Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الثور فوق السطح" لداريوس ميلو فرنسية أم برازيلية؟

الباليه السوريالي الصاخب الذي تتبناه اليوم أمتان

اهتم داريوس ميلو بكل أنواع التأليف الموسيقي لكنه لم يهمل الكتابة عن الموسيقى (غيتي)

هو بالتأكيد واحد من أطرف العناوين التي يمكن أن يحملها باليه راقص، غير أن ما هو أطرف من العنوان حكاية تأليفه، وكونه ينتمي إلى ثقافتين في وقت واحد، ويشكل في الوقت ذاته نوعاً من الكشف عن موسيقى لم يكن للباليه عهد بها.

لنبدأ هنا بأحد جانبي الحكاية، أي الجانب المعتمد في سيرة ملحن الباليه الرسمية الفرنسي داريوس ميلو، فهذه السيرة تفيد بأن ميلو كتب موسيقى الباليه التي يستغرق أداؤها نحو عشرين دقيقة في عام 1919، ليقدم الباليه للمرة الأولى أوائل عام 1920 في مسرح الشانزليزيه الكوميدي في برنامج ضم قطعاً أخرى من كتابة بعض أبرز مجايليه، مثل "فرانسيس بولنك، وجورج أوريك، وإريك ساتي".

غير أن نفس تلك الحكاية تضيف أن ميلو كان قد بدأ العمل على ذلك الباليه قبل ذلك بأشهر أواخر 1919، على أن يكون نوعاً من قصيدة سيمفونية للكمان والبيانو عنوانها "سينما فانتازيا"، بهدف أن تصحب عرض فيلم صامت لتشارلي شابلن. لكن، حين سمعها جان كوكتو اقترح أن تتحول إلى باليه إيمائي مستقل، كتب هو نصه الأدائي وأعطاه العنوان الذي استقر بعد ذلك "الثور فوق السطح"، طالباً من الرسام راؤول دوفي تصميم الديكورات له.

وتدخل البرازيل على الخط

كل هذا منطقي، ويشكل جزءاً من التاريخ الموسيقي الفرنسي، ويتذكره الهواة كلما ذُكر ميلو، والباريسيون بالطبع كلما حدث لهم أن مروا قرب المطعم الذي سيشتهر بالعنوان نفسه. لكن، هذا المنطق يتداعى بالطبع حينما يطلع في البرازيل من يُحدث تعديلاً في الحكاية كلها، بل يعيد العنوان نفسه إلى جذوره، كاشفاً عما ثمة ما هو برازيلي في هذا العمل الموسيقي "الفرنسي".

فمنذ سنوات قليلة صدر في البرازيل كتاب عنوانه "o boi no telhado" ومعناها بالعربية تحديداً: (الثور فوق السطح) لصحافي ومؤرخ موسيقي يدعى مانولو دو لاغو، يعطي حكاية مختلفة عن ذلك الباليه، ووضع ميلو له.

تقول الحكاية البرازيلية إذن، إن الموسيقي الفرنسي داريوس ميلو وصل ذات يوم من عام 1917 إلى ريو دي جانيرو بدعوة من صديقه الشاعر بول كلوديل الذي كان مقيماً هناك رئيساً للبعثة الدبلوماسية الفرنسية، أولاً لكي يزوره، وبعد ذلك لكي يشغل وظيفة سكرتير ومستشار فني له.

ومنذ وصوله اشتدت حماسة ميلو للموسيقى الأميركية اللاتينية، إلى درجة أنه راح يسعى للقاء عدد من أشهر الموسيقيين المقيمين في المدينة، ليرتبط معهم بعلاقات صداقة أثرت في موسيقاه كثيراً. وكان من بينهم الموسيقي المعروف هيتوس فيلالوبوس الذي أذهلت ميلو معرفته الدقيقة بأعمال وتقنيات الموسيقيين الفرنسيين من أمثال ديبوسي والألمان من أمثال براهمز.

لماذا لا تنفتحون؟

لكن، ميلو لاحظ بالتدريج كيف أن الموسيقى التي كانت تُكتب في البرازيل، وغيرها من مدن أميركا اللاتينية في ذلك الحين، تبدو منغلقة على نفسها وغير قابلة للتطور بسبب ذلك الانغلاق، وراح يسأل الموسيقيين المحليين من أصدقائه عما يمنعهم من التعبير عن أنفسهم بشكل أكثر حيوية وانفتاحاً يتضافر مع عبقريتهم في الابتكار.

ولكي يضرب لهم مثلاً على ذلك، قرر بحسب ما أعلن أمامهم، أن يشتغل على موسيقى من ابتكاره تستلهم الروح البرازيلية وتراثها، وذلك انطلاقاً بالتحديد من أغنية شعبية نالت من إعجابه ما يكفي لكي يستلهمها. وكان عنوان الأغنية "الثور فوق السطح". وهي أغنية ينشدها الجميع صغاراً وكباراً في تلك المنطقة من البرازيل، وفي كل المناسبات.

وهكذا تحولت الأغنية الشعبية بين يدي ميلو إلى ذلك الباليه الذي سيعيش حياته ويصبح "نموذجاً للتلاقح الموسيقي بين الحضارات ووسيلة للتلاقي بين روح الشعوب" بحسب ما سوف يقول ميلو لاحقاً، هو الذي لم يحاول على أي حال أن ينكر الجذور البرازيلية للمقطوعة التي ألفها.

