Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شهادتي من واشنطن

30 عاماً من السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط

ضرب بن لادن نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2011، وتغير التاريخ المعاصر (رويترز)

في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 1990 حطت طائرة "Air rance" آتية من باريس، في مطار ميامي، فلوريدا، وخرجت منها لأبدأ حياتي الجديدة كأميركي، لـ 30 عاماً، أتيت مهاجراً من وطني الأم لبنان، بعدما اخترت ما اعتبرته الحرية الكاملة، التي اختفت تدريجاً في موطن الولادة، من الحدود إلى البحر، وكانت آخر مراحلها، الاجتياح العسكري من النظام السوري لأخر بقعة حرة التي كانت تحت حماية الجيش اللبناني في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990، وأقفلت بذلك اليوم فصلاً من حياتي الشابة وفتحت آخر في وطني الجديد، الولايات المتحدة، وباتت حياتي، إذ أحتفل هذا الأسبوع بالذكرى السنوية الـ 30 لبدايتها، أطول من حياتي في الوطن الأم.

وكان مقدراً لي أن أنخرط في الحياة العامة الفكرية والسياسية لثلاثة عقود، أولاً، عبر رحلة أكاديمية طويلة في التعليم الجامعي لـ 27 عاماً، من فلوريدا إلى واشنطن، وثانياً عبر تأليف كتب وأبحاث وكتابة مقالات عديدة، حول السياسات الدولية والشرق أوسطية، وقد قرأها سياسيون، ونواب، وقادة أمن وعسكريون كبار، وثالثاً، عبر مشاركتي المكثفة في الإعلام الأميركي لعقود، خصوصاً منذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لا سيما على شاشة "فوكس نيوز" المؤثرة في جزء من الرأي العام الأميركي التقليدي.

إلا أن أهم رحلة لي في الـ 30 سنة الماضية كانت من دون شك، خدمتي العامة كخبير وبعد ذلك كمستشار في الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية، لعدد كبير من المسؤولين الحكوميين، وأعضاء الكونغرس ومرشحي الرئاسة، وبدأت هذه الرحلة منذ شهادتي الأولى لمجلس الشيوخ عن الشرق الأوسط في 1997 حتى خدمتي ككبير المستشارين للأمن القومي للمرشح الرئاسي ميت رومني في 2011، وكأول مستشار للشؤون الخارجية لدونالد ترمب في 2016، هذه المسيرة المهنية الطويلة في إطار نقاش الأمن القومي الأميركي، وهي مشاركة شخصية صغيرة في بحر العاملين في هذا الإطار، أكانوا مولودين في أميركا أم هاجروا إليها، وتأثيرهم في المؤسسات الكبرى والسياسات الخارجية، قد سمحت لي بأن أراقب التحولات الكبرى لها تجاه الشرق الأوسط لعقود ثلاثة. وهذه خلاصات كبرى لهذه المراقبة الاستراتيجية:

نهاية السوفيات

عندما بدأ الاتحاد السوفياتي يتهاوى في 1989 تغيرت معادلات الشرق الأوسط، فضعُفت الأنظمة الحليفة لموسكو، كليبيا، واليمن الجنوبي، وغيّر بعضها الآخر اتجاهاته كالجزائر والسودان، وقام حليفان مباشران للسوفيات بإعادة تموضع دراماتيكي. فوثب صدام حسين وثبته الخطيرة على الكويت ولم يدعمه الاتحاد السوفياتي، وخسر حرباً في 1991 قادت إلى حرب إنهاء نظامه في 2003. الحليف الآخر لموسكو، حافظ الأسد ناور بشكل أفضل، فقدم خدمة لواشنطن والعرب بالمشاركة في تطويق صدام الهائج، وبالمقابل، حصل على لبنان هدية ثمينة. عندها قررت أن أهاجر البلد الصغير لألتحق بالبلد الكبير، وكانت قوات التحالف تدكّ الحرس الجمهوري وتحرر الكويت، بعد ثلاثة أشهر من إقدام قوات الأسد على دكّ الجيش اللبناني واحتلال بلاد الأرز. هذا التغيير الكبير في بداية التسعينيات تبعه تغيير آخر عبر قمة مدريد وتوسيع اتفاق كامب ديفيد ليشمل الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، بالإضافة إلى مصر. حصل ذلك في غياب الاتحاد السوفياتي الذي انتهى، وشعرت أميركا، جمهوريين وديموقراطيين، بأن واشنطن باتت القوة العظمى الوحيدة في العالم، إلا أن أخطاراً عدة كانت تتعاظم خلال عهد كلينتون.

