Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر الروسي ألكسندر بلوك أيد الثورة ولم يلق الصدى المفترض

رحل في ظروف مأساوية وتراثه بين الصوفية وما وراء الواقع وروسيا تحتفل بذكرى ميلاده

الشاعر ألكسندر بلوك تحتفل روسيا بذكرى ميلاده (غيتي)

لم يكن بلغ الرابعة عشرة حين أصدر مجلته الخاصة. أودعها ترجماته وما جادت به قريحته من قصص ورسوم وإعلانات ورسوم كاريكاتيرية ساخرة. بداية واعدة لمراهق في سنه. خطوط المجلة يدوية تنم عن ذوق جميل وقدرات متميزة، فيما المضمون يقول ما يتحلى به الكاتب من موهبة الدعابة والسخرية. ولم تكن الأم بعيدة عن وليدها المبدع. لم تفارق موقعها إلى جواره، تشحذ الهمة وتدعم الموهبة وتصحح المسيرة، هي التي نشأت في أوساط مشهود لها بالرفعة والرقي والتعليم المتميز.

هو ألكسندر بلوك الذي ولد في سان بطرسبورغ في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1880 من أب ينتمي إلى طبقة النبلاء يعمل رئيساً لقسم القانون في جامعة وارسو، وأم ولدت من أب يدعى أندريه بيكيتوف كان رئيساً لجامعة سان بطرسبورج.

ومن الطريف في صدد هذه الأسرة المتفردة شكلاً ومضموناً، أن الأب والأم والإبن يحملون جميعهم اسم ألكسندر، وإن كان اسم الأم يتصل بالزائدة "الألف" نسبة إلى المؤنث، ربما تيمناً باسم القيصر ألكسندر، في وقت يعرف الكثيرون دلالته ومنها ما يعني القوة بالنسبة إلى الرجل ونبل الخلق والقدرة على الذود عن الآخرين.

حياته كانت مليئة بالتناقضات والمتناقضات. حملته أمه معها إلى إيطاليا، ولم يكن تجاوز الثالثة من العمر، بعد إعلانها الرغبة في انفصالها عن أبيه. عاش طفولة ملؤها القلق والتوتر، على ضوء ما عانته الأم من تشدد المجمع الكنسي ورفض قبول الاعتراف برغبة الوالدين في الطلاق.

وما إن صدر القرار بالاعتراف وكان في التاسعة، حتى اتخذت الأم قرارها بالزواج من ضابط بالحرس الإمبراطوري يدعى فرانس كوبليتسكي قطوباً متجهماً على الدوام. ومعه قررت العودة إلى سان بطرسبورغ، وفي جامعتها، بداية في كلية الحقوق وحتى تحوله إلى كلية التاريخ والآداب، تلقى ألكسندر بلوك تعليمه ليتخرج من قسم اللغات الروسية والسلافية عام 1906.

دواوين شعرية

لم يكن ألكسندر بلوك ليعيش في مثل هذه المدينة التي طالما حملت وتحمل اسم العاصمة الثقافية للإمبراطورية الروسية، وللاتحاد السوفياتي ولروسيا الاتحادية في ما بعد، من دون الاقتراب من الحلقات الفكرية والمنتديات الأدبية والتجمعات الثورية التي كانت وتظل المدينة تعج بها.

من هنا كان تعارفه مع الكثيرين من أبرز روادها، ممن كانوا ينتسبون إلى التيار الرمزي في الشعر والأدب، منهم زينائيدا جيبيوس من سان بطرسبورغ وأندريه بيلي وفاليري بريوسوف من موسكو. كان ذلك مقدمة لظهور أشعار بلوك على صفحات مجلة "الطريق الجديد"، إلى جانب قصائده التي نشرها في مجلة "زهور الشمال"، منها "أشعار حول السيدة الرائعة"، فضلاً عما نظمه من أشعار وترجمات ومسرحيات غنائية.

من هذه القصائد ما كتبه في عام 1907 في سان بطرسبورغ - قبل تحولها إلى أحد اسمائها القديمة "بتروغراد" (نسبة إلى بطرس الأعظم باني المدينة ومؤسسها عام 1703) في عام 1924 - مثل "فرحة غير متوقعة"، وفي موسكو مثل "القناع الثلجي"، وديوان "الأرض المكسوة بالثلوج" الذي كتب قصائده عام 1908، إلى جانب دواوينه الشعرية ومنها "المرأة المجهولة"، و"الملك في الميدان".

وذلك كله لم يكن سوى مقدمة لما عاد وتناوله خلال رحلته إلى إيطاليا في عام 1909 التي يعدها الكثيرون من الباحثين "فترة إعادة تقدير القيم والمعايير"، وهو ما تجلى في ديوانه "قصائد إيطالية"، والذي كان مقدمة لأخرى كثيرة ومنها المسرحية الشعرية "الزهرة والصليب"، و"ساعات الليل".  

 

ظهرت الميول الثورية مبكراً لدى ألكسندر بلوك، فيما تشكل وعيه ونضجه على نحو أكثر قوة ووضوحاً على وقع ما مُنِيَت به الإمبراطورية الروسية من هزائم في حربها مع اليابان في 1905-1907، والتي كشفت أحداثها وتفاصيلها عن طبيعة الكارثة وأبعادها، وساهمت في رؤيته للحياة والعالم. كان شديد التأثر بما حاق بالوطن من مصائب وآلام. ما انعكس على أشعاره في مدى نضج تجاربه وازدهار مواهبه.

