لماذا قرر حفتر هذا التوقيت لحملته على طرابلس؟

الجيش لم يتدخل سابقاً في الشأن السياسي المتعلق بقرارات الأطراف السياسية الموجودة في الشرق

خليفة حفتر اثناء زيارة سابقة الى موسكو التي تدعم حملته العسكرية (أ.ف.ب)

تزامنت حملة المشير خليفة حفتر نحو طرابلس، بحراك دولي متسارع قبل حملته العسكرية الجديدة وبعدها، ولا يمكن لقارئ المشهد الليبي الفصل بينهما، لاسيما والرجل خبِر مواقف المجتمع الدولي، خلال دوره في حسم الموقف عسكرياً في السنوات الماضية، في مناطق شديدة التوتر شرق البلاد وغربها، ما أكسبه حنكة سياسية، ومعرفة بالتأثيرات الدولية في الملف الليبي، وتالياً لا يمكن تفسير خطوته من واقع الظروف المحلية فقط.

وشهدت كواليس الجلسة المغلقة التي عقدها مجلس الأمن، الجمعة الماضية، شداً وجذباً، واختلافات في الرأي بين الفاعلين الدوليين، انتهت الى رفض الصيغة التي اقترحتها بريطانيا لبيان المجلس النهائي، وتعديلها لتشمل طلب المجتمع "كل الاطراف بوقف التصعيد"، بدلاً من حصر الطلب بقوات الجيش ما يعني ضرورة سحب المشير لقواته من العاصمة وحولها ووقف عمليته. وكل هذا يؤشر الى تبدل طرأ على المزاج الدولي بشأن الأزمة المتصاعدة لدرجة الانفلات. وظهرت مواقف جديدة وصلت هذه المرة لغرف القرارات الدولية، ما يعني بروز مسارات دولية تشجع على ضرورة انهاء العبث والفوضى، خصوصاً في طرابلس، العين التي ينظر منها المجتمع الدولي الى أزمة بكل اثقالها وتشعباتها بخاصة ملفي الهجرة غير الشرعية والارهاب.

الجيش والسياسة

ويبدو أن المشير نجح في توجيه رسالة ضمنية لتلك الدول التي تشدد على الحل العسكري وتقديم الحل السياسي. فالمتحدث الرسمي باسم القيادة العامة للجيش، احمد المسماري اعتبر عدم وجود علاقة "بين المعركة الحالية والحراك السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة"، ما يؤشر الى راحة دولية حيال هدف الجيش المعلن بالحرب على الارهاب فقط. وان النية لا تتجه الى إطاحة الجهود الرامية لإحلال السلام في البلاد. وخصوصاً ان الجيش لم يتدخل سابقاً في الشأن السياسي المتعلق بقرارات ومواقف الأجسام السياسية الموجود في الشرق، كمجلس النواب والحكومة، او يعمل على تجميدهما رغم سيطرته الكاملة هناك.

حملة المشير على طرابلس لم تتوقف عند المتغيرات المحلية، بل جاء توقيتها بعد الإخفاق الدولي الواضح في وضع حلول للأزمة سواء من خلال اتفاق الصخيرات، أو من بعده لقاءات باريس وباليرمو، التي تجلت فيهما مستوى المناكفة السياسية بين روما وباريس، المتنافستان على بلد تعتبرانه فضاءً استراتيجياً لمصالحهما على أساس حق تاريخي مزعوم.

والفشل الدولي تزامن مع إخفاق دول الجوار الليبي، عبر المبادرة الثلاثية العربية التي كانت بوادر فشلها واضحة. ففيما كانت تقترح تلك الدول مقاربة سياسية لدعم الجهود الأممية، جاءت تصريحات مسؤوليها مثقلة بالشكوى، من مخاوف تسلل مقاتلين متطرفين عبر الحدود الليبية المفتوحة اليها. والموقف الجزائري، المنشغل بهمه الداخلي، أسهم في الحد من تأثير دول الجوار الليبي، معطوفاً على الفوضى التي تعيشها السودان في الوقت الراهن.

المتغيرات العربية

 لكن المتغير الأهم في ما يبدو هو نجاح محور عربي، ممثلاً بالسعودية والامارات ومصر والبحرين في تقليص الدور القطري الداعم للمجموعات السياسية والمسلحة المعارضة للجيش الليبي في محاربة الإرهاب. ومعارضة موسكو أي قرار دولي بوقف عمليات الجيش، بل وتأكيدها على ان "الجيش يحارب ميليشيات في طرابلس". وتأتي هذه المتغيرات مع تراجع أميركي عن المواقف السابقة الداعمة لحكومة الوفاق، وإجلاء قوات "الأفريكوم" لجنودها وموظفيها من طرابلس. كل ما سبق يصب في اتجاه خلق ظروف دولية جديدة، قد تساعد الجيش الوطني على انجاز مهمته. فكثير من مراقبي الشأن في ليبيا يؤكدون أن إطلاق الحملة للسيطرة على طرابلس، ووصول طلائع قوات حفتر الى مشارف طرابلس الجنوبية، كان بمثابة جس النبض. فالرجل لم يدفع حتى الآن بكل قواته التي لا يزال المئات منها يعسكر في مرتفعات الأصابعة، وفي قواعد الجفرة والوطية غير البعيدة من العاصمة.

وحتى الأمم المتحدة باتت على اقتناع بأن حفتر أصبح العامل الأقوى والأكثر تأثيراً في اتجاهات حل الأزمة. وجاءت زيارة أنطونيو غوتيريش لحفتر، وبالتحديد الى الرجمة، القاعدة العسكرية التي تحتل رمزية كبيرة، لتكرس الاعتراف الاممي بدوره المتصاعد.

المزيد من العالم العربي