إيران بعد الحرب البارة

أولاً، سارعت إيران بعد سقوط السوفيات لمحاولة احتلال مكانهم في "مواجهة أميركا والغرب وحلفائهم" والتمدد في المنطقة. ولقد أطلقت إنذاراً في أميركا حول "التهديد الجديد الأول" في الشرق الأوسط في مقال أكاديمي في مجلة "غلوبال أفيرز"Global Affairs  في 1992،  وحذرت من المحور الإيراني السوري و "حزب الله" قبل 28 عاماً، إلا أن إدارة كلنتون لم تهتم للموضوع لسنوات ثماني موفرة لهذا المحور قدرة في اقتحام العراق بعد الاجتياح الأميركي.

الإسلاميون ينتقلون إلى التكفيرية

حذرت بشدة، مع مجموعة من الباحثين في أميركا من تحويل "المجاهدين" في أفغانستان والمنطقة إلى تكفيريين، بعد قمم الخرطوم في 1991-1992، ومن أن الإخوان الذين دعمناهم كأميركيين وعرب خلال الحرب الباردة ضد الشيوعية، هم أيضاً كالخمينيين، قد غيّروا هدفهم وحولوه إلى إقامة خلافة على نمطهم عبر إسقاط الحكومات العربية، وإخراج أميركا من المنطقة، وحذرنا من "القاعدة" منذ منتصف التسعينيات، ومن هدفها بضرب الأراضي القومية. إلا أن إدارة كلنتون لم تعبأ ضد إيران أو التكفيريين بما فيه الكفاية، ولم تنتبه واشنطن في التسعينيات لتوجه إحدى شريكاتها العربية لإطلاق إعلام راديكالي ينشر الفكر المتطرف، وتمويل حركة إسلاموية شمولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جورج بوش

ضرب بن لادن نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2011، وتغير التاريخ المعاصر، وهرع الغرب وأميركا إلى الرد في أفغانستان، والاستماع أكثر إلى خبراء حذروا من التحولات في العقد السابق، فباتت هناك فرص أكبر لتحرك المارد الأميركي للجم القوى الراديكالية من إسلامويين مسلحين وبرعم المحور الإيراني السوري المتنامي، وكانت إدارة جورج بوش قد شنت ما سمي "الحرب على الإرهاب"، فقامت بحملات كبرى، مكلفة ومتلاحقة، ضدّ ما سمته "محور الشر"، وقد دعمتها دول الاعتدال في المنطقة، من مصر إلى السعودية وغيرها. إلا أن نخبة بوش من "المحافظين الجدد" وإن نجحوا في تغيير بوصلة الولايات المتحدة من التقاعس تحت كلينتون إلى الاندفاع، لم يفلحوا في شنّ "حرب الأفكار" وحسمها ضد محاور التطرف في المنطقة، والذي لاحظناه منذ ما بعد 11 سبتمبر، أن محاور إيران والإخوان كانت قد استفادت من ثماني سنوات لكلينتون لكي يحفروا "خنادق سياسية" عميقة في واشنطن وعواصم غربية أخرى، ونشرنا كتباً عدة بين العامين 2005 و2014 محذرين من أن المتطرفين ينتشرون بشكل أوسع ما لم يُقمِ الغرب حلفاً مع قوى الاعتدال، دولاً وشعوباً.

