Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي سليمان أدونيا في جحيم المواجهات الإريترية - الإثيوبية

روايته "الصمت لغتي الأم" شهادة أليمة على محنة الحياة في المخيمات السودانية للاجئين

الروائي الإريتري - الإثيوبي سليمان أدونيا (دار أنديغو - لندن)

سليمان أدونيا إريتري ــ إثيوبي فقد والديه قبل أن يبلغ سن الرابعة، وأمضى طفولته في مخيم للاجئين في السودان، قبل أن يحصل على اللجوء السياسي في بريطانيا كقاصر يتيم ويستقر في لندن. ظروف حياة مأساوية إذاً لكنها لم تمنعه من أن يصبح كاتباً أنغلوفونياً مهماً، كما تشهد على ذلك روايتاه "نتائج الحب" (2008) وخصوصاً "الصمت لغتي الأم" التي صدرت حديثاً عن دار "إنديغو" اللندنية وكادت تحصد جائزة "جورج أورويل" العريقة، نظراً إلى قيمتها الأدبية الأكيدة. رواية مستوحاة من تجربته الشخصية وتدور أحداثها خلال ثمانينيات القرن الماضي في مخيم للاجئين في السودان يقطنه إريتريون فرّوا من المجازر التي ارتكبها نظام الـ"درغ" العسكري الإثيوبي في وطنهم.

في هذا المكان الذي يقع في منتصف الصحراء، لدينا الشاب جمال الذي كان يعمل في سينما "إمبيرو" في أسمرة، ونراه على طول الرواية منشغلاً في عرض على شرشف أبيض أفلام صامتة شخصياتها من ورق. لدينا القابلة ناتسنيت التي لا تكتفي بتوليد الحاملات، بل تسهر على تطبيق التقاليد بصرامة لا تخلو من عنف. هنالك أيضاً قاضٍ سابق يضطلع بالمهمة نفسها، مومس تشبع رغبات الرجال التي لا تنتهي، تاجر ثري رقيق ومثلي، إمام وكاهن يتعايشان بسلام... لكن الدور الرئيس في الرواية لا يعود إلى أيّ من هؤلاء، بل إلى فتاة ذكية وجريئة في مطلع مراهقتها تدعى سابا وكانت متفوّقة في مدرستها وتحلم بدخول الجامعة لدراسة الطب، قبل أن تمزّق الحرب حلمها وترمي بها، مع أخيها الأبكم هاغوس وأمها، على الطرقات.

خليط لغوي

فور وصولهم إلى المخيم، يجهد لاجئون في إعادة تشييد عالمهم كما تركوه خلفهم، بينما يحلم آخرون بآفاق جديدة، لكن جميعهم يسعى إلى الحفاظ على كرامته بأي ثمن. هكذا تنبثق تدريجاً إريتريا صغرى في أرجائه وترتفع أصوات الحوارات والنزاعات بالعربية والتغرية والتغرينية وأيضاً الإيطالية، لغة المستعمر السابق. وبعد وقفة قصيرة لكن ساحرة عند طريقة تنظيم المخيم، نتابع سابا في حياتها اليومية التي تبدأ باستكشاف المكان والتعرّف إلى جيرانها والبحث عن الطعام والحاجات الضرورية الأخرى، قبل أن يتسلّط عليها هاجس استئناف دراستها. متابعة يعتريها تيه وتأمّل كبيران ويترجم إيقاع نثر الكاتب خلالها طبيعة الحياة في مخيم للاجئين الذي يتراءى لنا كفضاء وسطي غير حميم أو كبرزخ شخصي وجماعي لقاطنيه.

إريترية من أمها وإثيوبية من والدها الذي لم تعرفه قط، تتميّز سابا أيضاً بصفات يعتبرها التقليد ذكورية، بخلاف شقيقها هاغوس الذي يضطلع بالمهمات المنزلية ويعتني بشعر أخته وملبسها، وترى أمه فيه "البنت التي طالما رغبت في إنجابها". ولا عجب في ذلك، فعلاقة هذين المراهقين حميمة إلى حد ذوبان هويتيهما الواحدة داخل الأخرى. ولأنه يتعذّر على سكان المخيم فهم هذه العلاقة، نراهم يتفحّصونها عن قرب ويسعون بكافة الطرق إلى إجبار طرفيها على الالتزام بالتقاليد.

