Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأوكرانية مارينا هريميتش تروي العلاقات العابرة للثقافات

رواية تنطلق من محادثات "فيسبوكية" لتبني عالماً وشخصيات

مشهد من الحياة اليومية في أوكرانيا (غيتي)

"أجنبية في سيارة حمراء" هو عنوان الرواية الجديدة للروائية والأنثروبولوجية الأوكرانية مارينا هريميتش (الدار العربية للعلوم - ناشرون). وإذا ما علمنا أن المحادثات الفيسبوكية هي جزء من المتن الروائي، نستنتج أن ثمة تناغماً بين العنوان والمتن، وأن الأول مفتاح مناسب للثاني.

في الرواية التي ترجمها إلى العربية الكاتب اللبناني عماد الدين رائف، المتخصص في الأدب الروسي والأوكراني، تطرح الكاتبة الزواج العابر للثقافات، من خلال تجربة بطلتي الرواية الأوكرانيتين، المباشرة بافلينا وغير المباشرة فيرونتشيك، في الزواج من شابين لبنانيين هما أحمد وجواد، يتم التعبير عنها روائياً، ومن خلال حوارات جانبية  بين مجموعة من الصبايا الأوكرانيات المتزوجات من شبان لبنانيين، يتم التعبير عنها فيسبوكياً. وبذلك، تتجاور الحكاية الروائية والمحادثات الفيسبوكية في الرواية، وتأتي حكاية "زمرد وعلي شار" المقتبسة من "ألف ليلة وليلة" لتحل ضيفاً خفيف الظل على المتن الروائي، ما يجعلنا إزاء ثلاثة أنماط كلامية؛ النمط السردي الروائي، النمط الحواري الفيسبوكي، والنمط الحكائي "الألف ليلي"، وما يضعنا إزاء ثلاثة أزمنة تتجاور في الحيز الورقي نفسه؛ الزمن الماضي في القصة المقتبَسة، الزمن الحاضر في الحكاية المروية، والزمن المستقبل في الحوارات الفيسبوكية.

في الحكاية، تُسند الكاتبة مهمة الحكي إلى راوٍ عليم، يتبع مساراً خطياً في مهمته، من البداية إلى النهاية، تقطعه الحوارات الفيسبوكية والحكاية المقتبسة، من دون أن تطيح بتسلسل الأحداث وخطية المسار. وهي حكاية تبدأ بمجيء جواد، المهندس البعلبكي المقترن بالصبية الأوكرانية فيرونتشيك، إلى بيروت قرب مكتبة الحلبي، بحثاً عن صديقة زوجته الفيسبوكية الأوكرانية صاحبة السيارة الحمراء، لعلها تساعد في إخراجها من حالة الاكتئاب التي تعاني منها، فيسمع عن فظاظتها من الجيران ويختبر ذلك بنفسه، غير أنها فظاظة لا تحجب صفاتها الإيجابية التي تتمظهر في سياق الأحداث.

واقعية وغرائبية

تشكل واقعة تعرض سيارة جواد المركونة في الشارع للصدم، خلال عرض مشكلته على أفراد الأسرة، نقطة تحول أولى في مجرى الأحداث، فيقرر أحمد المهندس البيروتي الزوج أن يقل ضيفه إلى بعلبك الأمر الذي ترحب به زوجته بافلينا، وتكون رحلة غريبة حافلة بالأحداث الواقعية والغرائبية. وهي أحداث تستغرق زمنياً يومين اثنين، وتتموقع مكانياً بين بيروت وبعلبك وبشري ورميش، وتنخرط فيها مجموعة شخوص، رئيسية وثانوية، أقل من أصابع اليدين، تنمو العلاقات في ما بينها بسرعة قياسية، فيتحول جواد الزائر الغريب إلى صديق يُقله أحمد الزوج المضيف إلى مدينته، وتُكلفه بافلينا الزوجة المضيفة الاهتمام بكلبتها المدللة، ما ينتقص من واقعية الرواية. على أن هذه الشخوص تعيش تحولات معينة، تتراوح بين الدرجة صفر في حالة أحمد، والدرجة الوسطى في حالتي بافلينا وجواد، والدرجة العليا في حالة فيرونتشيك.

