Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترميم المباني التراثية في الجزائر هل يكفي لحمايتها من الانهيار؟

قامت الهيئة الوطنية للرقابة التقنية بمعاينة عمارات قديمة وفصل الشتاء يرعب السكان

مبان قديمة تعود لفترة تواجد الاستعمار الفرنسي في الجزائر (اندبندنت عربية)

تحولت مبانٍ قديمة تعود أصولها إلى عهد الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1830-1962) إلى خطر يحدق بالسكان ومعضلة تؤرق السلطات في الوقت نفسه؛ كونها شكلت واجهات المدن الكبرى لأكثر من قرن. بيد أن بعضاً منها افتقد القدرة على مقاومة الإهمال، وبات الحل في إخضاعها لعملية ترميم قد تحميها من السقوط في انتظار حلول أخرى.

كابوس المرور تحت الشرفات

في حي حسين داي بالجزائر العاصمة يتوجس مواطنون أثناء مرورهم تحت تلك المباني القديمة، مخافة انهيار مفاجئ لإحدى الشرفات. وبات هذا السيناريو يتكرر من حين لآخر في ظل اهتراء بعضها، ما أدى إلى تسجيل عدة وفيات، كان سببها انهيارات جزئية في هذه العمارات، أو سقوط شرفاتها على المارة.

آخر حادثة مأساوية ترسخت في ذاكرة سكان حي حسين داي، كانت في شهر يونيو (حزيران) الماضي؛ إذ تسبب انهيار طابقين من عمارة تتكون من خمسة طوابق في مقتل سيدة، ما خلف موجة غضب بين سكان العمارة وقاطني أحياء مجاورة. 

حِينها نقلت وسائل إعلام محلية، أن الحادث وقع عندما كانت الضحية برفقة ابنها الرضيع في المطبخ، في شقة بالطابق الخامس، حين انهار سقف ما يسمى "بيت الصابون" (مكان لغسل الملابس) الموجود في سطح العمارة، والذي تسبب بدوره في انهيار سقف المطبخ بالطابق الخامس، وأدى إلى انهيار سقف شقة في الطابق الرابع.

 

وفوجئ سكان العمارة بدوي الانهيار، معتقدين في البداية أنه زلزال، قبل أن يصل إليهم خبر وفاة السيدة، ما جعلهم يغضبون ويعبرون عن سخطهم من الوضع، لأنه كان يفترض تصنيف تلك العمارة في قائمة المباني الآيلة للسقوط، وترحيل قاطنيها.

ويوجه السكان أصابع اللوم إلى السلطات المحلية، ويحملونها مسؤولية عدم التكفل بترميم العمارة، كغيرها من العمارات الهشة الأخرى.

ويعبر محمد، أحد سكان الحي الشعبي العتيق، عن حزنه العميق لرؤية منظر سقوط الحجارة من العمارات بشكل تدريجي، ما ينذر بنهاية عمرها. ويقول "لم تعد قادرة على التحمل أكثر، لقد أرهقها الإهمال"، مضيفاً "في هذا البيت كبر والدي وأنا وأولادي أيضاً، وراء تلك الجدران عشنا أجمل الذكريات بحلوها ومرها".

أمام هذه الانهيارات، تعد السلطات العمومية، على لسان أعلى مسؤول في الولاية، وهو "الوالي"، بالتكفل بمشاريع إعادة إصلاح عمارات وترحيل قاطني بعضها إلى أماكن سكن لائقة، إلا أن هذه المسألة ليست بالأمر السهل، وتستغرق وقتاً طويلاً، في ظل الوتيرة البطيئة لسير البرامج السكنية في ظل الأزمة المالية. وهي مشاريع تخصصها الحكومة في إطار سياستها للدعم الاجتماعي الموجهة للفئات الهشة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورش مفتوحة

يلحظ المتجول في أهم الشوارع الرئيسة بالجزائر العاصمة، الورش المفتوحة على المباني؛ إذ يعكف شباب على إخفاء العمارات المعنية بعمليات أشغال الترميم التي قد تأخذ وقتاً لا يقل عن ستة أشهر. يقول أحد المعماريين في شارع حسيبة بن بوعلي "نحاول ما بِوسعنا لإنقاذها من السقوط، هي عملية صعبة جداً. نتعامل معها كمن ينقل حبات البيض حتى لا تتكسر".