 

ومن هذا المنطلق، تبدأ الرواية بمحاكمة تخضع لها سابا بعد اتهام القابلة لها بالزنا مع أخيها. وفي انتظار صدور الحكم عليها، يعود أدونيا بنا في الزمن للكشف عن أسباب ذلك الرابط الوثيق والمعقّد الذي يجمعها بهاغوس، وفي مقدّمتها خضوعهما في طفولتهما لاغتصاب متكرّر، جنباً إلى جنب، على يد خالهما، ثم المحاولة الفاشلة لختان سابا وهي صغيرة، بحضور أخيها، على يد القابلة ناتسنيت، التي تركت ندباً مرعبة على ساقيها. وكما لو أن ذلك لا يكفي، يبقى جسدها على طول الرواية مهدداً باعتداءات مختلفة ومكان شبهة ثابتة وجائرة. ولذلك، تجبرها أمها أكثر من مرة، بإيعاز من القابلة، على الخضوع لفحوص مهينة وصادمة من أجل التأكد من عذريتها.

الضحية بامتياز

بالتالي، تمثّل سابا الضحية بامتياز، ولكن أيضاً كل ما هو مقتلَع من أرضه ويسعى، على الرغم من محنته الشديدة، إلى النمو، تماماً مثل بذار الليمون التي تزرعها في أرض المخيم القاسية وتسقيها على أمل رؤيتها تنمو وتصبح أشجاراً جميلة، علماً أنها ستجفّ تحت شمس الصحراء التي لا ترحم. وفعلاً، نرى هذه الفتاة تمرّ يومياً على مسؤولي المخيم من أجل حثّهم على فتح مدرسة فيه، وتحاول عقد صداقات غير ملوّثة بالدمدمة التي ترتفع حولها، وترغب في عائلة تمنحها ذلك الهامش من الحرية الضروري لبلوغ النضح واختبار حب لا تظلّله المحرّمات. ومع أنها لا تملك أي شيء من كل هذا، لكنها لا تستسلم للقنوط. وبذلك، تجسّد بصيص أمل في وسط العتمة التي تلفّ أقدار اللاجئين حولها. أما تبادل الدورَين الذكوري والأنثوي مع أخيها في محيط اجتماعي تقليدي، فيمدّ سرديتهما بطابع مشوّق وجريء، خصوصاً أن كليهما ينتصر في النهاية ويجد القوة للتحرر مما يتوقعه محيطه منه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن قيمة الرواية لا تقتصر على ذلك، بل تكمن أيضاً في منحها إيانا نافذة على حياة اللاجئين البائسة. وفي هذا السياق، نرى أبناء المخيم يعتمدون المقايضة لتوفير ما يحتاجون إليه من غذاء ولبس، نظراً إلى عدم كفاية ما يتلقّونه من مساعدات إنسانية، ويعيشون كل أسرة في كوخ صغير، مهما بلغ عدد أفرادها... إلا إذا امتلكوا الإمكانيات المادية للدفع، كالتاجر الثري الذي ينعم مع ابنه بأكواخ ثلاثة كبيرة. نتابع أيضاً نشاطاتهم داخل المخيم ونتعرّف إلى أسرارهم وطموحاتهم وأوهامهم وآلامهم، فيتبيّن لنا أن كل أسرة تبكي كائناً عزيزاً عليها فقدته أو تنتظر بقلق اجتماعها مجدداً بأحد أفرادها الذي بقي خلفها للنضال من أجل استقلال وطنه.

باختصار، رواية مؤثّرة حول مرارة المنفى وقدرة الإنسان على تحمّل المِحَن، يصف أدونيا فيها بشعرية صائبة عالماً لا نعرف عنه سوى القليل جداً، مجسّداً شخصياتها في كل إنسانيتها وتعقيدها، ما يسهّل علينا الانزلاق تحت جلدها وفهم مأساتها، ومسائلاً من خلالها معنى ــ أو لا معنى ــ الحياة حين نفقد حميمية دارنا وأفق مستقبلنا. رواية تشرّح أيضاً الطرق المختلفة التي تقود فيها المجتمعات الأفريقية والشرقية حرباً شعواء على المرأة، وتستكشف "القصص التي يتوجب علينا سردها للبقاء على قيد الحياة في بيئة عدائية".

المزيد من ثقافة