وحده صخب الحياة سوف يرمي بتلك الحكاية "البرازيلية" إلى وهدة النسيان من دون أن يتوقف الهواة طويلاً عند تلك السمات الحيوية التي تطبع عملاً موسيقياً، راح كثر يعتقدون مع الوقت أنه ابتكار فرنسي خالص.

حصة فرنسا وحصة البرازيل

لكن، الصحافي البرازيلي ومن دون أن يكون قاسياً في حكمه على ذلك النسيان أو "التناسي"، يقول اليوم في كتابه إن الحصة الفرنسية من "الثور فوق السطح" هي في الحقيقة أقل من نظيرتها البرازيلية بكثير، حتى وإن كان لم يتوان عن إرفاق كتابه بنصوص من كلوديل تتحدث عن عمل ميلو، لكن كذلك بنص طويل يمتدح فيه تلك القلبة الفنية التي أحدثها كل من داريوس ميلو وجان كوكتو، مثنياً على حس التنظيم والعقلانية الفرنسية اللذين حولا أغنية شعبية إلى عمل فني كلاسيكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بل لا بد من الإشارة إلى أن مقالاً نشر في صحيفة "فوليا دي ساو باولو" يستعرض الكتاب تابع الحكاية من حيث لم تتضح تماماً لدى هذا الأخير، ذاكراً أن "الموسيقى التي وضعها داريوس ميلو للباليه أتت في النهاية أشبه بخلطة عجيبة تضم إلى جانب شذرات من تلك الأغنية الشعبية، جملاً موسيقية عديدة مقتبسة من عدد من الأغنيات البرازيلية التي كانت لا تقل شهرة عن (الثور فوق السطح) عند بدايات القرن العشرين، ومنها أغنية تستعاد لازمتها الموسيقية أربع عشرة مرة خلال الدقائق الثمانية عشرة التي تتألف منها القطعة...". وتختم المجلة مقالها معلنة فرحها بتلك "المبادرة الموسيقية الفرنسية التي أتت قبل مئة عام من الآن لتساعد البرازيل على تحديد هويتها الموسيقية".

أما بالنسبة إلى داريوس ميلو، الذي كان لا يزال في أواسط العشرينيات من عمره حين لحن ذلك الباليه، فهو واحد من تلك الجماعة التي ظهرت في فرنسا بشكل قوي خلال الربع الأول من القرن العشرين، وضمت إليه أصحاب الأسماء التي ذكرناها أعلاه. وهو حين حول تلك الموسيقى التي أتى بها من البرازيل إلى الباليه الذي حقق نجاحاً وشهرة كبيرين منذ عروضه الأولى، إنما كان يسير في ذلك العمل، تحت رعاية جان كوكتو، على خطى إريك ساتي الذي قدم في تلك الأزمنة عرض باليه شهيراً عرف باسم "باراد" انطلاقاً من نص لكوكتو نفسه، وحقق له الديكورات أعظم رسامي تلك السنوات "بابلو بيكاسو".

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه ليس ثمة حكاية في هذا الباليه، بل مجموعة مشاهد تكاد تكون سوريالية وساخرة، يتتابع فيها على الخشبة ظهور شخصيات من دون هدف ومن دون علاقات تجمعها. وحدها الموسيقى تحقق اللقاء.

إنتاج كثيف لسنوات طويلة

ولد داريوس ميلو في مارسيليا ابناً لأسرة مصرفيين في عام 1892، ليرحل بعد ذلك بأكثر من ثمانين عاماً في 1974. وانتقل إلى باريس، وكان بعد في السابعة عشرة من عمره، كي يدرس الموسيقى على يد عدد من كبار موسيقيي المرحلة، لا سيما بول دوكاس الذي كان أستاذه في مادة التوزيع الأوركسترالي.

وهو منذ سنوات الدراسة في العقد الثاني من القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الثانية لم يتوقف يوماً عن التلحين، بحيث إن قائمة أعماله الأوركسترالية والغنائية والأوبرالية وفي مختلف فروع التأليف الموسيقي تضم عشرات العناوين التي يصعب إحصاؤها في مثل هذا المكان، لكن يمكن أن نذكر من بينها أشهرها وأكثرها شعبية، من ثلاثية "أورستيا" في اقتباس موسيقي عن ثلاثية إسخيلوس المسرحية، إلى "الإنسان ورغباته" و"خلق العالم" و"كريسوف كولومبوس"، انطلاقاً من نص لبول كلوديل، و"البحار الفقير" على نص شعري لجان كوكتو.

وكما أشرنا لا بد من أن نضيف أن ميلو اهتم بكل أنواع التأليف الموسيقي، لكنه لم يهمل الكتابة عن الموسيقى، لا سيما بدءاً من أواسط سنوات الثلاثين حين انضم إلى هيئة تحرير الصحيفة اليسارية "هذا المساء" ناقداً موسيقياً، وكتب لها عشرات المقالات منها عدد من مقالات بدت لافتة حول الموسيقى الأميركية اللاتينية، وخصوصاً البرازيلية.

المزيد من ثقافة