Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خالد إسماعيل يرصد الواقع المصري المأزوم في رواية "قهوة الصحافة"

في عالم السلطة الرابعة هزائم وخسائر ونار تحت الرماد

الروائي المصري خالد إسماعيل (اندبندنت عربية)

بعد تأميم الصحافة المصرية بداية ستينيات القرن الماضي صارت العلاقة بين هذه المهنة بكل أطيافها والسياسة، أكثر تشابكاً وتعقيداً، ولم يكن الارتباط بينهما ـ حدَّ التدخل المباشر -  خفياً مع تحاشي الإعلان عنه من كلا الطرفين. إلا أن ما يجري خلف أبوابها ظلّ حكراً على أصحاب المهنة، وعالماً مجهولاً لا يعرف منه القارئ إلا ما يراد له عبر صفحاتها، لذا قرر الكاتب خالد إسماعيل في روايته الأحدث "قهوة الصحافة" (دار الأدهم – القاهرة) أن ينزع عن المجهول غموضه ويضيء قنديلاً في الكواليس كاشفاً عن المخبوء من الأسرار.

منذ اللحظة الأولى يتضح التشابه بين الكاتب خالد إسماعيل، وبين الراوي "خلف رضوان"، فكلاهما يتحدّر من الأصول الجنوبية نفسها، وكلاهما درس بكلية الآداب قسم الصحافة بجامعة أسيوط، وكلاهما يعمل بمهنة الصحافة. وعبر هذا التماثل يمرر الكاتب رسالته الضمنية الأولى ويوعز عبرها بأن كل ما ورد في النص من أحداث وما استدعاه من شخوص – مع اختيار أسماء من وحي الخيال - كان حقيقياً وصادقاً، ثم عزز هذه الرسالة باستخدام بعض الأسماء الحقيقية لشيوخ المهنة وكبار الكتاب والشعراء، بالعروج على بعض الأحداث السياسية المفصلية على مدار تاريخ تعاقب خلاله ثلاثة رؤساء على حكم مصر، بداية من عبد الناصر ومروراً بالسادات وانتهاء بمبارك.

قرر الكاتب ألا يسلك تقليدياً في تدفق السرد أو استخدام التقنيات المعهودة التي تنظم الإيقاع الزمني للأحداث ما جعل فصول الرواية التي يحمل كل منها اسم أحد الشخوص؛ تبدو مستقلة عن بعضها بعضاً، منفصلة وغير متواترة، لكن الحقيقة أن كل شخصية كانت تمثل جزءاً أصيلاً من الصورة التي شرع الراوي - باعتباره الوحدة التي تربط بين الشخوص - في جمع أجزائها المتناثرة، لتكتمل اللوحة وتتضح تفاصيلها.

اعتنى الكاتب بإضافة بعض الحمولات المعرفية بين طيات النسيج، بما يتعلق بتطور الصحافة المصرية وانتماءاتها الفكرية والسياسية، مع بعض الومضات التراثية والتاريخية.

بين السريحة والتراحيل

استخدم الكاتب مفردات خاصة للتعبير عن واقع مؤلم للصحافة وبعض من يعملون فيها، فأطلق عليهم "السريحة" و"التراحيل"، والأولى تُطلق في العادة على الباعة الجائلين والثانية على ذوي البطون الجائعة الذي يقضون أعمارهم بين عمل وآخر، من أجل سد جوعهم فحسب. وعلى الرغم من قسوة التشبية فإنه يبدو واقعياً إذ استخدمه للدلالة على الصحافيين الذين يعملون بلا أجر مقابل وعد بالتعيين والإدراج في جداول النقابة، فيضطرون للارتحال إلى مكاتب الصحف العربية يبيعون إنتاجهم ليتقاضوا عنه ما يضمن بقاءهم على قيد الحياة. هي الهزيمة الأولى التي استدعاها الكاتب والتي تتغير عندها منعطفات الشخوص، فبينما لا يتحمل البعض قسوة "الندَّاهة" التي نزحوا لأجلها من أقاليم الجنوب والشمال عائدين إلى مواطنهم، يتلوّن البعض الآخر بالانتهازية والانحطاط بينما يظل قسم "متمثلاً في الراوي" صامداً لا تبدله هزائم وإغراءات، وإن كان الثمن البقاء عمراً على قيد الفقر.

على أعتاب صاحبة الجلالة تتعدد هزائم الوافدين والخسارة واحدة، وقد رصد الكاتب صوراً واقعية منها عبر شخوصه، عندما طالب الراوي بحقوقه المادية نظير ثلاث مقالات منحها لإحدى الصحف ليعرف أن مقالاته نُشرت على سبيل "التبرع" بينما يُعلِن من فرض ذلك - والذي يتلقىط تمويلاً من المنظمات الحقوقية - عن مكآفأة قدرها عشرة آلاف جنيه لمن يعثر على كلبه البلجيكي! ولحسن حظ الراوي أنه تغاضي عن حقه، ليعرف في ما بعد أنه نجا بهذا التغاضي العفوي من بطش رئيس التحرير بعلاقاته الأمنية التي تمكنه من التنكيل بمن يريد، وهي هزيمة أخرى، فالتشابك بالمؤسسة الأمنية جعل من بعضهم مخبرين مثل "بهجت هارون" بينما ألقى بالكثير في غياهب السجون.

