Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرحلة الانتقالية في السودان والرهانات الجديدة

مجلس الشركاء يثير جدلاً وخلافاً حول مهامه وما يخفيه تشكيله

محتجون على تدهور الأوضاع الاقتصادية في العاصمة السودانية الخرطوم (غيتي)

يبدو أن سياق المرحلة المقبلة من الفترة الانتقالية في السودان، بعد دخول الحركات المسلحة في شراكة الحكم، سيعكس احتمالات مربكة في طبيعة مسار المرحلة وتحالفاتها، لاسيما بعد الجدل الذي يدور اليوم حول ما سمي بمجلس شركاء المرحلة الانتقالية، الذي من المفترض أن تكون له طبيعة استشارية، حيث سيضم في عضويته ممثلين عن مجلس السيادة والحكومة وقوى الحرية والتغيير وحركات اتفاق جوبا. 

الجدل الساخن بدأ في الدوران، بعد اعتراض رئيس وزراء الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك، عقب صدور قرار تكوين مجلس شركاء المرحلة الانتقالية بتلك المواصفات، التي لم تكن من طبيعة خصائصه عند الاتفاق على تكوينه بين قوى الحرية والتغيير وحركات اتفاق جوبا ومجلس السيادة. وكذلك اعتراض الدكتورة عائشة السعيد، العضو المدني في مجلس السيادة، وهو جدل يعكس هواجس في ما وراء طبيعة تكوين هذا الجسم الجديد، وفي الاختلافات التي عكست التضارب في تفسير ما اتفق عليه في شأن تكوينه وهويته، فيما استحقاق تكوين المجلس التشريعي هو الأحق في المرحلة الراهنة لاستكمال السلطة الثالثة في هياكل سلطات المرحلة الانتقالية، بموجب الوثيقة الدستورية.

من الواضح أن سقف الهواجس بدا مرتفعاً من طبيعة أهداف تكوين المجلس، خصوصاً بعد أن أصدر مجلس الوزراء بياناً بتوقيع الناطق الرسمي باسم الحكومة، وزير الإعلام فيصل محمد صالح، كما أصدر تجمع المهنيين السودانيين بياناً آخر رافضاً لتشكيل هذا الجسم بتلك الصلاحيات، وهدد بالتصعيد ضده. إلى جانب التصريح الذي أفاد به العضو البارز في المجلس التنفيذي للحرية والتغيير إبراهيم الشيخ، من أن الشكل الذي خرج به تكوين المجلس، الذي أعلنه رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، ليس هو الشكل الذي اتُفق عليه! 

مصادر الخوف في تقديرنا ترجع إلى هاجس عام بين قوى الحرية والتغيير من طبيعة التحالفات المحتملة والخفية لقوى حركات اتفاق جوبا. ففيما بدا واضحاً أن الأخيرة هي في الأصل حركات معارضة قادها مدنيون، إلا أن الصراع المسلح الذي اضطرت إليه طوال 17 عاماً وأكثر عزز من هويتها العسكرية، الأمر الذي سينعكس في احتمالات أخرى.

الخطورة في شأن إعلان هذا المجلس الجديد تمثلت في الفقرة التي جاءت ضمن إعلانه، ونصت "بموجب قرار تكوين المجلس، فإن مهامه تتمثل في توجيه فترة الانتقال بما يخدم مصالح السودان العليا وحل التباينات في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وحشد الدعم اللازم لإنجاح الفترة الانتقالية، إضافة إلى أي سلطات أخرى لازمة لتنفيذ اختصاصاته وممارسة سلطاته". 

ففي نهاية هذه الفقرة ورد ذكر كلمات مثل "سلطات" و"تنفيذ" و"حل"، لا تتصل بالمعنى الذي اتُفق عليه، وهو أن تنحصر مهام المجلس باختصاص تنسيقي تشاوري تحديداً، بعيداً من أي مهام تنفيذية أو  سلطات تشتغل بحل القضايا التي ستكون موضع خلاف. 

هكذا، سيبدو أن ثَم غموضاً يكمن في طبيعة الإعلان عن المجلس وإخراجه. وهذا الأمر في تقديرنا سيكون مصدر قلق وإرباك في بدايات مرحلة الشراكة الجديدة بين حركات اتفاق جوبا والحكومة الانتقالية. فقد بدا واضحاً أن ثَم تغييراً تم تداوله بين الحركات المسلحة من جهة والمكون العسكري من جهة أخرى، لإضافة تلك الفقرة المقلقة في إعلان تكوين المجلس.

