Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لوحة فسيفساء تسلط الضوء على تاريخ إنجلترا في العصور الوسطى

الاكتشاف الجديد يشير إلى أن جيوباً من الحضارة الرومانية استمرت بعد انهيار سلطة الإمبراطورية الرومانية في بريطانيا

استمرت تقاليد الحضارة الرومانية في إنجلترا بعد انحسار سيطرة تلك الإمبراطورية عنها (ناشونال ترست)

مهد اكتشاف أثري بارز في جنوب غربي إنجلترا، الطريق أمام إعادة كتابة تاريخ البلاد أثناء مرحلة مبكرة من العصور الوسطى. فقد عُثر أخيراً على فسيفساء من الطراز الروماني، من شأنها أن تقدم أدلةً جديدة غير عادية على أن الحضارة الرومانية لم تتقهقر عالمياً بعد اندثار السلطة الإمبراطورية الرومانية في بريطانيا.

وحدد علماء الآثار تاريخ الفسيفساء التي عُثر عليها في "غلوسترشاير" في 2017، بأنه يعود إلى منتصف القرن الخامس أو بعده، أي بعد نحو جيل أو أكثر من خروج بريطانيا من كنف الإمبراطورية الرومانية في 410 بعد الميلاد.

ويشير تحديد تاريخ للفسيفساء، إضافةً إلى اكتشافات أخرى في أماكن عدة في غرب إنجلترا وويلز، إلى أن جيوباً من الحضارة الرومانية ظلت مستمرة بدرجات متفاوتة في أنحاء مختلفة من بريطانيا، وضمنها مقاطعات "كورنويل" و"شروبشاير" و"غلوسترشاير" التي شهدت اكتشاف هذا الأثر التاريخي.

وتُعد هذه المرة الأولى في بريطانيا، التي يتمكن فيها علماء الآثار من تأريخ قطعة فسيفساء تعود إلى حقبة ما بعد الرومان. ويقدم الاكتشاف دليلاً إضافياً على أن "العصر المظلم" لبريطانيا لم يكن مظلماً على المستوى العالمي، وفق ما يُصور في أحيان كثيرة.

إن فسيفساء "العصر المظلم" هذه التي تحدد تأريخها أخيراً، قد عُثِر عليها في إحدى أجمل الفيلات الرومانية وأكثرها شهرةً في بريطانيا في قرية "تشيدوورث" في "غلوسترشاير".

ويدل هذا التحديد التاريخي الجديد الواقع في قلب القرن الخامس، إلى أن عدداً من الفسيفساءات الأخرى الموجودة في قرية "تشيدوورث" وأماكن أخرى داخل مقاطعة "غلوسترشاير"، لا تعود إلى فترة الحكم الروماني في بريطانيا، بل إلى مرحلة ما بعد انهيار الإمبراطورية.

وتشير الأبحاث الجديدة في أماكن أخرى، إلى أن منطقة "غلوسترشاير" ربما كانت ولايةً صغيرة على الطراز الروماني تحظى بإدارة جيدة، وواصل سكانها الاستمتاع بأسلوب حياة روماني بعد فترة طويلة من جلاء جيوش إمبراطورية روما عن بريطانيا. وترجح أدلة أخرى عُثر عليها في "تشيدوورث"، أن تلك الفيلا ربما تمتعت بأهمية بالغة، ويُحتمل أنها حازت أهمية سياسية كبيرة.

ولم يكتف علماء الآثار بالعثور على الفسيفساء التي تعود إلى ما بعد العصر الروماني في "تشيدوورث" فحسب، بل وجدوا أيضاً أدلةً على خزفيات وقطع رخامية فاخرة مستوردة من شرق البحر الأبيض المتوسط. وتظهر هذه الاكتشافات في أقل تقدير، أن الملاك الرومانيين لقرية "تشيدوورث" وآخرين أتوا بعدهم، كانوا أصحاب مكانة رفيعة جداً.

وتشير الاحتمالات إلى أن الفيلا ربما امتلكتها عائلة رومانية مهمة، وربما ظلت في بريطانيا حتى بعد انهيار سلطة الإمبراطورية الرومانية.

وفي "غلوسترشر" ومناطق أخرى، استمرت الحكومة المحلية على النمط الروماني بعد انتهاء الحكم الإمبراطوري لبريطانيا ككل. ومن المرجح أيضاً أن تكون الأسرة التي كانت تمتلك "تشيدوورث" ممثلةً في المجلس الإداري المحلي لمنطقة "غلوسترشاير". وفعلياً، تشكل "تشيدوورث" أقرب فيلا كبيرة إلى مدينة "سيرانستر" الرومانية المهمة التي اعتاد المجلس المحلي المعروف بـ"لوكال كيوريا" local curia أن يعقد اجتماعاته فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير العثور على تحفة نادرة تمثلها ملعقة فضية منقوشة في الفيلا، إلى اسم مالكها المحتمل أن يكون من سلالة رومانية. إذ كان رجلاً يُدعى سينسورينوس، وربما استمر نسله في إدارة قرية "تشيدوورث" بعد مغادرة الجيوش الرومانية للمنطقة.

وجرى التأكد من أن مالك الفيلا استورد في القرن الخامس أدوات مائدة فاخرة للغاية من شمال أفريقيا، وكذلك جاء بالنبيذ من فلسطين في القرن الخامس أو السادس. ويوضح ذلك، إلى جانب اكتشاف فسيفساء ما بعد مرحلة الحكم الروماني، أن الأسرة التي عاشت هناك، في الحقبة التي  سُميت بـ"العصور المظلمة"، انتمت إلى ثقافة رومانية، وتميزت بمكانة مرموقة وثروة طائلة.

