Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاستدانة تطيح بالاقتصاد السوداني

أسعار السلع تجاوزت 600 في المئة

رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك يرى أن أصعب قرار يمكن أن تتخذه الحكومة رفع الدعم (رويترز)

يشهد السودان موجة متصاعدة ومتوالية في الأسعار لمختلف السلع، بنسبة تجاوزت الـ 600 في المئة خلال فترة وجيزة، ما أحدثت احباطاً وضغطاً معيشياً على المواطن السوداني، الذي أصبح عاجزاً عن مواكبة هذا الارتفاع المستمر لكونه تعدى إمكانياته المحدودة.

لكن ما هي رؤية الباحثين والاقتصاديين السودانيين لهذا الوضع الاقتصادي المتردي، والسبل الكفيلة للخروج من هذه الأزمة المستفحلة؟، وما أفضل طرق العلاج لوقف نزيف الأسعار، ووضع حدّ لزيادة التضخم الذي بلغ معدلات قياسية لم تشهدها البلاد من قبل؟

في هذا السياق، أكد أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية حسن بشير محمد نور أن ما يمرّ به السودان من ارتفاع متوال للأسعار وضغوط اقتصادية على أصعدة مختلفة، سببه الإجراءات غير الموفقة التي اتخذتها الحكومة الانتقالية في هذا الجانب الاقتصادي، ما زاد الطين بلة، إذ ظللنا كاقتصاديين ننصح بضرورة الابتعاد عن رفع الدعم عن السلع الأساسية خصوصاً الوقود لتأثيره المباشر في الأسعار من ناحية ارتفاع تكاليف النقل، وطالبنا بأن تتبع الحكومة بدلاً من ذلك إجراءات إصلاحية، لكنها ذهبت في اتجاه مغاير تماماً، وذلك بإحداث اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل تجاوزت تحفظات الصندوق، ما زاد من معاناة المواطن الذي بات لا يتحمل تلك الإجراءات القاسية والأوضاع المتردية.

أضاف، "على الرغم من اتباع تلك الشروط والإجراءات الضاغطة معيشياً، لكنها لم تؤد إلى حلّ أي مشكلة، بل أسهمت في اشتعال الأسعار بشكل كبير، وأصبحت هناك فوضى واختلالات في الأسواق، وعدم رقابة، بسبب زيادة تكاليف الإنتاج، كما أن السودان لم يستفد حتى الآن من الجوانب المتعلقة بالحصول على قروض من مؤسسات التمويل الدولية، وكذلك من مبادرة الدول الفقيرة الخاصة بالإعفاء من الديون، أو من ناحية استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتحويلات السودانيين في بلدان المهجر والاغتراب".

حالة طوارئ

وأوضح محمد نور أن "التأثير الذي يمكن أن يحدثه التضخم المتصاعد له جوانب عدة، فالسودان حالياً يواجه مشكلتين كبيرتين ستؤثر سلباً في اقتصاده، أولهما تفشي كورونا بشكل ملحوظ هذه الأيام ما سيزيد من الإنفاق ويقلل من حجم الإيرادات، وثانيهما تنفيذ توصية اتفاق السلام الذي وقعته الحكومة السودانية مع الحركات المسلحة في جوبا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فمثل هذه المشكلات وما تخلقه من أزمات ستؤدي إلى تعقيدات سياسية واجتماعية داخل المجتمع بسبب زيادة المعاناة في مستويات الفقر، والانخفاض في تلبية الضروريات، فقد تقود إلى احتجاجات وخلل اجتماعي وأمني، وهو ما يشكّل فرصة يستغلها أعداء الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، بعد أن أنجزت البلاد أعظم ثورة في تاريخها، فهناك بلا شك خيبة أمل في أجهزة الحكم وعجزها في معالجة القضايا الاقتصادية الأساسية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن ما هي المعالجات لمثل هذا الوضع؟، يجيب أستاذ الاقتصاد السياسي قائلاً، "إصلاح هذا الوضع المتأزم يستدعي اتباع الحكومة الانتقالية في البلاد حالة طوارئ لتعبئة مواردها المحلية واستقطاب دعم دولي، ففي ما يتعلق بالموارد المحلية، لا بدّ من الاستفادة من الأموال التي وفرتها لجنة إزالة التمكين من عناصر النظام السابق، والعمل على تشغيل العديد من المشاريع المنتجة في المجالات كافة، وإمكانية التفاهم مع الشق العسكري للاستفادة من الموارد الكبيرة التي يديرها في مجال الصناعات العسكرية، وكذلك التركيز على الموارد ذات القيمة المضافة، ووضع أولويات للإنتاج، والصادرات، وتوفير السلع الأساسية كالوقود والأدوية والدقيق، وضبط الأسواق، ومحاربة عمليات التهريب، وإيقاف استيراد السلع الكمالية وغير الضرورية مثل العربات، وتوفير النقد الأجنبي للضروريات، فضلاً عن معالجة السياسات المالية والنقدية".

موارد تقليدية

وفي سياق متصل، أوضح المحلل المالي والاقتصادي السوداني طه حسين أن "الاشكالية التي يعاني منها السودان اقتصادياً تعود إلى عدم توافر موارد حقيقية للدولة، حتى أن المؤشرات التي تعتمد عليها الحكومة السودانية في الموازنة تعتبر تقليدية، بالتالي، يحتاج الوضع حالياً إلى تغيير المنهج المتبع في الموازنة ودعمها من خلال إيجاد إيرادات حقيقية غير تقليدية، فضلاً عن الحاجة إلى دعم خارجي كما حدث عام 2019، حيث قدم صندوق النقد العربي 300 مليون دولار، والصندوق الكويتي 200 مليون دولار، والبنك المركزي الإماراتي 200 مليون دولار، والصندوق السعودي 250 مليون دولار، كما كان هناك وعد بمنح السودان من الدول الصديقة ملياري و500 مليون دولار، ما أحدث نوعاً من الاستقرار في الأسعار والتوازن الاقتصادي، لذلك لم تشهد تلك الفترة أزمات، لا سيما على صعيدي الوقود والخبز".