وتشكل واقعة اللقاء المفاجئ بزياد، الرجل القصير ذي الأطوار الغريبة الذي يمتلك مهارة التخفي ويراقص بافلينا وينتهك حرمتها بالنظر والكلام، خلال التوقف في بلدة جبلية لتناول الطعام، لعلها صوفر، نقطة التحول الثانية في مجرى الأحداث، فيندس زياد الخفي بين ركاب السيارة، يستدعيه دخان سيكارة بافلينا، ويقوم بالغناء والتكلم والمشاكسة، ولا تفلح صلواتهم في طرده والتخلص منه. ومع الوقت، يتكيفون مع هذا العنصر غير المتوقع الطارئ على الوضعية الروائية، فيستمتعون بحكايته المقتبسة من "ألف ليلة وليلة" التي يحكيها لتوصيل رسالة معينة، تلتقطها بافلينا في ما بعد، وتسهم في جلاء بعض النقاط الغامضة. هنا، تدخل الرواية في فضاء غرائبي، يضيف إلى واقعيتها نوعاً من الواقعية السحرية.  

 

وتكون نقطة التحول الثالثة في مغادرة فيرونتشيك منزلها الزوجي في بعلبك، خلافاً للعادة، للانضمام إلى حفل للأصدقاء القدامى في بشري، ما يحول وجهة السير إلى المدينة الأخيرة حيث يمضون الليل في أحد فنادقها، ويكتشفون أن فيرونتشيك مرت بالمكان في طريقها إلى دير مار أنطونيوس قزحيا، حتى إذا ما زاروه في اليوم التالي، يتأكدون من زيارتها الدير، بدليل الطنجرة العائلية القديمة التي تركتها فيه التماساً لتحقيق رغبة معينة. وهنا ينقطع الخيط.

الخيط الفيسبوكي

بانقطاع خيط البحث الميداني، تلجأ بافلينا إلى الخيط الفيسبوكي، فتقتفي أثر صديقتها التي تستخدم اسم زمرد على صفحتها الفيسبوكية، وهنا يلتقي الروائي مع الحكائي، ويتقاطع اسم فيرونيتش المستعار مع اسم الجارية في حكاية "ألف ليلة وليلة"، وتفهم بافلينا تلميحات زياد الخفي الهادفة إلى توصيل رسالة معينة. وباقتفاء أثر المبحوث عنها، تكتشف بافلينا أن صديقتها الفيسبوكية موجودة في دير سيدة مغدوشة شرق صيدا، وأنها ستزور الملعب الروماني في صور، وستكون في المساء في رميش للمشاركة في حفل عيد الميلاد، فينطلق الباحثون إلى القرية المذكورة ليروا زمرد التي تعتمر قبعة وردية فوق حجاب وردي "خماسية معتدلة القد، موردة الخد، قاعدة النهد، قد فاقت أهل زمانها في الحسن والجمال والبهاء والكمال" (ص182). وهي الصفات نفسها التي وردت على لسان زياد الخفي في وصف الجارية زمرد في حكاية "ألف ليلة وليلة". وبذلك، يلتقي الماضي بالحاضر، وتتماهى زمرد الرواية بزمرد الحكاية. 

على صفحتها الفيسبوكية، تكتب زمرد الرواية: "... حياتي الأسَرَية في عائلة زوجي، من وجهة نظر ثقافية، هي عبارة عن مناورة مستمرة في حقل ألغام. صواريخ كاتيوشا موجهة إلى الدبابات. هي كأن ترمي بمحارب واحد في الميدان، في مواجهة جيش من أقارب الزوج والجيران كلهم. وفي الوقت نفسه يكون هذا المحارب واقعاً في الأسر" (ص154).

