Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بداوة الإبداع كما عاشها فرانز فرفل بين براغ وكاليفورنيا

"رجل المرآة" ثلاثية تستكمل "دمشق" سترندبرغ وتخوض "رهان فاوست"

من تقديم معاصر لـ"رجل المرآة" (غيتي)

...وإن كان فرانز فرفل قد كتب كثيراً خلال العقد الثاني من القرن العشرين وقُدمت من كتابته مسرحيات عديدة، فعليه أن ينتظر بداية العقد التالي قبل أن تتحقق له شهرة واسعة ككاتب مسرحي كبير ترتبط كتابته بالتحليل النفسي الذي كانت علاقته بالفن جديدة حينها. أما علامة ذلك فـ "ثلاثيته" التي ستعم شهرتها النصف الأول من ذلك القرن وتقدمه للمتفرجين والأوساط النخبوية خير تقديم، وهي عُرفت كـ"رجل المرآة" مع عنوان ثانوي "ثلاثية السحر".

تتوزع "رجل المرآة" ثلاثة أجزاء، "المرآة" وتتألف من فصل واحد؛ و"بدائل" في ثمانية فصول؛ و"النافذة" في ستة فصول. كتبها فرفل عام 1920 لينشرها في العام نفسه وتقدم بعد ذلك بعام عرضاً أولاً في لايبزغ، مضفية على كاتبها سمعة أوروبية كانت شيئاً جديداً في ذلك الحين، بخاصة أن من تناولوها بالكتابة اعتبروها تصويراً قوياً للصراع بين الظاهر والباطن، بين الأنا كما يتصورها صاحبها، والأنا كما هي في الحقيقة، ما ربطها مباشرة بالنصوص الفرويدية. إلى ذلك ثمة من أضاف أنها تربط بين فرويد وما توخّى غوستاف سترندبرغ قوله في "إلى دمشق" التي اعتبرت دائماً من أقوى مسرحيات هذا الكاتب السويدي، مرورا بنوع من التحديث المعاصر لـ"فاوست" غوته. ولنا أن نتخيل كيف أضفى هذا كله على عمله نخبوية وشعبية في الوقت نفسه.

في انتظار نضوج لن يتحقق

تدور "الثلاثية" حول الفتى الثري ثامال الذي يقرر يوماً الانتساب إلى دير شرقي متخلياً عن متع حياته، لكن القيّم يرفضه باعتباره غير ناضج. بالتالي ينظر ثامال إلى صورته في المرآة ويقرر محوها على اعتبار تعكس أنانيته وعدم نضوجه، لكن "رجل المرآة" يقفز منها ليقنع ثامال بالخروج من الدير لأن مهمته تحرير الإنسان فيفعل. في القسم الثاني، نعود إلى دارة ثامال حيث يقدم على قتل أبيه إثر مشاجرة بينهما. ثم يحضر عرس صديقه المفضل ديشاليفار فيقع في غرام العروس آمفيه التي يرحل معها. سرعان ما يسأمها ويرحل تاركها حاملاً بطفلهما. يسمع بدير آخر يديره آناثاس القس الأفعى، فيعتقد أن مهمته التحريرية تبدأ هنا فيهاجم آناثاس ويهزمه فيما يتنبأ هذا بأن ثامال سيبقى قادراً على القيادة طالما بقيت نواياه صافية. هنا يعلن رجل المرآة للجماهير الفرحة أن ثامال هو إلهها، ما يتيح لآناتاس عودة مظفرة فيما يبادر ثامال بالهرب أمام غضبة الجمهور متخلياً عنه رجل المرآة.

يقودنا هذا إلى القسم الأخير إذ يطالعنا ثامال متشرداً في الصحراء حيث يلتقي آمفي التي ترفض العودة إليه على الرغم من توسلاته وتدله على القبر الذي دفنت فيه طفلهما. إثر ذلك يشهد ثامال دفن صديقه ديشاليفار، وحين يحاول رجل المرآة التكلم في الجنازة يعمل ثامال على قتله فيخفق ليجد نفسه قيد المحاكمة في الجنة على الرغم من مسامحته من الذين خيّب آمالهم على الأرض، يقرّ بذنوبه ويودع السجن فيبذل رجل المرآة جهوداً كبيرة لتهريبه لكنه يعجز. في النهاية حين يبدأ ثامال بتجرع كأس السم يعود رجل المرآة إلى مرآته التي تتحول إلى نافذة ترمز إلى أعلى درجات الحياة النقية الكاملة.

بداوة من قارة إلى أخرى

ولد فرانز فرفل في براغ، ومثل فرانز كافكا، ارتبط معها بصداقة، كتب أعماله بالإلمانية، ليعتبر واحداً من أبرز كتّابها في النصف الأول من القرن العشرين. في عام 1945، توفي في الولايات المتحدة في ضاحية بيفرلي هيلز الكاليفورنيّة.