وأثناء المرحلة الممتدة بين عامي 410 و577، تحولت منطقة "غلوسترشاير" من "مقاطعة" مشيدة على الطراز الروماني، إلى مملكة مستقلة. وقد حُدد ذلك لأن السجلات التي توثق تاريخ شعوب الأنغلو ساكسون في 577 للميلاد، تظهر أنه قبل تلك الحقبة، وُجِدت في منطقة "سيرانستر"، مملكة بريطانية صغيرة (غير أنغلو ساكسونية).

واعتُبِرت "سيرانستر" في ظل العصر الروماني عاصمةً إقليمية ومقراً للإدارة المحلية لـ"المقاطعة" (أي مقاطعة فرعية). وشكلت في مرحلة العصر الحديدي، موطناً لقبيلة تُدعى "دوباني"، ومن المتوقع تالياً أن يكون هذا الاسم قد أطلق على مملكة مصغرة كانت تقع في نطاق "سيرانستر"، وهذا ما أشارت إليه السجلات نفسها التي توثق تاريخ الأنغلو ساكسون.

وبُني مجمع ضخم من المباني رفيع المستوى في سيرانستر، أواخر العصر الروماني، ثم جرى تجديده وتزيينه ربما في حقبة تلت المرحلة الرومانية، قد يكون ذلك في فترة ما، في النصف الأول من القرن الخامس (الفترة نفسها التي شهدت إعادة تشكيل مبنى واحد على الأقل، وزخرفته بلوحات من الفسيفساء في "تشيدوورث").

لا يعرف أحد حتى الآن السبب في بناء مجمع "سيرانستر" أو توسيعه، لكن ما يتصوره الخبراء أنه يرتبط بطريقة ما مع ظهور الدويلة المصغرة المستقلة التي تعود إلى "العصر المظلم" في المنطقة، بعد العصر الروماني.

وتُعد فسيفساء تشيدوورث حتى الآن، الأثر التاريخي الوحيد الذي حُدد تاريخه علمياً بأنه يعود إلى القرن الخامس (بواسطة تقنية الكربون المشع الذي يستخدم اضمحلال جزيء "كربون-14" بهدف تقدير عمر المواد العضوية التي شُيد منها المبنى).

من المتوقع أن يعاد الآن تقييم الفسيفساء ذات الطراز الروماني في مقاطعة "غلوسترشاير" وحولها لمعرفة إذا كانت تعود في الواقع إلى "العصر المظلم" أو إلى الحقبة الرومانية التقليدية.

وتبلغ مساحة فسيفساء "تشيدوورث" التي جرى تحديد تاريخها حديثاً نحو 7.6 أمتار مربعة، وتتألف من 350 ألف قطعة فسيفساء حمراء وزرقاء وبيضاء وبنية مرتبة على شكل أنماط هندسية مزدانة برسوم الورود.

ويتمثل الجانب الأكثر إثارةً للاهتمام في أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن منطقة "سيرانستر" شكلت موطناً لأحد أشهر الأشخاص في بريطانيا خلال "العصر المظلم"، وهو مؤرخ من القرن السادس يُدعى غيلداس (أحد أقدم المؤلفين المعروفين في بريطانيا). ويكاد يكون من المؤكد أن غيلداس أتى من خلفية ثرية، لكن لم يُعرف حتى الآن إذا كانت لديه أي علاقة تربطه مع قرية "تشيدوورث".

تولى عالم الآثار مارتن بابوورث من منظمة "التراث الوطني" "ناشيونال تراست" National Trust، (مؤسسة خيرية تُعنى بالحفاظ على التراث في إنجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية)، إدارة أعمال التحقق من الفيلا.

ويفيد بابوورث بأن "تاريخ القرن الخامس مختلف تماماً عما ساد الاعتقاد به في شكل عام. وبعد إجراء محادثات مع المستشارين الخبراء في مؤسستنا، رأينا أن هناك حاجةً إلى إجراء تحديد ثان لذلك التاريخ من خلال استخدام خصائص تقنية الكربون المشع، إلى جانب تحليل الفخار الموجود هناك، قبل التمكن من التأكد منه".

 نُقِل عن الخبير البارز في الفسيفساء الرومانية الدكتور ستيفن كوش، "ما زلت أعاني من صدمة في ما يتعلق بهذا التأريخ".

البروفيسور كين دارك من "جامعة ريدينغ" وهو أحد كبار الخبراء البريطانيين في علم آثار القرنين الخامس والسادس، ومؤلف كتاب "بريطانيا ونهاية الإمبراطورية الرومانية"Britain and the End of the Roman Empire - قال لـ"اندبندنت" "الآثار المترتبة عن التأريخ الأخير لهذه القطعة من الفسيفساء، تشكل شيئاً جوهرياً".

وأضاف: "إنها تؤكد استمرار الثقافة الرومانية في منطقة رئيسة من بريطانيا، بعد فترة طويلة من انتهاء حكم الإمبراطورية الرومانية".

 ملكية فيلا "شيدورث رومان" Chedworth Roman تعود إلى مؤسسة "ناشونال تراست"، وستُفتح أمام الجمهور اعتباراً من الثالث عشر من فبراير (شباط) المقبل.

© The Independent

المزيد من علوم