Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق يتجه للاقتراض دوليا والشروط القاسية بانتظاره

طالب صندوق النقد بإصلاحات أجهضتها الدولة العميقة واقتصاديون يرون الخلاص في الورقة البيضاء

تتجه الحكومة العراقية إلى الاقتراض الخارجي لكن اشتراطات المقرضين لن تكون سهلة التطبيق في البلاد (أ ف ب)

بعد سلسلة من عمليات الاقتراض الداخلية استنزفت كثيراً من أموال البنك والمصارف الحكومية والأهلية في العراق، يبحث البنك المركزي عن مصادر أخرى للتمويل بهدف الحفاظ على الاحتياطي، مولياً قبلته ناحية صندوق النقد الدولي، الذي يجمعه تاريخ من التعاون الإيجابي مع بغداد خلال السنوات القليلة الماضية.

ومنذ سقوط نظام صدام حسين في 2003، عقد الصندوق سلسلة من الاتفاقات أخرجت كثيراً من القطاعات العراقية من دعم الدولة، مثلما حدث مع المشتقات النفطية، وهو ما ساعد على وقف تهريب جزء كبير منها إلى تركيا وإيران، فضلاً عن خطوات أخرى عملت على إعادة تنظيم محدود لاقتصاد البلاد، لكنها لم تستمر بسبب التدخلات السياسية التي حولت دعم الدولة في كثير من القطاعات إلى جزء مهم من تمويل حملاتها الانتخابية طوال الأعوام الماضية.

وعلى الرغم من دعوة الصندوق للعراق بإعادة النظر في ملف البطاقة التموينية وتقنينه، كونه من ملفات الفساد الإداري المشهورة، ومبيعات البنك المركزي اليومية للدولار، فإن الدولة العميقة التي تنظم جهات مسلحة وميليشيات ومافيات مختلفة أجهضت جميع محاولات الإصلاح، بل قضت عليها خلال فترة حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، بعد أن فتحت الباب واسعاً للإنفاق والتعيينات وبيع العملة بأرقام مهولة.

ويبدو أن هذه الإصلاحات وغيرها مطلوبة الآن من جديد، بوصفها شرطاً أساسياً للتمويل خلال الفترة المقبلة وربما بتشدد أكثر، لخبرة الجهات الدولية في طريقة عمل وخطط الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003، التي تراجعت أكثر من مرة عن اتفاقاتها مع المنظمات المالية الدولية بشأن الإصلاح.

قروض إنتاجية

وتؤيد اللجنة المالية في مجلس النواب توجهات الحكومة إلى الاقتراض الخارجي، مشترطة استثماره في المشروعات الإنتاجية، لاستيعاب البطالة وتشغيل الشباب. يقول مقرر اللجنة أحمد الصفار، "نساند فكرة الاقتراض الخارجي الذي يُستغل في قطاعات إنتاجية، ويوفر فرص عمل للشباب"، متوقعاً أن يكون عجز موازنة 2021 ما يقارب 50 في المئة من مجموع الإنفاق العام.

ومن المتوقع أن تبلغ قيمة موازنة العراق لعام 2021 نحو 100 تريليون دينار (80 مليار دولار)، بعجز يتراوح بين 30 و35 تريليون دينار (25.4 إلى 29.6 مليار دولار).

ويضيف الصفار، "جميع المؤسسات المالية الدولية عند إقراضها أموالاً للآخرين، تفرض شروطاً لتأمين استعادة ما منحته، إضافة إلى الفوائد. والصندوق يطلب إعطاء مجال للقطاع الخاص، والتدخل بسعر صرف العملة، وكذلك التدخل في تفاصيل السياسة المالية للبلد، لضمان إرجاع أمواله".

ويشير عضو اللجنة المالية إلى أن الإيرادات النفطية وغير النفطية لا تكفي الحاجات الضرورية. ويوضح "حتى لو كانت الموازنة تقشفية فإن نسبة العجز ستكون مرتفعة، فسعر النفط عند مستويات لا تسدد حاجات العراق، بالتالي حجم القروض يعتمد على الإمكانات المالية المتاحة".

إلغاء مزاد العملة

على الرغم من أن العراق نفذ بعض طلبات صندوق النقد، لا سيما الخاصة بإلغاء دعم المحروقات، فإن هناك شروطاً ما زالت موضع مناقشة في الأوساط الحكومية والبرلمانية ولدى خبراء الاقتصاد، لا سيما المتعلقة بمزاد العملة، الذي يصفه مختصون بأنه "نوع من الفساد"، أدى إلى استنزاف العملات الأجنبية واحتياطي البنك المركزي الذي بات في تراجع مستمر.