وبالعودة إلى الحكاية، نجد أننا إزاء نموذجين مختلفين للزواج العابر للثقافات: نموذج فيرونتشيك، البطلة غير المباشرة للرواية، التي تنتابها نوبات حنين إلى بلدها، وتعاني من اكتئاب، لعله ناجم عن المكتوب أعلاه، وتفتقر إلى التكيف في ظل زوج غافل عن حاجاتها النفسية، على الأقل. لذلك، تهرب إلى التدين، في شكله الإسلامي، بارتداء الحجاب، وفي شكله المسيحي، بالحج إلى الكنائس والأديرة. وهذا النموذج سلبي. تتمظهر سلبيته في الاعتكاف، وعدم التفاعل مع المحيط، والهروب من الواقع إلى الغيب. النموذج الآخر تمثله بافلينا، بطلة الرواية المباشرة، التي تُمسك بزمام الأمور، وتتقن المناورة، ولا تتورع عن الكذب لتأمين استقرار الأسرة، وتتقلب بين المصانعة والمسايرة، في حالات معينة، والتمرد وأخذ الأمور بيدها، في حالات أخرى. وهذا النموذج إيجابي. تتمظهر إيجابياته في المبادرة، والمشاركة، والتفاعل، والقدرة على إقامة العلاقات الاجتماعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الخطاب الروائي، تقيم الكاتبة علاقة حسن جوار بين ما يرويه الراوي العليم، وما تنخرط فيه الصبايا الأوكرانيات من حوارات فيسبوكية متنوعة، على هامش واقعة أو فكرة ترد في سياق السرد، وهي حوارات تعكس الاصطدام بين ثقافتين مختلفتين في أنماط الحياة وطرائق التفكير وأنواع الطعام وأساليب العيش، ما يجعل التكيف على قدر من الصعوبة، ويختلف من شخصية إلى أخرى كما رأينا في المثالين أعلاه. وفي هذا السياق، تخوض الصديقات في موضوعات مختلفة، من قبيل: موقع الصبي في الأسرة، قواعد قيادة السيارة في لبنان، الزواج المختلط، تحضير الأرواح، صيبة العين، الطعام الأوكراني واللبناني، وغيرها. على أن هذه الحوارات وجودها قد يفيد في تظهير نمط التفكير الآخر/ الأخرى وإضفاء بعض التنوع على المتن، وغيابها لا يضر بالسياق الروائي.

العلاقة الأخرى التي تقيمها الكاتبة بين المَرْوي والمَحْكي، وتتخطى حسن الجوار إلى التفاعل بين السرد المكتوب والحكاية المقتبسة من "ألف ليلة وليلة"، فتأتي مقاطع وصفحات من هذه الأخيرة لتقطع السرد، وتتفاعل معه، وتدفع إلى المقارنة بين الشخوص في النصين، المكتوب والمقتبس، لنستنتج أن الحكايات كالتاريخ يمكن أن تعيد نفسها بشخوص مختلفة وأزمنة أخرى وأمكنة جديدة. واللبيب هو من يستفيد من الماضي ولا يكرر أخطاءه في الحاضر.

وبعد، على جمال الرواية وبساطة حكايتها وتنوع خطابها، لا بد من الإشارة إلى أن المنظور الروائي فيها منحازٌ إلى الطرف الأوكراني من العلاقة، ففي الوقت الذي تستأثر فيه بافلينا بالفعل والحضور النصي والحَدَثي، نرى أن زوجها أحمد هو في موقع التابع، المطيع، الصاغر. والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين جواد وزوجته فيرونتشيك، فتبدو هي في موقع المبادر خفيةً عنه، وتقيم ورشتها للتطريز، وتقوم بحجها الديني، على رغم اكتئابها. ويبدو هو في موقع المغفل الذي لا يدرك حاجاتها النفسية والعاطفية، ولا يعرف شيئاً عن طبيعة عملها. وبذلك، نكون إزاء منظور روائي منحاز إلى الطرف الأوكراني في العلاقة. غير أن تصدير الكاتبة روايتها بنص تشكر فيه لبنان على تعليمها ما يمنح الحياة معناها يجعلنا نُغضي عن هذا الانحياز.

المزيد من ثقافة