Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اتفاق باريس للمناخ الضغط على الدول الفقيرة من دون دعم

الدول النامية الأقل تسبباً في الظاهرة هي الأكثر تأثراً بعواقبها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليس الوحيد الذي ينتقد اتفاق باريس للمناخ (أ ف ب / غيتي)

بينما تمر في 12 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، خمس سنوات على توقيع اتفاق باريس للمناخ، الذي انضمت إليه 197 دولة، واصل الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترمب الذي انسحب منه رسمياً في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، انتقاداته إذ يصر على أنه "غير عادل" ويستهدف الإضرار بالاقتصاد الأميركي. 

وقال ترمب في كلمة مطلع الأسبوع الجاري، إن بلاده كانت ستدفع تريليونات الدولارات في حين أن المستفيد هو روسيا والصين، لافتاً إلى أن بكين لن تبدأ بالالتزام بشروط الاتفاق قبل عام 2030 بينما تبدأ الولايات المتحدة وغيرها من الدول بالعمل به على الفور. لكن الرئيس الأميركي ليس الوحيد الذي ينتقد الاتفاق الذي يُعد إنجازاً عالمياً على صعيد مكافحة ظاهرة خطيرة تهدد الأحياء. 

مبادئ أساسية

وضعت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، التي وقعها قادة العالم في قمة الأرض عام 1992، هيكلاً قانونياً عريضاً للتعاون العالمي بشأن مكافحته، وينص على أن الدول المتقدمة ستوفر الدعم المالي وغيره، إضافة إلى أشكال المساعدة الإنمائية الأخرى من خلال ثلاثة مبادئ؛: المبدأ الوقائي، مبدأ الحق في التنمية، ومبدأ الاشتراك في المسؤولية المتباينة وفقاً لقدرات كل بلد.

امتداداً لقمة الأرض، يمكن القول إن إحدى نقاط القوة الرئيسية لاتفاق باريس تتمثل في مشاركته شبه العالمية وقبول المسؤولية؛ إذ يعتبره المراقبون تقدماً مرحباً به للغاية منذ بروتوكول كيوتو لعام 1997، والذي تطلّب فقط إجراءات تخفيف الانبعاثات من عدد محدود من البلدان الصناعية المسؤولة عن الجزء الأكبر منها في العالم. كما يعتبر اتفاق باريس خطوة أكثر تقدماً من اتفاق كوبنهاغن لعام 2009، الذي وُضع من مجموعة صغيرة من الدول، مما ترك معظم البلدان على الهامش.

تستهدف اتفاقية باريس بشكل أساسي إبقاء ارتفاع درجة الحرارة العالمية أقل بكثير من درجتين ومتابعة أفضل الجهود الدولية للحد من الزيادة إلى 1.5 درجة مئوية، وهو يحتاج إلى خطط وطنية واسعة تستلزم إنفاق المليارات على البنية التحتية والصناعات وحتى تغيير العادات اليومية للمجتمعات. 

احتجاج 

بالعودة إلى سنوات التفاوض السابقة لتوقيع اتفاق باريس عام 2015، ففي ديسمبر 2012، قالت كبيرة المفاوضين الفنزويليين كلوديا ساليرنو إن تمويل المناخ في شكله الحالي غير أخلاقي ولا ينبغي استخدامه لفرضه على الدول الفقيرة، محتجة على ربط المساعدات والمنح للدول الفقيرة بالالتزام بسياسات مناخية معينة. ووصفت هذا الأمر بأنه "وجهة نظر استعمارية جديدة للتعاون". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من المفارقات في ما يتعلق بقضية التغير المناخي أن الدول الأقل تسبباً في الظاهرة هي الأكثر تأثراً بعواقبها، وينطبق ذلك بشكل رئيسي على دول الشرق الأوسط والنامية بشكل عام، إذ تتصل الانبعاثات الضارة المسببة للظاهرة بالنشاط الصناعي والدول الصناعية الكبرى، كما أن الظاهرة هي نتاج ممارسات للدول التي حققت تنمية بالفعل على مدار عقود من الزمن.

على سبيل المثال، كشفت دراسة صادرة عن الاتحاد من أجل المتوسط، منظمة تجمع دول البحر المتوسط، في أكتوير (تشرين الأول) 2019، أن هذه المنطقة من العالم الأكثر تأثراً بظاهرة الاحتباس الحراري، كما أنها ثاني أكثر المناطق بعد القطب الشمالي تأثراً، علماً أن الأخير غير مأهول بالسكان بينما منطقة البحر المتوسط يعيش فيها 500 مليون نسمة. وأظهرت أن أحد الآثار المحتملة لذلك، زيادة معدل الفقر المائي فيها  بالإضافة إلى تأثر التنوع البيولوجي وكمية الأسماك. 