نجح بوش بإسقاط الطالبان في أفغانستان، وإسقاط صدام والتصدي لعودة "القاعدة" في العراق، وإخراج نظام الأسد من لبنان، وتطويع القذافي، وتحذير إيران، والتنسيق مع عرب الاعتدال، إلا أن المحافظين الجدد استعملوا قوة أميركا الخارقة في التقدم على المحاور، ولكنهم فشلوا في تحويل هذا التقدم إلى تغيير جيو سياسي فعلي، وحذرت من ذلك في كتاب "المواجهة"The Confrontation  في 2008، الذي طرحت فيه مبدأ الاتكال على التحالفات الإقليمية القادرة على إنتاج التحولات المجتمعية الضرورية للحسم الجيو سياسي باتجاه الاعتدال والسلام. وقد أخطأ "المحافظون الجدد" على محاور عدة، على الرغم من أنهم رصدوا الأخطار الجدية في المنطقة كإيران و"الإسلامويين"، فإدارة بوش سيطرت عسكرياً على الساحات لكنها فشلت في إشراك تحالفات إقليمية معها في أفغانستان والعراق، ولم تستمر في مواجهتها مع المحور الإيراني في المنطقة بل ركدت وركزت على مشاريع إعادة إعمار في العراق، وأحسنت في الضغط على الأسد للخروج من لبنان على أساس القرار 1559 الذي عملنا عليه في واشنطن، لكنها تركت "حزب الله" يسيطر بعد انسحاب الجيش السوري.

بدأت إدارة بوش بإعلانات كبرى حول التصدي للمتطرفين بعد 11 سبتمبر، لكن أجهزة الإعلام والتوجيه في الدولة امتنعت عن مواجهة الإيديولوجيات المتطرفة تحت تأثير الأكاديميين والمستشارين الثقافيين، وتبين لنا ولأعضاء الكونغرس المعنيين بالأمر أن تأثيراً خارجياً كان وراء تعطيل "الحرب الفكرية" مع المتطرفين، وهو بمعظمه من اللوبيات الإيرانية والإخوانية التي تعاونت مع أقصى اليسار، وقد استفادت من ثماني سنوات من عهد كلينتون، لذا بتقديري، فشل بوش بالانتصار الاستراتيجي، ممهداً لوصول باراك حسين أوباما إلى السلطة في 2008، وتغيرت سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط مرة أخرى، وذهبت باتجاه أخطر من كلينتون، نحو هزّات ما سُمي "الربيع العربي".

أوباما

 في يونيو (حزيران) 2009، وجه الرئيس أوباما رسالة إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي فاتحاً طريق الشراكة مع طهران التي سوف تنتهي بالاتفاق النووي في 2015، كما خطب في جامعة القاهرة متوجهاً بشكل غير مباشر إلى الإخوان المسلمين فاتحاً شراكة أخرى مع "الإسلامويين"، فنشرت كتاباً في 2010 تحت عنوان "الثورة الآتيةThe Coming Revolution " الذي تنبأ بانتفاضات مدنية ضد الاستبداد لا سيما ضدّ الراديكاليين، وتفجرت ثورات "الربيع العربي"، فوقفت أدارة أوباما مع الإخوان عملياً من تونس، إلى ليبيا، فمصر، وغيرها. وبسبب الاتفاق النووي امتنعت إدارته عن مساندة الشعوب الرازحة في "المستعمرات الإيرانية" كي لا تتعكر معادلة الاتفاق. وبات واضحاً لنا أن هذا الاتفاق لم يكن فقط مسألة تجميد السلاح النووي بل صفقة مالية هائلة بدأت بـ 150 مليار دولار، وتنتهي بصفقات مماثلة تجارية واستثمارية بين المحور الإيراني ومصالح أوروبية وأميركية ودولية، لهذا لم تنفع معارضة الكونغرس الاتفاق، ولم تتم استشارة الحلفاء في المنطقة.

وحذرنا في كتاب جديد في 2014 بعنوان "الربيع المفقود"The Lost Spring من أن الاتفاق الآتي مع إيران سيكون كارثياً من ناحية، وأن قوة تكفيرية جديدة ستنقض على العراق وسوريا بعد انتشار الميليشيات الإيرانية، وبالضبط، هذا ما حصل في صيف 2014 مع استيلاء "داعش" على أجزاء واسعة من "الهلال الخصيب" وانطلاق حملة أميركية ثانية لمحاربة الإرهاب في المنطقة، لكن ذلك لم يجمد الاتفاق النووي، الذي وُقّع في 2015.