كما يعتبر "شارع طنجة" من "أهم" المواقع العمرانية المعنية بعملية الترميم وإعادة التهيئة بولاية الجزائر، بالنظر الى الطابع التاريخي والسياحي الذي تريد السلطات المحلية منحه لهذا الشارع العريق، لهذا تجري الفرق العاملة عملية ترميم دقيقة لإصلاح الكثير من العيوب المسجلة على مستوى هذه العمارات.

وتؤثر حركة المواطنين على ساعات العمل للفرق المكلفة الترميم، حيث يضطر العمال لتوقيف الأشغال الكبرى بحلول منتصف النهار حتى الثانية زوالاً، ثم العودة للعمل حتى المساء. وعلى الرغم من تمكن السلطات العمومية من إخلاء بعض العمارات من سكانها لإنجاز التدخلات اللازمة، فإن ثمة عمارات بقيت آهلة بالسكان، ما يجبر العمال على التدخل بشكل جزئي والتأقلم مع الوضع.

وفي العادة، تشمل عملية الترميم واجهات وسلالم وأقبية العمارات القديمة، وتجري طبقاً لقانون صدر عام 2004 المتعلق بالتهيئة والتعمير، وتهدف الإبقاء على معالم عاصمة الجزائر والمدن الكبرى الأخرى مثل وهران وقسنطينة وسكيكدة وعنابة.

وتعد التجمعات السكنية التي تعود لحقبة الاستعمار الفرنسي، بالنسبة للجزائريين، جزءاً من تاريخ وهوية عمرانية عن فترة ستظل عالقة في مخيلتهم عبر الأجيال، لأنها مرتبطة بِثورة وتضحيات انتهت بانتزاع الحرية من مستعمر عمر 130 عاماً، وكان يرى في الجزائر مقاطعة فرنسية.

مسؤولية مشتركة

على الجهة المقابلة، يرى البعض أن الحل لا يقتصر على عمليات الترميم، وإنما يتجاوزه إلى وعي السكان بضرورة المحافظة على هذه المباني من خلال الحرص على نظافتها وصيانتها الدورية؛ إذ يشير العم بشير، أحد سكان باب الوادي، وهو أكبر الأحياء الشعبية بالعاصمة قائلاً "نعيش حالة من غياب الحس المدني، بعض العائلات ترمي القمامة في مداخل العمارات، ما يؤدي إلى انتشار الحشرات والجرذان، من دون الحديث عن الوضع الكارثي للجدران والسلالم التي تآكلت بسبب الإهمال". يضيف "الجميع ينتظر من السلطات أن تبادر في الصيانة، بينما تغيب لجان الأحياء تماماً عن أداء دورها".

380 ألف عملية ترميم

تشير أرقام رسمية قدمتها الهيئة الوطنية للرقابة التقنية (حكومية) إجراء خبرة على أكثر من 380 ألف مبنى، في إطار عمليات ترميم البناء القديم التي أطلقتها السلطات خلال الـ20 عاماً الأخيرة. 

وبالإضافة إلى عمل الخبرة، تكمن مهمة الهيئة في مساعدة مكاتب الدراسات لأجل إيجاد حلول ترميم بنيوية ومقاومة للطوارئ الطبيعية، مثل الزلازل. وتدرس هذه اللجنة إعداد دفتر شروط متعلق بأشغال الترميم، من شأنه فرض أعمال تحترم البيئة، بغية السماح للهيئة الوطنية للرقابة التقنية بالحصول على مزيد من الصلاحيات وجلب مهارتها في الميدان.

وتتعاظم المشاكل مع حلول فصل الشتاء، بحيث تتجدد معاناة قاطني العمارات القديمة، لا سيما بالنسبة لتلك التي تعاني من تصدع أساساتها وانهيار أجزاء من جدرانها وشرفاتها، والتي تنتظر أدوارها في عمليات الترميم تفادياً لوقوع خسائر مادية وبشرية.

المزيد من تقارير