Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلمان سعوديان جديدان ينافسان السينما العالمية على جذب جمهور الصالات

"سيدة البحر" وآخر زيارة" يرسخان الهوية الفنية الباحثة عن ملامح جديدة

من الفيلم السعودي "آخر زيارة" (موقع الفيلم)

بعد افتتاح السعودية لعدد من صالات السينما ذات المعايير العالمية، لم يعُد مفاجئاً رؤية أفلام محلية تحط فيها. فهذه القاعات، إضافة إلى كونها مساحة للترفيه، تحتضن أحدث الأعمال الهوليوودية، ينبغي عليها أيضاً أن تعود بالفائدة على السينما المحلية التي تقوم على سواعد المخرجين السعوديين. وهي سينما حديثة، شابة، لا تاريخ خلفها، بل ينتظرها مستقبل، بعد إزالة الحظر من حولها. 

هذه الصالات تستقبل حالياً فيلمان سعوديان أبصرا النور العام الماضي، ومنذ ذلك الحين جالا حول العالم، قبل لقاء الجمهور السعودي المعني مباشرةً بهذه الأعمال. الفيلم الأول هو "سيدة البحر" للمخرجة الشابة شهد أمين وقد بدأ عرضه في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) في الصالات. أما الثاني، فهو "آخر زيارة" لعبد المحسن الضبعان الذي انطلقت عروضه سعودياً في 18 من الشهر ذاته. 

الفيلمان مختلفان جداً، وذلك على جميع المستويات: على المستوى الجمالي في المقام الأول، ولكن أيضاً على مستويات المعالجة والفكرة والشخصيات. ثم، أخيراً، على مستوى النظرة إلى السينما ككلّ. يبقى أنه يمكن جمعهما في خانة السينما الاجتماعية التي تناضل على طريقتها من أجل تطوير العقليات، لبناء مجتمع أفضل وأكثر انفتاحاً على الحداثة، وهذا ما يتماشى مع الخط السياسي للمملكة في الوقت الراهن. 

في "سيدة البحر"، تصوّر شهد الأمين حكاية مراهقة تغدو رمزاً لمناهضة الأبوية والقمع الناتج من هذه الأبوية في المجتمع السعودي، وهي ظاهرة ليست حكراً على هذا البلد، بل منتشرة كذلك على امتداد العالم العربي. ما نراه في باكورتها الروائية الطويلة التي نالت جائزة "فيرونا" في مهرجان البندقية السينمائي داخل قسم "أسبوع النقّاد"، هو حكاية تمرد بكلّ تفاصيلها الدرامية. هذا فيلم نسوي غير تقليدي، مع رسالة واضحة قد يجد فيها الكثير من النساء ضالّتهن. يعالج النص التمرد الأنثوي على التقاليد البالية، لكن أمين لم تصِغه على نحو يستدرج تعاطف الغرب، وهنا قوة نظرتها. بل ظلت على طول الخط مخلصة لخصوصية البيئة التي تصوّرها مع المحافظة على شيء من الأصالة. السيناريو استلهمته أمين من فيلمها القصير "حورية وعين" (2013)، وصوّرته في سلطنة عُمان. ومن المعلوم أنها استمدت الفكرة من تجربة عدد كبير من النساء اللواتي حاولن كسر القيود السلطوية وتحدي القوالب الموجودة في الكثير من البيئات حيث العقلية البطريركية تهمين على المجتمع. 

إشارات متعددة

تتموضع أحداث الفيلم في سياق أسطوري مع إشارات متعددة إلى الواقع. الشخصية الرئيسة فتاة اسمها "حياة"، ولدت في قرية يعتاش أهلها من صيد السمك، ولا تزال تتحمّل سلطة التقاليد التي أقل ما يمكن القول فيها إنها تتعارض مع قيم الزمن الحديث. واحد من هذه التقاليد هو الفرض على سكان القرية وهب الأطفال الإناث إلى مخلوقات غامضة تعيش في الماء (!). على كلّ عائلة أن تضحّي بابنة إلى هذه الوحوش التي تعيش في قعر البحر. إلا أن مصير حياة سيكون مختلفاً، بعدما يحاول والدها أن يجنّبها هذا القدر، لكن رفضه هذا سيلحق العار بالعائلة وستحلّ اللعنة على البلدة وفق معتقدات أهلها. 

