Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تؤدي حرب "تيغراي" إلى إصلاحات على المسار الفيدرالي الإثيوبي؟

قلق من تداعيات النزاع على مستقبل الحل السياسي ووحدة البلاد

ظلت التجربة الفيدرالية الإثيوبية تمثل واحدة من التجارب البارزة في القارة الأفريقية؛ كونها تقوم على النظام القبلي، وتم بموجبها تقسيم إثيوبيا إلى تسعة أقاليم وإدارتين وفقاً للتوزيع الجغرافي للقوميات التي تقطنها

وقبل نحو سبع سنوات، استضافت العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، وتحديداً، في الفترة من 25 إلى 27 فبراير (شباط)، من عام 2013، مؤتمر الفيدرالية من أجل السلام والديمقراطية والتنمية، ضم عديداً من المختصين الدوليين والأفارقة، بهدف تبادل الخبرات في مجالات الحكم اللا مركزي والفيدرالي في منطقة شرق أفريقيا.

وكان أبرز مخرجات هذا المؤتمر، الاحتفاء بالتجربة الإثيوبية الفيدرالية المرتكزة على التقسيم الإثني للأقاليم، كأحد الأنماط الإدارية في الحكم اللا مركزي، والتي كانت تصنف حتى وقت قريب من الفيدراليات النموذجية الناجحة؛ كونها نجحت في وقف الحروب والنزاعات، وحققت للبلاد السلام والاستقرار، لكن بعد النزاع الأخير، والحرب التي شنتها قوات الحكومة الفيدرالية على حكومة إقليم "تيغراي"، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وما أفضت إليه من تعقيدات، أثارت الأزمة جدلاً حول انعكاسات الصراع وأثره على مستقبل وفاعلية الفيدرالية الإثنية، وفرص صمود النجاحات التي حققتها سابقاً، ومدى قدرة إثيوبيا على تجاوز هذه الأزمة وهي لا تزال متماسكة، كتحدٍ رئيس لتكامل النسيج الإثني في الإطار الفيدرالي القومي.

سبب في الاستقرار النسبي

يرى أكاديميون وباحثون أنه على الرغم من التحديات الراهنة التي أفرزتها حرب "تيغراي"، فقد كانت الفيدرالية الإثنية سبباً في الاستقرار النسبي، الذي شهدته البلاد خلال العقدين الماضيين، لاعتمادها مبدأ التكامل القومي الذي أوقف التوترات الداخلية، وأحدث قدراً من التوازن في العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم، في ظل النظام الفيدرالي الإثني، لكنهم يشيرون في الوقت نفسه، إلى أن الأزمة الحالية تشكل محكاً صعباً قد يفرض على الحكومة الإثيوبية اتخاذ ترتيبات سريعة، وإجراء مراجعات مهمة على الأطر القانونية والتشريعية المنظمة للعلاقات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، على أسس أكثر ديمقراطية تتلاءم مع النظام الفيدرالي الإثني، وتؤمن شراكة حقيقية لكل الإثنيات في السلطة والثروة، وتضمن مصالح المجموعات العرقية من دون تمييز، وذلك لقطع الطريق أمام أي نزاعات أو انقسامات إثنية مستقبلاً.

الحرب والحل السياسي

في هذا السياق، أعرب المحامي المتخصص في الفيدرالية والقانون الدستوري، عمر عوض الله جعيد، عن قلقه من تأثيرات النزاع والحرب على مستقبل الحل السياسي ووحدة إثيوبيا وفقاً لنمط الفيدرالية الإثنية المطبقة، في ظل الآثار العميقة للحرب وظلالها المستقبلية السالبة، نتيجة الثغرات التي أحدثتها، خصوصاً التصدعات في النسيج الاجتماعي، وما يترتب عليها من انعكاسات متداخلة على الفيدرالية الإثيوبية، تتطلب معالجات عاجلة لردمها وتجسيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت جعيد إلى أن العداء المتنامي، الذي بدأ يتأجج من جديد بين بعض المجموعات العرقية، من أخطر آثار الحرب التي ستعوق مسألة إدارة التنوع، وبالتالي تصيب روح وقلب التجربة الفيدرالية بشكل مباشر، لأن الشروخ التي أصابت البنية المجتمعية الإثيوبية جراء الحرب، متشعبة بدرجة كبيرة، ولن تساعد على نجاح أي حلول مستقبلية ما لم يتم تداركها سريعاً.