وبدوره يرجح المتخصص الاقتصادي مازن الأشيقر، أن لا يتزحزح الصندوق عن شروطه السابقة، وهي إلغاء الدعم على المنتجات النفطية والحصة التموينية، وكذلك مزاد العملة. يقول، "الأخيرة مصدر رزق لكثير من الأحزاب الفاسدة، وستكون هناك محاولات منها للالتفاف على الشروط، من أجل عرقلتها".

ويتابع، "في المقابل المنظمة المالية الدولية ستكون أكثر صرامة مع العراق في تنفيذ شروطها حتى تسمح بإقراضه. ومن الممكن أن توافق على إقراض البلاد في أقصى الحالات من 20 إلى 25 مليار دولار".

ضغط كبير للنفقات

بحسب خبراء في الاقتصاد، فإنه من المتوقع أن يطالب صندوق النقد العراق بضغط نفقاته بشكل كبير، وعدم التوسع في أي مشروعات جديدة أو تعيينات، وإعادة النظر في مختلف الرسوم والضرائب المفروضة في البلاد، وتحرير بعض القطاعات الاقتصادية.

يقول المختص في الشأن الاقتصادي ماجد الصوري، "الصندوق سيدعو إلى إعادة هيكلة النفقات التشغيلية وتخفيضها، ومن بينها رواتب الموظفين"، مشيراً إلى أن مجموع القروض التي في ذمة العراق للمؤسسات المالية الدولية "بلغ 27 مليار دولار".

ويضيف، "أتفق مع تلك الشروط التي تُفرض على العراق من أجل إقراضه، لأنه لا يمكن أن تستمر الدولة في سياسة التضخم في النفقات التشغيلية مع الاستمرار بالاقتراض من الداخل والخارج".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبلغ قيمة القروض الداخلية نحو 80 تريليون دينار عراقي (67.7 مليار دولار). أما الخارجية فتصل إلى نحو 27 ملياراً، وسيكون العدد الإجمالي 32 ملياراً إذا ما جرى اقتراض خمسة مليارات من صندوق النقد أو غيره وفق الصوري، الذي يوضح أن مجلس النواب "فوض الحكومة لاقتراض هذا المبلغ، وإذا ما حدث ذلك فإنه يمثل توريطاً للشعب والأجيال القادمة، ويعرقل النهضة الاقتصادية، وسيؤدي إلى تضخم في الأسعار".

الورقة البيضاء

وبرأي الصوري فإن الحل الأمثل يكمن في "الورقة البيضاء"، التي اقترحها البرلمان، وتتضمن تخفيض الرواتب، على أن لا تمس الدرجات الدنيا، إضافة إلى تقليل الامتيازات الممنوحة لبعض الفئات، وكذلك القضاء على الفضائيين (تسمية تطلق على الأسماء الوهمية في المؤسسات الحكومية العراقية، الذين يتقاضون رواتب من الدولة)، ومتعددي الرواتب، وهو ما سيوفر 30 تريليون دينار (25.4 مليار دولار).

وعن حجم الاحتياطي من العملات الأجنبية، يشير إلى أن مجموعه نحو 50 مليار دولار، وهي مخصصة لتأمين استيرادات البلاد، وكذلك غطاء للعملة المحلية الصادرة في الوقت الحاضر، مبيناً أن هذا الاحتياطي يوفر تغطية مريحة للعملة بمقدار 130 في المئة.

يذكر أن الورقة البيضاء التي أقرها مجلس الوزراء، وقيل إنها ستجد حلولاً لمشكلات العراق الاقتصادية، تضمنت خفض الدعم المالي للشركات المملوكة للدولة، وكذلك الدعم الحكومي للناتج المحلي الإجمالي، واستيفاء أجور الطاقة الكهربائية "وفق التسعيرة العالمية"، وزيادة أجور الجمارك والضرائب، وإعادة هيكلة سلم الرواتب العامة، من خلال إيقاف عمليات التوظيف والاستبدال الجديدة في القطاع العام.

كما أوصت الورقة بتحديد سقف أعلى لرواتب الموظفين، وتطبيق ضريبة الدخل على مخصصات الموظفين والحوافز والعلاوات وغيرها من الإجراءات، التي تعمل على جباية أموال لموازنات العراق، ولتقليل العجز وإيقاف الهدر في الصرفيات، بعد أن شهدت البلاد أزمة اقتصادية حادة نتيجة انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، جعلته يعجز عن دفع رواتب موظفيه واللجوء إلى الاقتراض.