بعد هذه الحادثة، تغدو "حياة" منبوذة من سكّان القرية وهكذا ستعيش بقية أيامها. إلا أنها ترفض المصير الذي ينتظرها، ودائماً تحاول أن يكون لها شأن في عيون الآخرين. وعندما تحمل والدتها بمولود جديد، يتعيّن عليها الالتزام بتقاليد وأصول البلدة، فيُطلب منها وهب نفسها للمخلوقات الأسطورية. حينها، تجد نفسها أمام خيارين: الإذعان أو الهرب.

 

"سيدة البحر" فيلم أنجزته امرأة سعودية وهو بطولة فتاة سعودية، ولكن هذا لا يعني أنه فيلم للنساء، بل على العكس من ذلك. فهذا عمل يتوجّه إلى الرجال وإلى ضمائرهم من دون أي خطاب. أهم ما فيه هو تجذّره في بيئة ثقافية، ما يجعله نوعاً من وثيقة لهذه البيئة، حتى لو كانت متخيّلة في جزئها الأكبر. فالجذور عربية. أمين نفسها تحبّ العربية الفصحى ومولعة بالتاريخ العربي. في حوار لي معها، قالت: "هل تذكر مسلسلاً قديماً بعنوان "الكواسر" لنجدت أنزور؟ كنتُ حينها في سن العاشرة. قررتُ أنني سأصبح مخرجة".

استخدم الفيلم اللونين، الأسود والأبيض، بدلاً من الصورة بألوانها الطبيعية. اللونان في هذه الحالة ملاذ جمالي، بحيث أنهما يساعدانه في التحوّل إلى "حالة سينمائية"، ندخله كما ندخل إلى أسطورة. فالعمل في نهاية المطاف مشبع بمرجعيات ثقافية وملمّ بالتفاصيل الدرامية، ومع ذلك تحرص المخرجة على عدم الوقوع في الإكزوتيكية المملّة. أما على صعيد الزمن الذي تجري فيه الأحداث، فعلى الرغم من عدم حصولها في أيامنا الحالية، لا يمنع ذلك من أن يكون لها صدى معين في واقعنا الآني.

مسألة خيار

"آخر زيارة" يقارب الواقع السعودي من زاوية أخرى. الاختلاف الكبير بين الفيلمين يكمن في أن عبد المحسن ضبعان يتناول الأمور من وجهة نظر الرجال فقط، إذ إن النساء غائبات تماماً عن الشاشة. لذا، يمكن اعتباره المقابل الذكوري لفيلم أمين. مع ذلك، فهو ليس عملاً يمجّد عالم الرجال في أي شكل من الأشكال. اختياره الرجال مسألة خيار لا أكثر. أن يصوّر بيئة حيث لا وجود للنساء وسيلة وليس هدفاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خمسة أفلام قصيرة أنجزها الضبعان قبل خوض غمار الفيلم الطويل. أفلام نبذت الحديث المباشر عن المشكلات التي يعاني منها المجتمع السعودي. وهذه هي حال فيلمه الطويل الأول الذي لا يتناول أيّاً من المسائل الرائجة إعلامياً عند الحديث عن المملكة. في هذا الفيلم، تغيب العناوين العريضة لصالح قصة بسيطة يصوّرها المخرج بشفافية، على الرغم من هنات معينة تصنّفه في خانة الأفلام المتوسطة القيمة. الفيلم تحكمه تلك العلاقة بين أب وابنه، طيلة ساعة ونصف الساعة، ومن خلالهما سنكون في حضور ثلاثة أجيال من الرجال السعوديين. الجد والابن والحفيد. 

احتضار الجد هو المسوّغ الذي سيتيح المجال للتطرق إلى بعض التفاصيل الدالة على الواقع اليومي السعودي. نومه على فراش الموت مناسبة للمخرج كي يقول ما في باله عن بيئته. يختار الضبعان الأسلوب الهادئ، الأسلوب الذي يجعل المشاهد يعيش حالة انتظار ما. فالسيناريو مقلّ كلاماً، ويجيد الانتقال السلس بين أمكنة مختلفة في مدينة جدة، ضمن أجواء اجتماعية محافظة. هنا جانب من السعودية، لا كلها. يحاول المخرج اتّباع مبدأ تضييق البؤرة لعله يلتقط التفاصيل داخلها. نحن حيال فيلم يتمتم، لا يفصح عن كل ما لديه، يفضّل أن يلمّح بدلاً من الكشف عن كل الأوراق، انسجاماً مع المجتمع السعودي وخصوصيته. في "آخر زيارة"، هناك نقد ناعم بعيداً من أي تمرد، وهذا أسلوبه في تناول موضوعه مع إسقاطات واضحة على واقع بلاده.  

 

المزيد من سينما