وأشار أيضاً إلى أن "الحرب ومآسيها سببت شرخاً وجدانياً عميقاً، قد يشكل تهديداً للتجربة والوحدة القومية الإثيوبية، ما يستدعى بذل المزيد من الضمانات المنصفة والمتوازنة لمشاركة الأقليات في السلطة على مستوى الحكومة الاتحادية، إلى جانب مخاطبة مخاوفها وطموحاتها، بصورة تقدم المصالح العليا على الطموحات السياسية لأي من الأطراف".

المؤسسات والآليات الديمقراطية

واستطرد المتخصص في الفيدرالية والقانون الدستوري قائلاً "ما فاقم الأمور وأدى إلى تطورها إلى درجة إعلان الحكومة الفيدرالية الحرب على حكومة الإقليم، حتى آلت إلى الوضع الحالي، هو أن الأزمة، ومنذ بدايتها تمت إدارتها بعيداً عن النهج الديمقراطي، فالعيب ليس في نظرية الوحدة الطوعية في نظام فيدرالي، بقدر ما هو في غياب المؤسسات والآليات الديمقراطية الفعالة، إلى جانب قيادة حكيمة تدير التنوع وفقاً للمصالح العليا".

أضاف "الحل الفيدرالي يعنى بإدارة ما يعرف بتحقيق (الوحدة من خلال التنوع)، لذلك يستغرق زمناً طويلاً حتى تتمازج كل المكونات المجتمعية وتتلاقى مصالحها وتتلاشى تدريجياً عوامل التفرقة بينها، ويتم ذلك عبر تفاعل آليات الدولة، مع التطور المجتمعي عبر الحراك الاجتماعي والدوافع الاقتصادية، ما يتطلب جهوداً وبرنامجاً بعيد المدى لتحقيق الاندماج القومي". وأوضح جعيد أن نجاح الفيدراليات يرتبط بصورة أساسية بكيفية ونجاعة استصحاب الأقليات وضمان مصالحها على المستوى الفيدرالي المركزي، وقد كان أهل "تيغراي" موافقين، بل كانوا جزءاً من صناعة الدستور الإثيوبي، لكنهم أخيراً بدأوا يستشعرون بالغبن من دون أن يحصلوا على تطمينات أكبر في قضية تمثيلهم، علماً بأن هناك نماذج دستورية كثيرة في العالم، منحت فيها أقليات صغيرة حق الفيتو من باب الحكمة في القيادة والحرص على الوحدة الوطنية.

خلخلة المجتمع ومرتكزات الفيدرالية

في سياق متصل، استبعد أستاذ العلوم الإدارية واللا مركزية بالجامعات السودانية، أبكر عمر أبكر، أن تطيح الحرب كلياً النموذج الفيدرالي الإثني في إثيوبيا، لجهة أن هناك نحو 82 إثنية، بينما تدور الحرب مع إقليم يضم إثنية واحدة، لا تشكل سوى ستة في المئة من مجموع السكان، ورأى أن القبلية المتجذرة في المجتمع وتطابقها مع الجغرافيا تجعل من النمط الإثني في التقسيم الإداري هو الأنسب، بل وضروري لاستقرار المجتمع الدولة والمحافظة على وحدتها القومية، إذ قد يصعب إيجاد نموذج أفضل وأكثر ملاءمة ومثالية للواقع الإثيوبي.

ولفت أبكر إلى أن الحرب خلفت آثاراً عميقة، لم تقتصر على البشر فقط، لكنها تجاوزتهم إلى خلخلة بنية ونسيج المجتمع الإثيوبي بمختلف عرقياته، كما أنها هزت مرتكزات النظام الفيدرالي القائم على الطوعية منذ نحو ربع قرن، ما قد يوجب على الحكومة الإثيوبية إجراء مراجعات دستورية وقانونية كبيرة على النظام الفيدرالي المطبق، للمحافظة على ثقة بقية الأقاليم به، وبصفة خاصة إعادة النظر في شروط حق الانفصال أو تقرير المصير المتاح للأقاليم وفق الدستور، مع معالجة المشكلات التي أفرزتها الحرب، لا سيما تلك التي تتصل بصهر القوميات داخل بوتقة الجسم الوطني الواحد.