 مبدأ الأعباء المتباينة

كشف مصدر دبلوماسي لدى الأمم المتحدة في تصريح خاص، أن المجتمع الدولي يتعامل مع الظاهرة باعتبارها تحدياً دولياً وخطراً داهماً للجميع، لكن الدول النامية دائماً تلجأ إلى مبدأ المسؤولية المشتركة والأعباء المتباينة، وليس من الإنصاف تقاسم أعباءها بشكل متساو، لأن المساهمة في إنتاج الظاهرة لم تكن متساوية، فضلاً عن أن ليست لديها القدرات والطاقات التي تمكنها من التعامل مع آثارها بالقدر ذاته من الفاعلية مثل الدول الصناعية الغنية. 

خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، تم استضافة قمة المناخ حيث شهد جدول الأعمال عدداً من القضايا الأساسية المتعلقة بمعالجة ظاهرة التغير المناخي، بينها قضية "التكيف وبناء المناعة" لدى الدول، وترأست مصر وبريطانيا إدارة هذه القضية باعتبارهما ذات نشاط وانخراط أكبر في هذه القضايا، حيث تولت الأولى المفاوضات بالنيابة عن الدول الأفريقية. ويستهدف نهج "التكيف وبناء المناعة" قدرات الدول النامية، كما لا يقتصر على أساس تعويض الضرر بل منع حدوثه، بمعنى مساعدة الدول في بناء قدراتها وبناء منظومة تقيها عواقب تغير المناخ، وهو ما يحتاج تمويل وبناء قدرات تكنولوجية، وبالتالي تقع المسؤولية على الدول المتقدمة في هذا الصدد.

وفى حين شهدت المؤتمرات السابقة التي أجريت في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ، اتفاقات على تخصيص موارد مالية بقيمة 100 مليار دولار لدعم الدول النامية في مواجهة الظاهرة، لكن بحسب المصدر الدبلوماسي، لم يتم الإيفاء بهذا المبلغ، لأن الدول الصناعية تتبنى وجهة نظر أخرى تقوم على مبدأ المسؤولية الجماعية، بالإضافة إلى السعي لتأجيل التعامل مع جانب التمويل وإحالته على القطاع الخاص. 

استثناء الصين والهند

تعد الصين أكبر مصدر في العالم للانبعاثات الكربونية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، بنحو الربع على مستوى العالم، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي عام 2018. وهي أكبر مستهلك للفحم في العالم، وهو أكثر مصادر الطاقة تلوثاً، ولكنها في المقابل أكبر مستثمر في مصادر الطاقة البديلة. ومع ذلك فوفقاً لاتفاق باريس، فإنها ليست ملزمة بخفض الانبعاثات حتى عام 2030، وهي النقطة التي يعتمد ترمب عليها في انتقاداته للاتفاق. 

تأتي الولايات المتحدة بعد الصين كثاني مصدر للتلوث في العالم، ووفقاً لتعهدها السابق فإنها تعتزم تخفيضه بما بين 26 و28 في المئة بحلول العام 2025 مقارنة بما كان في العام 2005، وهو هدف أعلى من المساهمات الأميركية السابقة، ولكنه أدنى من الأهداف الأوروبية. ففي مارس (آذار) 2015 تقدمت دول الاتحاد الأوروبي بخطة تقضي بتقليص الانبعاثات بما لا يقل عن 40 في المئة بحلول 2030.

بالترتيب، تأتي الهند وروسيا واليابان والبرازيل وإيران وإندونيسيا في المراتب التالية ضمن دول العالم الأكثر مساهمة في الانبعاثات المسببة لظاهرة التغير الحراري. 

وأوضح مراقبون أن تاريخياً، تعد الولايات المتحدة أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فإجمالي تراكماتها بين عامي 1913 و 2013 أكثر من ضعف ما يصدر من الصين وأكثر من 10 أضعاف من الهند. بينما في المستويات الحالية، تعد بكين أكبر ملوث، إلا أن مستويات الانبعاثات للفرد الواحد تقدم قصة مختلفة تماماً؛ فوفقاً لأحدث بيانات البنك الدولي، تظهر مقارنة نصيب الفرد من انبعاثات الكربون أن الولايات المتحدة (16.4 طن متري من ثاني أكسيد الكربون) تقترب من ضعف مثيلتها مجتمعة لدى الهند (1.7) والصين (7.6). 

يجادل المدافعون عن اتفاق باريس، بأن الفجوة في التنمية هي السبب الذي جعل الهند والصين تستفيدان من فترات أطول للسماح للاقتصادات بالنضوج أولاً ثم الانتقال بشكل أكبر نحو الطاقة النظيفة. كما أن الصين أعربت قبل خمس سنوات عن نيتها تخفيض انبعاثاتها بنسبة تراوح بين 60 و65 في المئة بحلول العام 2030 مقارنة بما كانت عليه في العام 2005.

المزيد من تقارير