حاد الكاتب قليلاً خارج المؤسسة الصحافية باستدعائه نموذج "عاطف مخيمر"، أمين المكتبة الذي كان يشتري المجلات والجرائد من ميزانية التي في المدرسة وفي نهاية اليوم الدراسي يحملها إلي بيته، ليحيل قارئه بذلك إلى جذور الفساد الضاربة في كل مناحي المجتمع عبر عقود طويلة ويُبرز رؤية مفادها أن ما يحدث  داخل المؤسسة الصحافية ما هو إلا امتداد لما يحدث خارجها.

ساق إسماعيل مفارقة أخرى ذات ظلال سياسية باستدعائه شخصية "مصطفى معوّض" النازح إلى العاصمة من قرية أسطال، إذ تعمل عائلته بالقرية في خدمة عائلة المشير عبد الحكيم عامر؛ صانع هزيمة 1967، بوصف الكاتب، ما يشي برؤية ضمنية عن استمرار العبودية حتى في عصر الرجال الذين ثاروا من أجل إنهائها، وتكررت الفكرة في غير موضع من النسيج.

"حطمت ثورة يوليو طبقة الارستقراطية وفتحت الباب للمخلصين لها لدخول قدس أقداس الطبقة البائدة فسكن رجالها ونساؤها الأحياء التي كانت حكراً على حاشية الملك وأصحاب الأطيان والمصانع ومن تبقى من عائلات الشركس والأتراك وأحفاد المماليك" صـ 12-13.

الحضور النسوي وعالم التحولات

لم يتوقف العطب داخل المؤسسة الصحافية عند ضياع الحقوق والانصياع للمؤسسة الأمنية، فقد رصد الكاتب صوراً أخرى من التسلق والوصولية والنفاق، وإطلاق الأكاذيب والإشاعات واستخدام العلاقات والوساطة للحصول على مكاسب غير مستحقة إضافة إلى سرقة الأفكار والمقالات والقوادة وبيع الجسد وغسيل الأموال ليكشف عبرها عن فساد متفش وحروب مستترة ونار تحت الرماد.

ولم يغفل بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية في حقبة سيطرة التيار الديني على جنوب مصر، بينما كان التيار الشيوعي في المقابل متجذراً في محافظات الشمال ومدنه.

جمعت شخوص الرواية سمة واحدة تتعلق بنشأتهم بعيداً عن المدينة، فقد نزحوا جميعاً من أقاليم مختلفة إلى العاصمة؛ سعياً خلف أحلامهم. هي إشارة إلى ما تعانيه الأقاليم من انخفاض مستوى المعيشة وفقر ونقص في الخدمات والاهتمام؛ الأمر الذي أدى إلى تكدس القاهرة بالنازحين، وتضرر الريف والمدينة معاً لا سيما أن أغلب النازحين عادة ما يكونون من غير المتعلمين الذين يعملون، "قهوجية"، ماسحي أحذية، عمال بناء ويرهقون المدينة بمزيد من العشوائيات.

في هذا العالم من المتحولين أمام الهزيمة والإغراء، نالت الشخصيات النسائية نصيبها من التحول باتجاه اللا قيم وإعلاء المصلحة الشخصية والعبور بها فوق جثث المبادئ، كما كنّ كغيرهم من زملائهم بالمهنة من الرجال، يستخدمن علاقاتهنّ للحصول على مالا يستحققنه ولحظهن الأوفر للجمال، غير أن الكاتب لم يضئ أياً من النماذج النسائية كما فعل بالنسبة إلى أبطاله من الرجال. فقد كان الراوي "خلف رضوان" الأكثر صموداً أمام المفاسد والإغراءات وإن لم يجرده من جانبه البشري ولم يخفف من سوءاته، من تعاطي حشيشة الكيف والبانجو والخمور. أمّا الصحافيات في النص فقد وقعن جميعهنّ في فخاخ الخطيئة وإن استأثرت شخصية "سماح يونس" ببعض التعاطف الذي بدا عبر سرد هزائمها ومعاناتها كمعطيات دفعتها إلى ما آلت إليه، وربما كان على الكاتب أن يسمح للأمل بالمرور عبر نموذج نسائي مختلف ولو على سبيل الاستثناء كما فعل بالنسبة إلى الراوي، فالقتامة الخالصة قد تنال من واقعية النص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استدعى الكاتب نصاً شعرياً "سلام يا وطن"، معدداً بذلك الأجناس الأدبية داخل البناء ووظّف قصيدته؛ لا من أجل الدلالة على موهبة الراوي وطبيعته وثقافته فحسب إنما للإشارة إلى أفكاره وأيديولوجيته وانتماءاته السياسية اليسارية التي استمر على ولائه لها في حين تحوّل الجميع، كما استخدم اللغة الفصحى التي تميل إلى التقريرية بما يخدم هدفه بالإيعاز بواقعية النص بينما لجأ إلى العامية البسيطة في مواضع الحوار بما يتناسب مع مقتضى الحال فأنعش السرد وزاد من جاذبيته.

اختار الكاتب نهاية تبرز نتيجة محتومة من التردي لواقع صحافة تحكمها القبضة الأمنية – في حقبة التسعينيات - بينما الراوي يدخن الحشيشة فوق سطح أحد المنازل في أحد أشهر الأحياء المرتبطة بتجارة المخدرات في القاهرة.

المزيد من ثقافة