ذاع صيته وتجاوزت شهرته حدود الزمان والمكان، لا سيما بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) التي كان تأييده لها جارفاً، للحد الذي أعلن فيه استعداده للتعاون مع قياداتها من البلاشفة، ونقلوا عنه إجابته عن أسئلة أحد استطلاعات الرأي حول الاستعداد للتعاون معهم، بلغت في غُلُوِها قوله "إن مثل هذا التعاون واجب على كل مواطن".

مذكرات وقطيعة

وقد تجلى ذلك في قصيدته "12" (1918) الأولى عن ثورة أكتوبر التي ما أن فرغ من نظمها حتى قفز صائحاً "اليوم أنا عبقري" وهو ما سجله في مذكراته. ومع ذلك فقد كانت هذه القصيدة سبباً في القطيعة مع عدد من أصدقائه من الشعراء الرمزيين، ممن اتهموه بالارتماء في أحضان الثورة، ومنهم الشاعرة زينائيدا جيبيوس التي وصفته بـ "الابن الضال" الذي خسر روحه وأسلم نفسه للشيطان".

ويقولون أيضاً إنها كانت حدثاً محورياً غَيًر الكثير من مفاهيم ومصائر معاصريه من الشعراء ومنهم نيكولاي غوميليوف وآنا أخماتوفا (أحمدوفا) وبوريس باسترناك وآخرون.

وقد عكست هذه القصيدة برموزها من الجنود "الإثني عشر" وما ارتكبوه من آثام أو اقترفوه من أفعال جسام، بحسب ما يتراءى لقارئها التي لا يمكن فهم أبعاد مضامينها في غير سياق تيار الرمزية بما تجمعه بين ثناياها وسطورها من متناقضات يصعب معها تأكيد ما إذا كان المرء ضد الثورة أو مؤيداً أفكارها.

فهي تجمع بين الشيء ونقيضه، بين السيد المسيح وثورة أكتوبر، ومدى تقبل المسيح بوصفه المنقذ والمخلص، فيما يحار المرء معها أمام اعتبار بتروغراد مدينة الثورة ورموزها، أو وكراً لقطاع الطرق والمجرمين من خلال قصة أبطالها عدد من جنود الثورة الذين أشار إليهم من خلال الرقم 12 ممن كانوا يجوبون شوارع المدينة، هدوءاً تارة، وصخباً وعربدة بلغت حد قتل إحدى فتيات الهوى، تارة أخرى.

ذلك ما كان يريده بلوك ويبتغيه بحسب تقدير نقاد كثيرين، وإن نقلوا عنه ما قاله حول هذه القصيدة التي حرص في نهاية حياته على إتلاف - وتمزيق وإحراق - ما بقي لديه من نسخها في أعقاب ليلة داهمته خلالها كوابيس كثيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا خلص النقاد إلى أن بلوك تعثر كثيراً خلال رحلة البحث والمعاناة، سعياً وراء فهم أعمق للواقع العملي وليس الافتراضي، وتجاوز ما يفصل الفنان والمثقف من هوة عن بقية مواطني بلاده من المتعطشين للحرية والعدالة وغيرهما من أسمى القيم الإنسانية.

وبهذه المناسبة يقول الكثيرون من معاصريه إنه ارتبط بهذه المدينة، وما كانت تموج به من منتديات ولقاءات وأحداث غيرت وجه العالم، وأفرط في حبها إلى أبعد مدى من أبنائها أو من الشعراء والأدباء من معاصريه، وهو ما يتبدى في الكثير من أشعاره وقصائده.

غير أن الأهم يظل في ذلك الحب الجارف لثورة أكتوبر والتي اعتبرها "شعلة عالمية لا يمكن أن يخبو لها وهج أو ضوء"، بل من المستحيل أن تطفأ نيرانها قبل الانتهاء من تطهير العالم القديم، مؤكداً ما وصفه بالمبادئ العقلانية والإبداعية لها وما تحتويه برامجها من مفردات بناء الاشتراكية الحقيقية.   

حظيت أعمال ألكسندر باهتمام الكثيرين من الأدباء والمترجمين العرب ممن قُيٍضَ لهم الدراسة والإقامة في موسكو ومنهم حسب الشيخ جعفر الأديب العراقي والمترجم الذي درس وعاش في موسكو وقد قال عن بلوك إنه "شاعر الروح المتعطش إلى الوجود الإنساني المتكامل، والباحث الدؤوب عن الجماليات الغريبة في عصره العاتي، عصر الألم والتحولات"، فيما لم يترك أي من هؤلاء ما يليق بمكانة ذلك الأديب، عدا بعض المختارات التي صاغها في أسلوب شاعري متميز أبو بكر يوسف حسين في كتابه الصادر في سبعينيات القرن الماضي عن "دار التقدم" تحت عنوان "مختارات من أشعار ألكسندر بلوك".

ذلك هو ألكسندر بلوك أحد أهم أقطاب المدرسة الرمزية وشاعر الثورة الذي رحل في أغسطس 1921 (آب) في بتروغراد (وهي ذاتها سان بطرسبورغ قبل أن يتحول اسمها إلى لينينغراد عام 1924) بعد سلسلة من الأزمات النفسية، وما أصابه من هذيان وأمراض لم يعرف لها الأطباء علاجاً، ولم يكن تجاوز الحادية والأربعين، تاركاً بعده تراثاً خالداً مشحوناً- وعلى حد تعبير بعض نقاده - "بعالم صوفي يفض مكنون عالم ما وراء الواقع". وهو ما كان محور الكثير من مضامين الاحتفالات التي جرت خلال الأيام القليلة الماضية في العديد من المدن الروسية احتفالاً بذكرى ميلاده الأربعين بعد المئة.  

المزيد من ثقافة