Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما مصير السفارة الأميركية في بغداد بعد سحب الدبلوماسيين؟

"واشنطن تريد قطع المبررات أمام أي رد إيراني محتمل على الاستهدافات الأخيرة لشخصيات بارزة"

السفارة الأميركية في العاصمة العراقية بغداد (أ ف ب)

يبدو أن المشهد العراقي لا يزال يتحرك فوق صفيح ساخن بما يتعلق بالعلاقة مع واشنطن، حيث قررت إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترمب، سحب نصف الدبلوماسيين الأميركيين من سفارتها في بغداد. 

وعلق السفير الأميركي في بغداد ماثيو تولر، على قرار تخفيض حجم البعثة الدبلوماسية، قائلاً في رسالة مصورة، "تواصل معي العديد من أصدقائي العراقيين للاستفسار عن التقارير الصحافية التي تفيد بأن سفارة الولايات المتحدة ستُخفّض عدد الموظفين في بغداد".

وأضاف "لقد تمكنت من طمأنتهم بأنني سأستمر في أداء واجباتي الاعتيادية في السفارة. وسأفعل ذلك بدعمٍ من فريقٍ أساسي من الدبلوماسيين الأميركيين والمستشارين الأميركيين للجيشِ العراقي".

أسباب أمنية

وكان موقع "بوليتكو" الأميركي قد نقل في وقت سابق، أن قرار سحب نصف الدبلوماسيين الأميركيين يأتي لـ"أسباب أمنية". وأشار الموقع نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أحدهما في وزارة الخارجية، أن سحب الدبلوماسيين "سيكون مؤقتاً".

وبحسب الموقع فإن موعد عودة الدبلوماسيين سيبقى مجهولاً، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران التي تمتلك نفوذاً واسعاً في العراق.

وأشار الموقع إلى أن أحد المسؤولين الأميركيين، كشف عن أن ما يصل إلى نصف عدد الموظفين الأميركيين في السفارة ومنشآت دبلوماسية أميركية في العراق سيغادرون، مبيناً أن أعدادهم تقدر بـ"العشرات"، في حين رفض المسؤول في الخارجية الأميركية الإدلاء بأي تفاصيل أخرى ترتبط بسحب الدبلوماسيين.

احتمالات إغلاق السفارة الأميركية 

وأثار قرار سحب دبلوماسيين من السفارة الأميركية في بغداد تساؤلات عن ما هية تلك الخطوة والرسائل التي تود واشنطن إرسالها من خلالها، خصوصاً بعد تلويحها في وقت سابق باحتمالية إغلاق سفارتها في بغداد على خلفية استمرار الهجمات الصاروخية التي تشنها الميليشيات الموالية لإيران.

ويعتقد أستاذ الجغرافيا السياسية دياري الفيلي، أن الإعلان الأميركي "يحمل أكثر من رسالة إلى الجانب العراقي والإقليمي وحتى للحلفاء الدوليين لواشنطن". ولعل الرسالة الأبرز من تلك الخطوة تتعلق بأن "مشروع غلق السفارة لا يزال قائماً وممكناً"، بحسب الفيلي، الذي يشير إلى أن هذا الأمر سيؤدي إلى "إيقاع العراق في أزمة دبلوماسية كبيرة".

ويضيف، "قد نشهد أيضاً في المرحلة المقبلة انسحاباً أكبر للقوات الأميركية"، مبيناً أن تلك التحركات "تأتي كرد فعل أميركي على تصاعد حدة خطاب التيارات الراديكالية التي لا تخفي بشكل متكرر حماستها في استهداف المصالح الأميركية بالمجمل".

وكانت وزارة الدفاع الأميركية، قد أكدت أنها بصدد خفض عدد جنودها في العراق وأفغانستان بحلول منتصف يناير (كانون الثاني) المقبل. وقال وزير الدفاع بالوكالة كريستوفر ميلر، إن 500 جندي أميركي سيغادرون العراق ليبقى 2500 جندي، ما يمثل أقل عدد للقوات الأميركية منذ عام 2003.

خيبة أمل من حكومة الكاظمي 

ويحمل هذا الانسحاب إلى حد ما، تعبيراً عن "خيبة الأمل الأميركية بإدارة حكومة الكاظمي لملفات متعلقة بضبط الأوضاع في العراق"، كما يعبر الفيلي، الذي يعتقد أن "صدقية حكومة الكاظمي أمام المجتمع الدولي بدأت بالتآكل شيئاً فشيئاً".

وعلى الرغم من الحديث عن خيبة الأمل الأميركية بإدارة الكاظمي، إلا أن العراق بحسب مراقبين يبقى أحد أهم المجالات الحيوية المهمة للولايات المتحدة، إذ يبقى الهاجس الأهم لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة بعدم تحول العراق لمجال حيوي خالص لإيران.

ويعتقد الفيلي، أن المتغيرات في التعاطي الأميركي مع العراق "لا تعني تخلياً كاملاً عن هذا الملف"، وقال "صانعو القرار في واشنطن على اختلاف توجهاتهم يدركون أن أي تخلٍ عن العراق يؤثر بشكل مباشر في مكانة واشنطن الاستراتيجية في المنطقة وصدقيتها أمام حلفائها".