بين الولادة في براغ، والرحيل في كاليفورنيا، عاش فرفل حياة بداوة حقيقية، بالمعنى الحرفي للكلمة إذ عاش في فيينا ولايبزغ وهامبورغ بعد براغ، ثم في باريس ولندن قبل كاليفورنيا؛ وبداوة بالمعنى المجازي، حيث نراه يتنقل بين كتابة الشعر والمسرح والنقد والراوية ويخلّف في كل فرع أعمالاً مؤسّسة لا تتوقف عن طرح أسئلتها على العالم وعلى الذات، ودائماً انطلاقاً من إيمان عميق بالحب والسلام، ومن تجربة حرب العالمية الأولى التي خاضها أعوامها الأولى، التي قادته إلى اختبار موهبته المسرحية عبر اقتباس "الطرواديات" ليوريبدس لتحويلها إلى مسرحية مليئة باليأس.

قبل ذلك خاض فرفل تجربة الكتابة الشعرية وأصدر مجموعته الأولى "صديق العالم" في 1911 في الحادية والعشرين من عمره وهي مجموعة ألحقها خلال السنوات التالية بأخرى مثل "نحن نكون" (1913) و"الواحد الآخر" (1915) قبل أن يشترك بعد ذلك، في لايبزغ، في تحرير المجلة الشعرية "يوم القيامة".

الخلاص في المسرح

لم يجد فرفل ضالته التعبيرية الحقيقية إلا في المسرح، إذ إن النجاح الذي حققته "الطرواديات" دفعه إلى كتابة تلك الثلاثية التي لم تعتبر يومها أمراً عظيماً، لكنها اليوم من أفضل ما كتبه مع روايته الشهيرة "أيام موسى داغ الأربعون" (1933)؛ ونعني طبعاً "رجل المرآة" التي كانت بالنسبة إليه ما كانته "فاوست" بالنسبة إلى غوته مثلاً، إذ بعيداً عن أحداث أجزائها الثلاثة المعقدة، كان الصراع الأساسي في العمل كما أشرنا، بين "الأنا" الظاهرة الشكلية، و"الأنا" الأخرى الأساسية الباطنية. اليوم قد تبدو مثل تلك المحاولة أمراً رائجاً، بعد ذيوع التحليل النفسي والتفسيرات التي تعطى مثلاً لـ "هاملت" شكسبير. لكن في ذلك الحين كان من الأمور الهرطوقية أن يحوَّل الصراع الدرامي المسرحي إلى صراع داخلي (جوّاني). ومن هنا فإن "الثلاثية" لم تستقبل جيداً، وفضّل النقاد والمتفرجون، مسرحيته التالية "خواريز وماكسيميليان" لأنها كانت أكثر خطيّة ووضوحاً، و"بول بين اليهود" (1926) لأنها، ودائماً بشكل خطي، عرفت كيف ترسم صورة واضحة للصراع بين الإيمان الخلاق والقانون الصارم الميت.

تلك الفترة استقر فرفل في فيينا ثم بالقرب منها، بعدما تزوج من أرملة الموسيقي غوستاف ماهلر، ولعل زواجه منها ألهمه واحدة من أهم الروايات التي راح يكتبها منذ ذلك الحين، ونعني رواية "فردي" (1924) التي تتحدث عن حياة صاحب "عايدة" وصراعاته الداخلية، لكنها - والأهم - عن الصراعات المعتملة في داخل فرفل نفسه، بين تطلعه إلى المثل العليا واكتشافه عادية البشر وأفكارهم. وكان سبق له أن عبّر عن ذلك، ثم دائماً عن الصراع بين المظاهر والبواطن، في نص غير مسرحي آخر كتبه في 1920 بعنوان "ليلة الجريمة: المذنب هو الضحية". مهما يكن فإن هذين النصين انطبعا بما كان فرفل مهتماً به في ذلك الحين من اكتشافات التحليل النفسي ولعبة "الأنا" و"الأنا العليا". وهي سرعان ما تجلت في "يوم الفائزين بالبكالوريا" (1928) بكل وضوح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من أجل التعددية بين البشر

منذ ذلك الحين كان فرفل أصبح معروفاً وذا مكانة راسخة. تقدّم مسرحياته من أهم المخرجين وأولهم رينهاردت، وتُطبع رواياته وتقرأ على نطاق واسع، بخاصة أن دعوته فيها على الدوام تعددية تؤكد غنى البشر وقدرتهم على التبادل الثري في ما بينهم. ومن أبرز أعماله في سنوات الثلاثين "اخوة نابولي" و"مملكة الله في بوهيميا" (1930) التي تتحدث عن مأساة يعيشها مسؤول ديني على نحو ستذكّر به، لاحقاً، بعض أعمال غراهام غرين. وإلى تلك الفترة أيضاً تعود كتابته لرواية "أيام موسى داغ الأربعون" التي يعتبرها النقاد من أهم أعماله وأبرزها.

في 1938 وكان في قمة مجده، هرب فرفل من النمسا، بعدما ضمّها هتلر، إلى فرنسا. وفي 1940 هرب من الأخيرة أمام وطأة الدخول النازي إليها. وتوجه إلى الولايات المتحدة حيث أمضى آخر سنواته، كاتباً بعض أعماله الأخيرة، بخاصة "نجمة رجال لم يولدوا بعد" التي أنجزها قبل أيام من رحيله في أغسطس (آب) 1945.

المزيد من ثقافة