Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنانيون يعودون إلى الزراعة حنينا وخوفا ولا استراتيجية

موازنة الوزارة محدودة وتُصرف على الرواتب من دون برامج تنموية

يحتج المزارعون في لبنان على فوضى السوق وعدم دعمهم (اندبندنت عربية)

قرون مضت، وما زال الحلم اللبناني بالعودة إلى مرحلة "إهراءات روما"، نظراً للإنتاج الزراعي الغزير من سهوله الخصبة. يُعد هذا الطرح مُغرقاً في التفاؤل والخيال، لأن شُح الدولار أرخى بظله على سائر مجالات الحياة اليومية اللبنانية. أضف إلى ذلك، غياب متطلبات الزراعة الحديثة من طاقة مستدامة، وبُنى تحتية مجهزة، وخبرة علمية متطورة، ومياه ري نظيفة.

اقترن طرح العودة إلى الزراعة بالعودة إلى الجذور طوراً، وبتأمين الحاجات الأساسية طوراً آخر. وفي سائر الأحوال، فإن هذه التجارب لم ترقَ إلى مرحلة تحقيق الفائض في الإنتاج. ودخلت في إطار التسلية وتمضية أوقات الفراغ في فترة الحجر الصحي.

تُخبرنا رولا كيف أسهمت كورونا في قيامها بالعمل الزراعي، وهو أمر كان غير ممكن التحقيق في السابق. فهي ابنة عائلة عاشت حياتها في المدينة، وتجهل كيفية التعامل مع النباتات والشتول. كما أنها تعمل مدرسة بدوام كامل. تروي كيف بدأت الزرع، وقد شجعها على ذلك زوجها المقيم في إحدى الدول الأفريقية. استهلت مشوارها بزراعة الشتول الموسمية، التي أثمرت خلال فصل الصيف. وتتحدث عن اختبارها للنكهات اللذيذة، من البندورة إلى الفليفلة، والباذنجان. ومع نجاحها في زراعة الحديقة المحاذية لمنزلها الواقع في قضاء الكورة، انتقلت إلى مرحلة جديدة، ألا وهي زراعة بعض الأشجار كالجوز.

ترسخت عادات العناية بالمزروعات في سلوك العائلة. لذلك تحول سقي الأشجار إلى طقس من الطقوس اليومية. حاولت العائلة توسيع نطاق نشاطها الزراعي، فاشترى رب العائلة خروفين، وكانا بمثابة تسلية للأطفال والأسرة، إلا أنه مع الوقت وعندما كبرا باعتهما لأن "العائلة غير معتادة على تربية حيوانات تحتاج إلى رعاية خاصة وخبرة طويلة".

تشكل تجربة هذه الأسرة صورة عن عشرات العائلات التي ساد لديها اعتقاد بأن "زراعة حديقة المنزل ستقيها المجاعة الزاحفة". وقد تعرفت للمرة الأولى على المشاتل الزراعية، وتهافتت لشراء الشتول والشجيرات المثمرة. وزينت شرفاتها بألوان مختلفة من المزروعات التي لا تحتاج إلى حيز كبير.

أزمة الزراعة والمزارعين

بعيداً من "هواية الزراعة"، يعيش محترفو "إحياء السهول والحقول" أزمة كبيرة. فقد اعتادوا في كل موسم على إغلاق الطرقات، ورمي منتجاتهم في الطرقات احتجاجاً على تدني الأسعار وفوضى السوق المفتوحة على تهريب المنتجات المنافسة من البلدان المجاورة. وتواجه الزراعة في لبنان منافسة من مصر، وسوريا، والأردن.

تختصر حالة مزارعي عكار الأوضاع الزراعية العامة في لبنان، يصف حسين رفاعي (نقيب المؤسسات الزراعية) الواقع بالكارثي، لأن الزراعة يتيمة في لبنان ولا يوجد من يُدافع عنها. ويتحدث عن توقف عدد كبير من المزارعين عن العمل، ويشير إلى أنه "من أصل ما يزيد على 100 ألف بيت بلاستيكي في عكار، لم يُستصلح أكثر من 15 ألف خيمة فقط". وهذا الأمر ينسحب على سائر المزارعين في لبنان، من عكار إلى البقاع.

ويطالب رفاعي بدعم الإنتاج الزراعي ومتطلباته، وبالعودة إلى الرزنامة الزراعية التي تؤمن الحماية الموسمية للإنتاج اللبناني من بطاطا وحمضيات وخضار. ويتحدث رفاعي عن التهريب باتجاه واحد من سوريا إلى لبنان من دون حسيب أو رقيب، معتقداً أن تطبيق اتفاقية التيسير العربية، يتم على حساب المزارع اللبناني حصراً لأن "الأقوى هو من يفرض إنتاجه".

يتطرق رفاعي إلى غلاء السلع الزراعية في لبنان، ويجيب عن سبب ارتفاعها إلى حدود قياسية خلال مواسمها، ويُعيد ذلك إلى غلاء البذور والأسمدة الكيماوية، وعدم دعم الدولة للاحتياجات بالقدر الكافي. وقد انعكست أزمة حجز الودائع في المصارف اللبنانية، وكذلك ارتفاع سعر صرف الدولار على أوضاع المزارعين. فهم من جهة، لا يمكنهم الحصول على أموالهم المحتجزة للصمود في السوق، ومن جهة أخرى جعلهم ارتفاع أسعار البذور والأسمدة لأضعاف مضاعفة يفضلون الجلوس في المنازل على خسارة مدخراتهم في استثمارات خاسرة.