أضاف، "الآن الوضع يتجه نحو الأسوأ في ظل تنفيذ اتفاقية السلام التي بموجبها سيتم استيعاب جيوش الحركات المسلحة في المنظومة العسكرية، وزيادة عدد الوزارات وأعضاء مجلس السيادة وغيرها من الوظائف القيادية الأخرى، مقابل زيادة الصرف، وارتفاع نسبة التضخم التي بلغت 229 في المئة، وزيادة معدلات البطالة التي تجاوزت 19 في المئة، ويوجد ثمانية ملايين مواطن سوداني عاطلين من العمل، إلى جانب شح الموارد واستغلالها بصورة غير مثالية، وتفشي كورونا خلال الموجة الثانية وما ستحدثه من تحديات، فضلاً عما أحدثه تحرير أسعار الوقود من أثار سلبية على المستوى العام، ومن ناحية تسببه في ارتفاع الأسعار بسبب زيادة أسعار النقل، وكذلك رفع أجور موظفي الدولة بطريقة غير مدروسة، وهي جملة من التحديات التي قادت إلى هذا الوضع المتأزم"، ولفت إلى أن من الاشكاليات التي تواجه الاقتصاد السوداني وأسهمت في تراجعه مسألة الاستدانة من البنك المركزي، من خلال طباعة النقود بطريقة غير محسوبة، الأمر الذي يعتبر خللاً في السياسة المالية والنقدية سيؤثر بشكل واضح في الارتفاع المستمر للأسعار.

دعم الإيرادات

وتابع حسين، "كذلك من المشكلات الاقتصادية في البلاد أن هناك خللاً في حصائل الصادرات، وهو أمر يتطلب المعالجة سريعاً لأهميته في توفير العملات الأجنبية، كما أن محفظة السلع الاستراتيجية المعنية بتوفير السلع قامت بدور أكبر من طاقتها، لكن تظل بحاجة لدعم من قبل الدولة، بالتالي، فإن مجمل هذه الأسباب إذا لم يتم التعامل معها بجدية فستستمر الأسعار في التصاعد من دون توقف"، مبيناً أنه إذا ما قارنا التضخم الحالي على المنصات الرسمية للدولة مثل مؤسسة الإحصاء والبنك المركزي السوداني فنجده غير حقيقي، لأن  زيادة الأسعار في بعض السلع تضاعفت 500 في المئة و600 في المئة، بينما تشير الجهات الرسمية إلى أنها تضاعفت 300 في المئة، فما يحدث الآن شبيه بما جرى عام 1990، حيث واجهت البلاد إشكاليات كبيرة في التمويل، فضلاً عن ارتفاع معدلات الأسعار والتضخم والبطالة، فقد كانت تلك الفترة بداية لنظام جديد، والآن السودان يمر بفترة انتقالية.

ورأى حسين أنه لا بد أن تعتمد المعالجات لمثل هذا الوضع على دعم الإيرادات من خلال الاعتماد على الانتاج بطريقة عملية، خصوصاً المحاصيل النقدية كالسمسم والفول السوداني، وغيرها، إضافة إلى العمل على تطوير الصادرات، وهو يتطلب تفعيل العمل في الموانئ وإزالة العقبات التي تعترض المصدرين بإنهاء المعاملات والإجراءات في أوقات قياسية لا تتعدى الثلاثة أسابيع بدلاً من الأربعة أشهر.

ترشيد الدعم

في غضون ذلك، أشار رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك، إلى أن أصعب قرار يمكن أن تتخذه الحكومة هو رفع الدعم، فالحكومة منذ توليها المسؤولية تحدثت عن ترشيد الدعم، مؤكداً أن الحكومة تدعم ثماني سلع، وتم رفع الدعم عن سلعتين فقط هما البنزين والجازولين، وكان قراراً صعباً جداً وليس سهلاً.

وبيّن في حوار مع تلفزيون السودان الأحد 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، أن ظاهرة الصفوف على محطات الوقود، ليست مرتبطة بالوفرة، لكن لها علاقة بمشكلات فنية وإدارية وأخرى تتعلق بالتهريب والفساد، متعهداً بالقضاء على تلك الظاهرة، وحلها، إلا أن 40 في المئة من إنتاج الوقود كان يتم تهريبه بسبب السعر المتدني، ولفت إلى أن حكومته تتجه لتوحيد سعر الصرف ليكون معبراً عن سعر العملة السودانية، نافياً أي اتجاه لتحرير سعر الصرف، إذ سنتبع سياسة سعر الصرف المرن المدار ليلائم وضعنا الحالي، وأشار إلى الرغبة في التوافق مع السودانيين على برنامج اقتصادي، عبر وصفة اقتصادية تناسب البلاد، موضحاً أن الحكومة حين بدأت الحوار مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تم الاتفاق على رفع الدعم عن سلعتين وإبقائه على ست سلع، وعلى دعم الإنتاج وليس الاستهلاك، وأكد أن السودان بلد غني بالموارد، ولا يحتاج إلى الهبات والعطايا، فالاعتماد الأساسي هو على مواردنا.