Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقالة ميغان ماركل تمثل دعوة مؤثرة للتسامح الذي ينبغي أن نعيره اهتماماً إثر مسلسل "التاج"

كلمات دوقة ساسيكس في "نيويورك تايمز" التي كشفت في سياقها عن تكبدها خسارة حملها في الصيف الفائت، تمثل الواقعة الأحدث من سلسلة وقائع تسمح فيها ميغان ماركل لنفسها بإظهار وجهها الإنساني، وعدم السماح لأي شخص آخر أن يروي قصته

بعيدا عن البروتوكول الملكي، ميغان ماركل أظهرت جانبها "الإنساني" من خلال الكشف بنفسها عن ألم فقدان جنينها (رويترز)

ثمة مشهد في إحدى حلقات مسلسل "التاج" بموسمه الأحدث (الراهن) تبدو فيه الأميرة ديانا، بأداء إيما كورين، وهي في العشرين من عمرها مرتديةً طبقات من حرير كثيف عاجي اللون، وتضع منديلاً يغطي وجهها – كعروس عذراء حازت الرضا الملكي – وذلك قبل أن تخطو أولى خطواتها داخل أروقة قصر كينسينغتون المذهبة باتجاه حياتها الجديدة كفردٍ من أفراد الأسرة الملكية.

وفي الواقع قام مصممو الأزياء في مسلسل "التاج" بإعادة صنع ثوب "إيمانويل" الشهير (ديفيد وإليزابيث إيمانويل، مصمما أزياء بريطانيين)، الذي ازدان في الأصل ورُصع بـ10 آلاف حبة لؤلؤ، وزُخرف بخيطان أثرية من أعلاه إلى أسفل ذيله الممتد، حيث بلغ طوله الإجمالي 25 قدماً (نحو 7.62 متر)، وكل ذلك من أجل ظهوره على الشاشة في مشهد لا يتجاوز الـ60 ثانية. حتى أن المشاهدين عبر الشاشات لا يعاينون الثوب بأكمله، بل يبدو لهم منساباً وطيفياً وغير واضح في آخر لقطات المشهد وحسب، قبل أن ترِدُ لقطة أخيرة وتُظهر الثوب بأكمله من الخلف فيما كانت ديانا تخطو نحو مستقبلها، في مشهد رمزي استشرافي ينذر بحياة ستواجهها ملؤها الصراعات الشخصية المستعصية، التي ستودي إلى موتها المفاجئ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يكن المشهد الطيفي ذاك للعروس الملكية أدنى إقلاقاً من المؤثرات الصوتية التي رافقته– فالموسيقى الخلفية لم تكن "جوقة الزفاف" لفاغنر، بل أداء لجوقة إنشاد، بدا ملائماً أكثر لفيلم رعب. وحين حل موعد حفل الزفاف الملكي، كانت الشابة ديانا قد خسرت كثيراً من وزنها، ما أجبر ديفيد وإليزابيث إيمانويل على تضييق الثوب كي يناسب جسمها. وفي وقت لاحق ستتحدث ديانا على الملأ عن نوبات شره مرضي عانت منها كرد فعل على الإجهاد المتأتي من الحياة مع عائلة ويندسور، ومع زوجها الخائض في علاقات أخرى، بالتالي مع وحشتها نتيجة ذلك.

وكان مسلسل "التاج" أُطلق تزامناً مع بروز مزاعم تقول إن صحافي قناة الـ"بي بي سي"، مارتن بشير، استخدم أساليب دنيئة ليحظى بمقابلة مع ديانا، تلك المقابلة التي ستغدو الأكثر بقاءً في الذاكرة بين المقابلات التي أجريت في القرن العشرين، حين تلفظت ديانا خلالها بهذه الكلمات الخالدة: "كان هناك ثلاثة منا في هذا الزواج". واليوم حين يعود المرء إلى مشاهدة هذه المقابلة الشهيرة، فإنها تبدو أكثر وأكثر محاطة بأجواء غير مريحة.

في هذا السياق، فإن المقارنات بين ديانا وميغان ماركل (زوجة الأمير هاري، ابن ديانا والأمير تشارلز) لا مفر منها. إذ إن الأولى (ديانا) كانت دخيلة على الأجواء التي حلت بها وتكافح للتأقلم مع البروتوكول الملكي، والناس يقدرونها نظراً لقربها منهم وإنسانيتها، كما تطاردها الصحافة للأسباب ذاتها. أما ميغان فهي زوجة الولد الصغير الذي قيل إنه تلقى تعليمات بعدم البكاء حين مشى خلف نعش أمه. وهذه الأشياء في الحقيقة تجعل من المقارنات بين المرأتين أعمق أثراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أن ميغان اليوم ترفض السماح للتاريخ في أن يكرر نفسه. "كفى يعني كفى"، كان شعار الشريكين حين أعلنا أنهما سيتركان رابطهما (بالأسرة الملكية) ينحل من تلقائه، وذلك بعد وقت قصير من اعتراف ميغان بأنها "ليست على ما يرام" ضمن وثائقي على قناة "آي تي في" ITV.

