصصت الحكومات دعماً لسوق العمل عبر تأمين السيولة والتسهيلات الائتمانية للشركات الصغيرة والمتوسطة.

بريطانيا

أقرت بريطانيا تحفيزات مالية فاقت 85.5 مليار جنيه إسترليني ( 113 مليار دولار)، 48.5 مليار منها لدعم العائلات المتضررة من الجائحة والقطاع الصحي، و29 مليار لدعم شركات القطاع الخاص الأكثر تضرراً، و8 مليار لدعم المجتمعات الأكثر فقراً. 

كما لجأت إلى إتاحة السيولة وتأمين التسهيلات الائتمانية للشركات وتأجيل دفع الضرائب، بخاصة القيمة المضافة وضرائب الدخل وخفضت الفوائد.

السعودية

عانت السعودية من ضربة مزدوجة أيضاً، كونها من الدول المنتجة والمصدرة للنفط. فشهدت إيراداتها النفطية تراجعاً كبيراً، فيما يحتم التعامل مع تداعيات فيروس كورونا رفع الانفاق الحكومي ودعم القطاعات التي تعثرت جراء انتشاره. 

التحفيزات النقدية فاقت 18.7 مليار دولار، أي نحو 3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. 

لجأت الرياض إلى إجراءات سريعة لدعم اقتصادها، منها إلغاء الضرائب والرسوم التي تستوفيها الحكومة، كما دعمت رواتب الموظفين في القطاع الخاص، بخاصة السعوديين منهم. وخفضت فواتير الكهرباء والمياه للقطاعات التجارية والصناعية والزراعية.

وعمل المركزي السعودي على تأمين سيولة للمصارف لتأجيل دفعات القروض المتعثرة الناتجة عن توقف الدورة الاقتصادية بفعل الإقفالات والتشدد المرتبط بمكافحة فيروس كورونا.

ولكن لمواجهة تراجع الإيرادات وتفادي عجز كبير من ميزانيتها، لجأت السعودية إلى رفع ضريبة القيمة المضافة من 5 إلى 15 في المئة في بداية يوليو (تموز) 2020.

مصر

تعد مصر من الدول الناشئة التي واجهت أزمة ائتمان ونقد أجنبي منذ سنوات قليلة، دفعتها للجوء إلى مساعدات صندوق النقد الدولي. لتعيد جائحة كورونا الضغوط على اقتصاد أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان.

وبلغت قيمة التحفيزات 6.1 مليار دولار أي 1.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. واستهدفت خصوصاً دعم الأسر الأكثر فقراً عبر تمديد برامج اجتماعية كتكافل وكرامة. 

وعملت على الحفاظ على العمال في القطاعات الأكثر تضرراً من الجائحة عبر دعم الشركات المتوسطة والصغيرة. وقدمت الحكومة منحاً نقدية تغطي ثلاثة أشهر إلى 1.6 مليون مصري عاطل عن العمل أو متضرر مباشرة من الجائحة.

كما خفضت أسعار الطاقة ودعمت القطاع السياحي المكون الأبرز في اقتصادها، الذي يؤمن العملات الصعبة الحيوية للاستيراد. وخفضت الضرائب على القطاع الصحي.
ولتمويل الإنفاق وعدم رفع العجز ومعه المديونية، فرضت مصر ضريبة 1 في المئة على رواتب القطاعين العام والخاص من العاملين في مهن غير متضررة من الأزمة الصحية.

الإمارات 

أقرت الإمارات رزمة تحفيزية بلغت 8.7 مليار دولار، أي 2.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وخصص4.4 مليار دولار منها لدعم القطاع الخاص عبر خفض الرسوم والضرائب التي تستوفيها الحكومة، كما تمت إعادة تمويل البنوك لمواجهة القروض المتعثرة وتمكينها من تأجيل الدفعات المستحقة.

ومن سياساتها لدعم النمو، سرعت الإمارات تنفيذ مشاريع البنى التحتية. كما دعمت فواتير الماء والكهرباء ولجأت إلى حماية القطاع العقاري عبر تمديد مهل تسديد المستحقات للمستأجرين والمالكين.

الكويت

أقرت الكويت رزمة تحفيزية بلغت 1.6 مليار دولار، أي 1.5في المئة من إجمالي الناتج المحلي. 

وكما دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، لجأت الكويت إلى إلغاء الرسوم الحكومية للقطاعات المتضررة من الجائحة وتأمين معاشات العاطلين من العمل، بخاصة الكويتيين، كما تم تأجيل دفع مستحقات الشركات الخاصة لمدة ستة أشهر وتأمين خطوط ائتمانية للشركات الصغيرة والمتوسطة لحمايتها من الإفلاس. 

البحرين

بلغت التحفيزات المالية في البحرين 1.5 مليار دولار، أي 4.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وعمدت البحرين لخفض فواتير الماء والكهرباء وأقرت إعفاءات من الرسوم، بخاصة للقطاع الصحي.

الأردن 

مع بدء تفشي فيروس كورونا واتجاه الدولة إلى إغلاق الاقتصاد، توجهت الأردن بطلب مساعدة عاجلة وطارئة من صندوق النقد الدولي الذي مدها بحزمة بلغت 400 مليون دولار.

منحت الأردن الأولوية للقطاع الصحي عبر إعفائه من الضرائب والرسوم والجمارك، كما خفضت رسوم الشركات العاملة في القطاع الخاص.

وأنشأت عمان صندوقاً خاصاً للإغاثة من كورونا، وأتاحت 71 مليون دولار إضافية لشراء معدات طبية وحجز فنادق للحجر الصحي. 

ولدعم الإنفاق والدورة الاقتصادية، خفضت ضريبة المبيعات إلى النصف، من 16 إلى 8 في المئة.