على جبهة شمال أفريقيا، تصادمت القوى الإخوانية بالقوى القومية والليبرالية، فسقط نظام مرسي في مصر، ودخلت تونس في مواجهة لسنوات بين النهضة والمجتمع المدني، وانقسمت ليبيا بين الجيش الوطني الليبي والميلشيات الإسلاموية، أما في اليمن، فانفجرت حرب بين الحوثيين والشرعية المدعومة من الجنوبيين، لكن ميليشيات الإصلاح الإخوانية سرعان ما استفادت من الوضع لتنتشر، وكان التوتر بين قطر وتركيا من ناحية والإمارات ومصر والسعودية من ناحية أخرى قد تصاعد.

في الخلاصة، سياسة أوباما، المتعاونة مع الإسلامويين والتكفيريين، والخمينيين، كانت تدفع المنطقة تدريجاً باتجاه المحاور المتشددة بعكس ما كان يريده الكونغرس.

ترمب

أتى ترمب وغيّر سياسة أوباما كما غيّر بوش سياسة كلينتون، تقليدياً، لا سيما خلال الحرب الباردة، كانت العهود تأتي إلى البيت الأبيض وتذهب، وملفات الأمن القومي تبقى بمعظمها مستمرة، إلا أنه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، بدأت هذه الملفات تتغير مع الرؤساء، وأهم تلك الملفات إيران و"الإسلامويين"، ورأينا كيف كلينتون غيّر سياسة بوش الأب، وبوش الابن غيّرها من جديد، وجاء أوباما وعكسها جذرياً، وأتى ترمب وألغى الاتفاق النووي وشن حرباً، ولو غير مكتملة على التكفيريين، وإن دخل بايدن المكتب البيضاوي، سيعود إلى سياسة أوباما، وهكذا دواليك. وخلال عملي كمستشار لمرشحين رئاسيين خلال خمس سنوات، أدركت أن السبب الأساسي لهذا التذبذب تجاه الشرق الأوسط بين اتجاهين لثلاثة عقود، هو حلول قوتين جديدتين في الساحة مكان الاتحاد السوفياتي، وهي قوى لا تعرفها جيداً مراكز القرار في واشنطن، فإدارتا كلينتون وأوباما اعتبرتها شريكة يمكن العمل معها، وإدارتا بوش وترمب لم تعرفا التعاطي معها استراتيجياً.

على الرغم من أن البيت الأبيض بإدارة ترمب قد ضغط على إيران بأقسى ما يمكن بالنظر إلى معارضته الداخلية، يبقى أن هذا الضغط لم يصل إلى حد الاستفادة من الحالة الشعبية المتفجرة في الداخل، وعلى الرغم من أن الرئيس نفسه قد دفع بالعالم العربي والإسلامي خلال قمة الرياض إلى مواجهة التكفيريين والمتطرفين، وقامت القوات الأميركية بتفكيك "داعش" جغرافياً في العراق وسوريا، فهذه الإدارة لم تحسم قرارها حيال الميليشيات الإخوانية في المنطقة ككل، والبعض تكهّن بأن الفترة الرئاسية الثانية كانت لتحسم هاتين المسألتين، ممكن جداً، ولكن الوضع الرئاسي الآن انتقل إلى احتمال بايدن، و لو أن ترمب لا يزال يقاتل لعودته.

سنرى ما ستخبئه 2021 لنا في أميركا، وللشرق الأوسط والعالم، ولكنني رافقت كغيري من العاملين في هذا المضمار، 30 سنة من تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، تجاه الشرق الأوسط، فهمنا جذورها، رافقنا تطورها، تعاطينا مع بعض صانعي قراراتها، والآن ننتظر مستقبلها المهرول باتجاهنا. فهل حان وقت الكتابة والتأريخ يا ترى؟

المزيد من آراء