ويختم الفيلي أنه على الرغم من تعويل الأطراف الراديكالية على صعود الرئيس المنتخب جو بايدن، إلا أن أدوات التعامل الاستراتيجي الأميركي في العراق خلال المرحلة المقبلة ستكون حادة في جميع الأحوال"، معبراً عن اعتقاده أن واشنطن ربما تقدم على خيارات حادة تؤزم العلاقة مع بغداد".

حل وسطي مع تصاعد حدة التوتر

ولا تبدو تلك الخطوة بمعزل عن التصعيد الكبير الذي تشهده المنطقة، خصوصاً مع تصاعد حدة الاغتيالات التي تطال قادة إيرانيين بينهم العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة.

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت تسريبات عن اجتماع جمع ترمب مع مستشارين عسكريين لبحث إمكان توجيه ضربات عسكرية لمواقع نووية في إيران.

إضافة إلى ذلك، ربما يمثل اقتراب الذكرى السنوية لاغتيال القائد السابق لـ "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني، والذي يربطه متابعون باحتمالية توجيه حلفاء طهران ضربة انتقامية للسفارة الأميركية في العراق. 

ويخشى العراق زيادة منسوب التوترات واحتمالية إعادة سيناريو الإشكالات الأمنية التي خلفها مقتل سليماني، خصوصاً بعد توعّد الحرس الثوري بالانتقام لمقتل فخري زادة.

ويعتقد مراقبون أن تلك الخطوة ربما تمثل محاولة أميركية في التقليل من قيمة السفارة في بغداد كهدف محتمل أمام طهران، فضلاً عن كونه يمثل خياراً أقل حدة من إغلاق السفارة بشكل كامل.

ويصف الباحث في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" بلال وهاب، قرار تخفيض عدد الدبلوماسيين الأميركيين في بغداد، بـ"الإيجابي"، مبيناً أنه يمثل "حلاً وسطياً مقابل التهديدات الأميركية السابقة بإغلاق السفارة".

ويوضح، الهدف من التقليص بأنه "ربما قد يساعد العراق والمنطقة في جعل السفارة ليست هدفاً مهماً لطهران".

ولعل ما يعزز عدم نية واشنطن إغلاق سفارتها في بغداد، بحسب وهاب، هو "وجود السفير الأميركي والكادر الأساسي في السفارة"، مبيناً أن هذا الأمر، يعطي تطمينات بأن القرار هو "إجراء أمني احترازي يهدف إلى درء صراع أكبر".

ويشير وهاب إلى أن الإدارة الأميركية "ربما تستشعر إمكانية أن تدير طهران من خلال ميليشياتها في العراق الانتقام الذي وعدت به على خلفية مقتل العالم النووي محسن فخري زادة"، مبيناً أن "العراق يمثل الأرض الأقل كلفة لطهران في ما يتعلق بتصفية إشكالاتها مع واشنطن".

ويتحدث وهاب عن أن هذا القرار، ربما يسهم في "التقليل من حجم السفارة كهدف لصواريخ الميليشيات الموالية لإيران"، لافتاً إلى أن "أي استهداف لدبلوماسيين أميركيين، قد يشعل مشكلات أمنية في العراق ليست في صالح حكومتي بغداد وواشنطن في المرحلة الحالية".

ويرى مراقبون أن العراق لا يزال يمثل المنطقة الرخوة التي تستغلها طهران في شن هجمات انتقامية على المصالح الأميركية، والتي ربما تجنبها إلى حد ما الرد الأميركي المباشر عليها. 

تراجع في أهمية العراق 

في المقابل، يعتقد رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن أبرز المؤشرات التي يمكن استنتاجها من هذا القرار هي أن "العراق لم يعد يمثل أولوية بالنسبة لملفات واشنطن الخارجية بعد الفشل في دفعه لخانة حلفاء الولايات المتحدة"، مبيناً أن "هذا التراجع في أهمية الملف العراقي هو الذي دفع الإدارة الأميركية إلى تقليص حضورها الدبلوماسي".

ويضيف الشمري، "واشنطن باتت تستشعر أن محاولة الفصائل المسلحة اقتحام سفارتها في بغداد العام الماضي، ربما يعاد في الذكرى السنوية لمقتل سليماني، الأمر الذي قد يكلفها الكثير".

ويتابع أن "واشنطن تريد قطع المبررات أمام أي رد إيراني محتمل على الاستهدافات الأخيرة لشخصيات إيرانية بارزة"، مبيناً أن "تضاؤل أهمية العراق بالنسبة لواشنطن يقلل من إمكانية الإغلاق التام للسفارة".

وكانت تقارير عدة تحدثت، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عن عزم واشنطن إغلاق سفارتها في بغداد نتيجة استمرار الهجمات الصاروخية عليها، إلا أن الهدنة التي أعلنتها الفصائل الموالية لطهران أزاحت هذا الخيار.

ولطالما تعرضت السفارة الأميركية لهجمات صاروخية متعددة خلال العامين الماضيين، كان آخرها القصف الذي تعرضت له في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والذي تزامن مع إعلان زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي نهاية الهدنة مع واشنطن.

المزيد من تقارير