المحك الصعب والإصلاحات المتوقعة

وتساءل أستاذ الإدارة واللا مركزية عن سبب غياب دور مؤسسة "بيت الفيدرالية الإثيوبي"، وعدم تدخله لحل النزاع سلمياً وفقاً للدستور، قبل أن يستفحل ويبلغ مرحلة الحرب، باعتباره الغرفة الثانية للبرلمان الإثيوبي المعنية بتطبيق النظام الفيدرالي. وأضاف أنه "على الرغم من الإنجازات الطيبة التي حققتها حكومة آبي أحمد، فإن إثيوبيا تمر الآن بمحك صعب، يستدعي تصحيح مسار النظام الفيدرالي، وترميم الصدوع التي أصابته، إلى جانب الجهد المطلوب لرتق النسيج الاجتماعي، من خلال عمل تنموي وخدمي، بإعادة إعمار كل ما دمرته الحرب، لكسب شعب (تيغراي) واستعادة ثقته من جديد بالحكومة المركزية وفعالية النظام الفيدرالي".

إمكانية الحل السياسي

وعن أثر الحسم العسكري للمعركة قال أبكر "صحيح أن القوات الحكومية دخلت مدينة ميكيلي عاصمة إقليم (تيغراي)، لكن هذا قد لا يعني نهاية الحرب، ما يتطلب إبقاء مساحة تتيح إمكانية البحث عن حل سياسي في إطار المؤسسات والدستور ووحدة الدولة، حتى لا يفرز النزاع معارضة مسلحة طويلة الأمد من جانب جبهة تحرير (تيغراي) المعروفة بتسليحها وعتادها العسكري الجيد وقواتها المتمرسة على القتال، وقد تمكنت من حكم إثيوبيا مع حلفاء آخرين، طوال الفترة منذ عام 1991 حتى 2020، الأمر الذي يكشف عن أن النزاع الحالي في جوهره هو سعى مواطني (تيغراي) لاستعادة دورهم في قيادة الدولة الفيدرالية، ولم تكن مسألة الانتخابات الإقليمية سوى غطاء لتلك الرغبة".

وتوقع أستاذ الفيدرالية المتخصص في الحكم المحلي صلاح بابكر أن تؤدي أزمة "تيغراي" إلى تعديلات في الدستور الإثيوبي، خصوصاً النص الذي يمنح الأقاليم حق الانفصال بموافقة البرلمان القومي ومجلس "بيت الفيدرالية"، مع إعادة توزيع السلطات بين الأقاليم والحكومة الفيدرالية بما يحقق توازنها، ويقوي قبضة أديس أبابا للمحافظة على الوحدة القومية.

تسريح الميليشيات وإشباع القواعد

أضاف بابكر "الوضع الراهن يشهد هشاشة قد تؤدي إلى تململ قوميات أخرى، ما يستدعي ضرورة العمل على تسريح الميليشيات القبلية في بعض الأقاليم، مثل أمهرة، وأورومو، و(تيغراي)، أو دمجها في الجيش الفيدرالي الإثيوبي، تفادياً لتكرار ما حدث أخيراً، وتحسباً لأي نعرات قد تنشأ مستقبلاً تستغل فيها تلك الميليشيات".

ورجح المختص في الحكم المحلي أن تلجأ الحكومة الإثيوبية إلى إيجاد صيغة لتقوية المؤسسات القاعدية بمحليات المدن والمجالس الريفية، وإفراد مساحة للإدارة العشائرية، بغرض توسيع مشاركة القيادات المحلية وإشباع حاجات القواعد في التنمية والخدمات، بهدف القضاء على دواعي الغبن والتهميش.

وطبقت إثيوبيا الفيدرالية الإثنية بعد سقوط النظام الاشتراكي بقيادة منغستو هيلا مريام عام 1990، على يد جبهة تحرير "تيغراي" وحلفائها، بقيادة رئيس الوزراء الأسبق، مليس زيناوي، ويعتبر هو صاحب فكرة الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا، والتي اعتبرها بعض التيارات مأزقاً سياسياً، بينما رأت فيها تيارات أخرى غالبة، نموذجاً للحل الجذري لمسألة الصراعات الإثنية التي تزخر بها القارة الأفريقية.