ومنذ تخطيهما تلك العقدة، راح كل من ميغان وهاري يظهران في الإعلام، وقد انخرطا على نحو مكثف في الأعمال الخيرية، وراحا يفصحان عن آرائهما السياسية، وآخر تلك الآراء تمثل بإعلان ميغان عن دعمها لحركة "حياة السود مهمة" Black Lives Matter وإدانتها للتمييز العرقي الممنهج. ثم أتت مقالتها البالغة الأسى في صحيفة "نيويورك تايمز"، التي كشفت فيها عن تكبدها خسارة حملها في الصيف الفائت، لتمثل الواقعة الأحدث من سلسلة وقائع تسمح فيها ميغان لنفسها بإظهار وجهها الإنساني، وعدم السماح لأي شخص آخر أن يروي قصتها. وفي هذا السياق، تصف المقالة في "نيويورك تايمز" اللحظة التي عانت فيها ميغان الخسارة. فتكتب دوقه ساسيكس "عرفت منذ أن احتضنت وليدي الأول، بأنني سأخسر الثاني". كما تصف ميغان المكوث في المستشفى و"مشاهدة انكسار قلب زوجي وهو يحاول التقاط أجزائي (أجزاء روحها) المحطمة".

وفي الواقع فإن هذه المقالة تأتي بعد فترة قصيرة من قيام عارضة الأزياء والكاتبة كريسي تيغين بنشر على "إنستغرام" صورة لنفسها في المستشفى، إثر ولادة طفلها ميتاً. وتنوعت الردود على ذاك الذي نشرته تيغين، بين رسائل وتعليقات متعاطفة من أصدقائها، ورسائل امتنان وعرفان بالجميل من أهلٍ مكلومين جراء تكبدهم تلك الخسارة ذاتها، وإشادات من جمعيات خيرية بشفافيتها وصدق إعلانها عما أصابها. بيد أن تلك الردود تضمنت في المقابل تعليقات ازدراء وضغينة، كتبها أشخاص اعتبروا ما أوردته تيغين شديد الخصوصية لا ينبغي نشره. وكان أن تناثر ألمُ تيغين عبر شاشات التلفزة، فتم تناوله كموضوع لمناقشة مسألة إن "كنا نبالغ في النشر" على منصات التواصل الاجتماعي. وفي خضم كل ذلك جرى إغفال مغزى ما نشرته تيغين، بالتالي طُمس ألمها كلياً.

وهكذا فإن العديد من ردود الأفعال تجاه مقالة ميغان ماركل (في "نيويورك تايمز") بدا سلفاً على هذا النحو – وهي بالتالي عليها أن تكون مستعدة لمواجهة الأمر. إذ إن الضراوة السائدة على "تويتر" لا تعرف حدوداً، وميغان نفسها سبق أن واجهت سخطاً عنصرياً وجنسانياً وقومياً أطلقه تجاهها أشخاص يعتبرونها دخيلة على عالمهم. وهذا ما جعل مقالتها في الحقيقة تعبر عما هو أبعد من تجربتها الشخصية. إذ إن دوقه ساسيكس تذكر واقعة قتل جورج فلويد، وبريونا تايلور (فتاة أميركية من أصل أفريقي في الـ26 من عمرها قتلتها الشرطة في منزلها بمدينة لويزفيل في مارس/ آذار 2020)، وحكاية المرأة الباكية التي صادفتها مرة على الرصيف بمدينة نيويورك، وذلك في سياق مناشدتها الناس التحلي بالرحمة.

من هنا، فإن متابعة الموسم الرابع من مسلسل "التاج" على "نتفليكس" تُشكل اليوم تذكيراً صارخاً بالمعاملة الفظة التي لاقتها ديانا على يد زوجها والدائرة الأوسع للعائلة الملكية وبعض الصحافة. وقد اعتمد مؤلف المسلسل، بيتر مورغان، في بعض أجزاء عمله منحى مزداناً بمؤثرات دراماتيكية، الأمر الذي لاقى رفضاً، كما قيل، من قبل الأمير تشارلز. بيد أن مقداراً من المسلسل جرى استلهامه من كلمات ومرويات الأميرة ديانا نفسها، وأفراد كثر آخرين كانوا مقربين من العائلة الملكية في ذلك الوقت. ونحن نعلم أن الكثير من تلك الأحداث هي وقائع حقيقية، إذ إننا نذكر معايشتنا لها وهي تتكشف للعلن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا الإطار يقوم كل من ميغان وهاري باستخدام دورهما الجديد، كفردين منفيين من الأسرة الملكية، كي يثبتا اللمسة الإنسانية التي طالما ثابرت تلك الأسرة في الاعتراض عليها، على رغم ما تمثله هذه اللمسة منذ زمن بعيد، من أمر تلح الحاجة إليه. لهذا السبب فإن مقالة ميغان ليست مجرد اعترافات شخصية صارخة – على الرغم من أنها ستترك انطباعاً إيجابياً بعيد الأثر على أولئك النسوة اللواتي يتكبدن خسارة حملهن، ويشكل مجموعهن معدل واحد من كل أربع نساء في بريطانيا – بل هي التماساً قلبياً ودعوة مخلصة. كما أنها (المقالة) كافية كي تجعلنا نسأل من جديد؛ متى سيتوقف الناس عن الضجيج ويبدؤون السمع والاستيعاب.

© The Independent

المزيد من آراء