Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رفعت سلام حقق حلم الشاعر الشامل إبداعا وترجمة

أحد رواد جيل السبعينيات في مصر تفرد بمشروع شعري حداثي

الشاعر والمترجم المصري رفعت سلام الراحل عن 69 عاماً (صفحة الشاعر على فيسبوك)

لا شك فى أن رحيل الشاعر الكبير رفعت سلام يعد خسارة كبيرة لشعر الحداثة العربية التى كان سلام أحد فرسانها البارزين منذ منتصف السبعينيات حتى لحظة رحيله. فهو تعاون مع بعض مجايليه فى إصدار المجلة الشعرية الطليعية "إضاءة 77" ولعل اختيار هذا العام تحديداً ـ 1977 ـ ما يدل على البعد الاجتماعى الذى اهتم به هؤلاء الشعراء فى مواجهة الانقلاب على توجهات "ثورة يوليو" وما صاحبه من تجريف الثقافة المصرية. غير أن رفعت سلام بتمرده الجمالي والفكري الأكثر جذرية، لم يجد فى "إضاءة" ما يحقق طموحه فانفصل عنها مؤسساً مجلة "كتابات" التي أصدر منها ثمانية أعداد. والجدير بالذكر أن مصطلح "جيل السبعينيات" قد ظهر للمرة الأولى على صفحات هذه المجلة، هذا المصطلح الذى استعاره البعض ورفضة آخرون حتى اكتسب سيادته واستمراره.

الشاعر مترجماً

والحقيقة أن سلام لم يكن شاعراً كبيراً فحسب بل مترجماً مهماً وناقداً أدبياً ومفكراً، وقد تجلى ذلك فى اهتمامه بترجمة عيون الشعر العالمي التي لم تكن عشوائية، بل خضعت لمشروع حداثي عمل على تأسيسه شعراً وترجمة ونقداً. ويظهر ذلك من ترجمته للأعمال الكاملة لبودلير رائد الحداثة الشعرية الفرنسية، ورامبو الذي وصلت معه الحداثة إلى ذروة واضحة، ووالت ويتمان رائد الحداثة الشعرية الأميركية، وريتسوس الذى ترك أثراً واضحاً على العديد من شعراء العربية، والأمر نفسه ينطبق على كفافيس، إضافة إلى ترجماته المبدعة لبوشكين وماياكوفسكي وليرمونتوف. ومن اللافت اهتمامه بترجمة ما هو شبه مجهول للقارئ العربي مثل ترجمته لقصائد من كرواتيا. ولم تقتصر ترجماته على الشعر بل امتدت إلى الدراسات النقدية، ومن ذلك ترجمته لكتاب "الإبداع القصصي عند يوسف إدريس" لكوبر شويك، ومراجعته وتقديمه لكتاب "قصيدة النثر من بودلير حتى الآن" لسوزان برنار.

على الرغم مما قيل كثيراً عن مغامرات رفعت سلام الشعرية وتجريبه المستمر وجرأته، فقد ظل متهيباً إصدار ديوانه الأول "وردة الفوضى الجميلة" الذي أصدره عام 1987، ثم توالت أعماله وصولاً إلى "أرعى الشياه على المياه" عام 2018، ويمكن القول إن وصف الناقد عز الدين إسماعيل لمشروعه الشعري إجمالاً بأنه تمرد على الأجيال السابقة وامتداد لهم فى الوقت نفسه، ينطبق على علاقة دواوينه بعضها ببعض بحيث يمثل كل ديوان تجربة خاصة، لكنه امتداد وتطوير لما سبقه. وفى تصوري أن اهتمام سلام بالمسرح الذى ظهر فى دراسته المبكرة "المسرح الشعري العربي" 1986، أي قبل إصدار ديوانه الأول بعام، انعكس على درامية القصيدة عنده، هذه الدرامية التى ظهرت ـ منذ قصيدة "منية شبين" ـ في انقسام الصوت الشعري على نفسه أو تلك الثنائية الصياغية المتوازية بتعبيرات محمود العالم. وهو ما تطور في "إشراقات رفعت سلام" إلى انقسام القصيدة إلى متن وهامش، حيث تبدو القصيدة ـ فى متنها ـ نصاً شعرياً مرسلاً وعلى "جانب هذا المتن الشعري هامش من المقطعات الشعرية المركزة التي تعد هوامش على بعض مواضع في المتن الشعري".