وإذا صح ما نفترضه من احتمال تواطؤ مضمر بين المكون العسكري والحركات المسلحة، فإن هذه الفقرة التي ظهرت في إعلان تأسيس المجلس هي الدالة على ذلك، خصوصاً بعد الضعف الذي ظهرت به قوى الحرية والتغيير في إدارة المرحلة المنقضية من بداية الفترة الانتقالية، وما أظهرته من "قحت" خلالها ومن تنازع واختلاف على المناصب والمواقع بعيداً من نبض الشعب وثورته، الأمر الذي قد يكون عكس رسالةً سالبة للحركات المسلحة، وربما قد يكون مؤشراً لتغيير خريطة تحالفاتها في المرحلة الانتقالية. 

في ضوء هذا الإرباك، بدا واضحاً أن تأثير الضغط الذي قوبل به إعلان هذا المجلس بتلك الصلاحيات كان قوياً حتى وصل صداه إلى الأمم المتحدة، الأمر الذي أدى إلى لهجة تراجع في تصريحات لاحقة للفريق عبد الفتاح البرهان. المتغير الذي ظهر خلال الأسبوع الماضي، هو تمرير مجلس النواب الأميركي بالإجماع قانون "التحول الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية لعام 2020"، الهادف بالدرجة الأولى إلى إزالة آثار العرقلة التي تواجه حكم المدنيين في البلاد، لاسيما من طرف العسكر الذين يحاولون إعاقة الانتقال الديمقراطي، من خلال تصريحاتهم غير المسؤولة هنا وهناك، مثل تصريحات البرهان وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين الكباشي. فالأول عندما وصف العام الذي مر من إدارة المرحلة الانتقالية بالفشل، متهماً به حكومة المدنيين بقيادة حمدوك، بدا كما لو أنه لم يدرك أن أكثر من 80 في المئة من الشركات الاقتصادية الكبرى في السودان تابعة للمؤسسة العسكرية، وهي التي يفترض أن تؤول ملكيتها إلى وزارة المالية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القانون الأميركي الجديد لدعم المرحلة الانتقالية والتحول الديمقراطي في السودان، سيكون نافذاً بعد تمريره في مجلس الشيوخ، وستكون في صلب أولوياته مطالبة العسكر بتحويل أيلولة الشركات الاقتصادية الكبرى إلى وزارة المالية، ووضعها تحت تصرف المدنيين، مع سن عقوبات جزائية ضد من يرفض القرارات الصادرة بموجب هذا القانون. 

المناخ الجديد في الولايات المتحدة بعد فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة، يعكس عودة حقيقية لإدارة المجال الديمقراطي، لاسيما في دول العالم الثالث، وسيكون السودان اختباراً حقيقياً لمصداقية هذه التوجهات في العالم الخارجي. 

كما أن الشعب السوداني يبدو اليوم أكثر حرصاً على مراقبة المرحلة الانتقالية، خصوصاً عبر مواكب المليونيات التي ظل يسيرها لفرض مطالبه على قوى الحرية والتغيير. وستكون هناك مسيرة مليونية بمناسبة الذكرى الثانية لثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) للضغط على هذه القوى وشركائها الجدد بموجب اتفاق جوبا للسلام، لتكون الحكومة الجديدة بوزرائها وولاتها أكثر تمثيلاً لنبض الشعب وأكثر قدرة على الدفع بمسؤولين أكفاء لإدارة تحديات المرحلة الانتقالية. 

لقد كان واضحاً أن غضب الشعب السوداني من الصلاحيات التي أُعلن بها مجلس شركاء المرحلة الانتقالية سيكون على حساب استحقاق آخر هو المجلس التشريعي (البرلمان)، الذي لم يُصَر إلى تشكيله حتى اليوم، بعد مرور أكثر من سنة على بداية هذه المرحلة، وعلى الرغم من أن البلاد أحوج ما تكون إليه، لاستكمال سلطاتها. 

هكذا، فيما تستشرف المرحلة الانتقالية في الأسابيع القليلة المقبلة بداية حكومة جديدة ستختبر تحديات خطيرة، وبعد تعرض قوى الحرية والتغيير لتوبيخ شديد من الشعب السوداني، ربما تتكشف رهانات جادة ولا تقبل المساومة في مستقبل هذه الشراكة، التي ستتعزز فيها إرادة المدنيين. لكن هذه المرة ستكون الفرصة الأخيرة للمدنيين وقوى الحرية والتغيير، التي واتتها ظروف إقليمية ودولية متعاونة، خصوصاً أن البعثة السياسية للأمم المتحدة ستنتشر في السودان بداية يناير (كانون الثاني) 2021.

هل ستكون هناك قبلة حياة جديدة لقوى الحرية والتغيير من أجل استئناف مسعى جدياً لإدارة المرحلة الانتقالية عبر تفويض أخير من الشعب، أم ستعيد إنتاج أزماتها مرة أخرى في مرحلة لا تقبل أنصاف الحلول؟

المزيد من آراء