جهود الوزارة مكبلة

عند كل أزمة يتعرض لها الاقتصاد اللبناني، يطفو على السطح الحديث عن "اعتماد الاقتصاد المنتج بدلاً من الاقتصاد الريعي القائم". مع ذلك، ما زال التعامل مع وزارة الزراعة على أنها ذات أهمية ثانوية، وليست بالحقيبة السيادية، كما أن موازنتها محدودة لا تتجاوز في أحسن الأحوال 2 في المئة من الموازنة العامة، وتُصرف على الرواتب من دون البرامج التنموية. ويعد هذا الأمر صورة عن النظرة اللبنانية إلى الزراعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تُقر أوساط وزارة الزراعة بالواقع الصعب للزراعة في لبنان، وتشير إلى أنها تُحاول المساعدة ضمن حدود الممكن. وتوضح أن المصالح الزراعية في المناطق تُسهم في عمليات التنمية الزراعية والمحلية، وأنها قدمت "الجنزارة لمزارعي الزيتون لمكافحة الأمراض، والزيوت لوقاية الحمضيات، وساعدت مزارعي البندورة".

وتكشف عن إصدار بطاقات تعريف لمربي المواشي من أجل الحصول على الأعلاف والأدوية والبذور والأسمدة المدعومة. وتوضح أن بطاقة التعريف تُتيح لهم شراء السلع بأسعار مدعومة من الصيدليات الزراعية المتعاقد معها.

ينتظر المزارعون في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، الموعد المرجو لإفراج مصرف لبنان عن اعتمادات دعم السلع الزراعية، وسيسمح ذلك بتوفير الأموال لاستيراد الاحتياجات من الخارج بالدولار. وتكشف الأوساط الزراعية أن مصلحة الزراعة أمنت المساعدة بقيمة 200 دولار لمصلحة 400  مزارع  من أصل 20 ألف في عكار بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، وتم اختيارهم من "الأكثر فقراً"، الذين حال ارتفاع سعر صرف الدولار من 1515 ليرة إلى نحو 8000 ليرة دون تمكنهم من شراء البذور والسماد.

وأطلقت وزارة الزراعة إسترتيجية 2020- 2025 من أجل تطوير جودة التعليم الفني في لبنان، بالتعاون مع منظمتي الفاو واليونيسيف، وبتمويل من الحكومة الهولندية.

يعايش أصحاب الصيدليات الزراعية هذه الصعوبات، إذ يشكون تراجع المبيعات لأن عملية البيع كانت قائمة على الدفع المؤجل. فقد كان ينص العقد على دفع الثمن بعد فترة سماح تصل إلى ستة أشهر. لذلك، ينصح هؤلاء المنظمات غير الحكومية بتوجيه دعمها نحو الأنشطة المنتجة للحفاظ على الأمن الغذائي، عوضاً من هدر أموال المساعدات الدولية في غير أماكنها.

الزراعة العلمية ممكنة وضرورية

ما زال لبنان بعيداً من مقاربة علمية للزراعة. وهذا لا يحجب أن لبنان مهيأ وقادر من الناحية العلمية على تجاوز الصعوبات. ويؤكد مهندسون زراعيون توافر الخبرات العلمية في البلاد، وتمكن هؤلاء من تطوير عديد من المشروعات.

ويشير المهندس ربيع زيتونة إلى حاجة لبنان إلى نقلة نوعية من خلال الاعتماد على الدراسات والبحوث العلمية. ويؤكد غنى لبنان بكافة العوامل الطبيعية والمناخية، ويحتاج إلى توجيه العنصر البشري لاكتساب هذه المهنة من الناحية العلمية لإطلاق مشروع اقتصادي زراعي.

تسود في لبنان قناعة بأن أمنه الغذائي مهدد، لذلك توجه كثيرون نحو الاستثمار في القطاع الزراعي. وتتركز هذه المبادرات على الزراعات الموسمية كالفاصوليا والباذنجان والكوسا والخيار والبندورة. ويلفت زيتونة إلى أن هذا الأمر رافقه ارتفاع الطلب على خدمات الخبراء الزراعيين لمحاربة الآفات المستعصية، بعدما كانت الوصفات البدائية هي السائدة. وعلى سبيل المثال، فإن منطقة الشوف احتضنت  35 مشروعاً زراعياً جديداً. وهو أمر مُبشر بالخير من وجهة نظر زيتونة.

في موازاة ذلك، يتطلع اللبناني إلى وضع إستراتيجية واضحة. وفي هذا المجال يمكن الانطلاق من تحصين "المشروع الأخضر" وتفعيله، وهو مشروع أُطلق في عهد الرئيس فؤاد شهاب عام 1963، وهدف إلى زيادة المساحة المزروعة، وتمكين العاملين في النشاط الزراعي وتثبيتهم في أرضهم، وتطوير العمل الزراعي وإنتاجيته، وشق الطرقات الزراعية.

من هنا، يتضح أن إستراتيجية تطوير الزراعة عملية شائكة. ترتبط بصورة أكيدة بالوضع الاقتصادي والنقدي العام، والنظرة إلى دور لبنان في المحيط. عليه، هل سيستمر لبنان في لعب دور الوسيط الخدماتي بين الغرب والداخل العربي؟ أم أنه سينتقل إلى الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وطاقاته البشرية والمعرفية؟

المزيد من تقارير