كل هذا يعني أن قصيدة سلام ليست غنائية ذات صوت واحد بل مركبة ذات أصوات متعددة. هذه الحوارية المترعة والمتجاوبة ترجمها رفعت سلام فكراً فى كتابه المهم "بحثاً عن التراث"، الذي ناقش فيه أطروحات بعض أعلام الفكر الحديث مثل أدونيس فى "الثابت والمتحول"، وحسن حنفي في "التراث والتجديد"، والطيب تيزيني في "من التراث إلى الثورة"، وحسين مروة في "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية".

الأفق الإنساني 

هذا التواصل الدرامي في دواوين سلام يتوازى مع ما لاحظه الناقد محمد عبد المطلب من أن اللغة لديه غاية في ذاتها وليست وسيلة لتوصيل رسالة محددة. وهو وصف صحيح، غير أن ثنائية الوسائل والغايات متداخلة، فما كان غاية في مرحلة ما يتحول إلى وسيلة في حال تحقيقه، كما أنه ـ أي عبد المطلب ـ يذكر صفة حقيقية فى شعر سلام وهي أنه يتسم بأفق إنساني رحب ولا شك في أن هذه السمة ترجع إلى انفتاحه على الشعر العالمي، الأمر الذي جعله يختار عنوان "أنا – الآخر" لمختاراته الشعرية العالمية الصادرة عن مؤسسة البابطين وليس "الأنا والآخر" كما هو شائع. فالآخر عنده مرآة الذات التي تتأمل فيها نفسها وتتعرف إلى سماتها وتميزها. وهكذا يتساوى عند بودلير وأبو نواس وريتسوس وامرئ القيس حين يقول: "لماذا يأوي إليّ الراحلون (لم أصبح – بعد – مقبرة) لماذا حين تهز الريح أغصانى/ يساقط الحطيئة وبشار ورامبو والمتنبي ومايكوفسكي وأبو نواس وامرؤ القيس وريتسوس وتأبط شراً...". وإذا كان من الواضح تطور رؤية الشاعر المعاصر للتراث بحيث لم تعد قاصرة على التراث العربي/ الإسلامي، فإن هذا التطور أشد وضوحاً عند رفعت سلام بسبب معرفته العميقة بشعر الحداثة العالمي.

من السمات الواضحة المبكرة في شعر سلام ما يسمى بشعرية اللقطات السريعة التي تتسم بقصر سطورها، وهو من أثار انفتاح القصيدة على الفن السينمائي، ومن ذلك قوله: "المحطة/ الأوراق طائرة من السلة للأسفلت/ صوت الريح يأتي من بعيد/ دقة الساعة/ رعب/ دهشة/ صفارة البدء/ صوت العجلات"، وهو تصوير كلي تتآزر فيه دوال المكان والزمان والصوت راسماً صورة مشهدية متحركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القصيدة التشكيلية البصرية

يعد رفعت سلام من أكثر شعراء جيله اهتماماً بتشكيل فضاء الصفحة، وقد ظهر ذلك بصورة أولية فى تغيير "بنط" الكتابة من مقطع لآخر. يقول الشاعر فريد أبو سعده معلقاً على ديوان "حجر يطفو على الماء"، إن سلام "يمارس بعض غواياته القديمة في استخدام التأثير البصري للحروف مثل: تكبير كلمات بعينها أو جعلها بولد "سوداء" أو مائلة، أو كتابة الكلمات كما يريد لها أن تنطق مثل: "أطلقوااااا". يضاف إلى ذلك توظيفه للصور المصاحبة للنص الشعري وقد تجلى ذلك فى ديوانه "أرعى الشياه على المياه". ومن الجدير بالذكر أن هذا الديوان عبارة عن قصيدة واحدة، ما يعطيه طابعاً ملحمياً مثل ديوان "هكذا قلت للهاوية".

من السمات الشعرية أيضاً ذلك التجاور بين اليومي والسوقي والرث من ناحية، والسامي والشاعري والنبيل من ناحية أخرى، كما تتجاور اللغة الشعرية مع اللغة الأيديولوجية المباشرة. وكذلك تجاور الاعتيادي والمأساوي مثل: "كل شيء هادئ في مكانه/ الماء فى الكوب/ والقتلى في الشوارع". وفي النهاية يمكن أن نشير إلى توظيف الشاعر لغواية الأصوات فى قوله: "إلى ظل/ طائر أطويه في طيات طاعتي البريئة"، فهو يكرر صوت الطاء كما هو واضح. إن رفعت سلام مشروع شعري كبير متعدد الجوانب، ما يجعل من رحيله خسارة مؤكدة للحركة الشعرية العربية.

المزيد من ثقافة