Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السيرة الذاتية تنفتح على البعد الصوفي في رواية "سلطان الغيب"

اليمني عمرعبد العزيز يرسم شخصياته عبر "موشور" الذات والجماعة

مشهد من مدينة صنعاء القديمة (غيتي)

بعد الكتابة الفكرية والصحافية، وبعد الفن التشكيلي، مضى عمر عبدالعزيز إلى الرواية في "سلطان الغيب" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2020)، التي أهداها إلى إبراهيم الكوني. وفي الإهداء يعبر الكاتب عن نظرته لروايته بوصفها السردية المتناثرة وفق تأصيل البوصيري للجمال في قوله، "فالدرّ يزداد حُسناً وهو منتظم وليس ينقص قدراً غير منتظم" لكأن الكاتب يشرّع ما قد يكون في روايته "غير منتظم"، من لعب أو فوضى، حيث تنصرف العناية إلى "الشكل". وهذا ما ينظّر له بالاعتماد على ابن عربي في عتبة الرواية، حيث الدعوة إلى التلذذ بالأشكال "المغاني"، فإذا فكرت فقط في "المعنى" انحجب حسك عن التلذذ بالمغاني، والعكس غير صحيح، فإذا "سرى حسك في المغنى لم ينحجب سرّك عن مشاهدة المعنى".

التخييل الذاتي

يرمح التخييل الذاتي في هذه الرواية من الحفيد "السارد/ الكاتب" إلى الأب إلى الجد، بين السيرة والرواية، بين الواقعي والتاريخي والمتخيل. فالجد الأكبر "الطيار" أورث الجد المباشر الشغف بالطب، فكان سعيه خلف الأدوات الجراحية، كما كان عاشقاً للنباتات الطبية، وهذا ما أورثه بدوره إلى والد الكاتب الذي ورث لقب "المجارح" من ممارسة الجراحة.

يطلق الكاتب التخييل الذاتي منذ مولده الأسطوري من الأم الصومالية الخلاسية ابنة الصومالية. ويرسم الكاتب تطوره المعرفي والروحي عبر "رحلات/ مفاصل" حياته، في الصبا إلى المدرسة الإيطالية، أو في الدراسة إلى بوخارست، أو إلى العمل في الإمارات وعدن، وإذا بهذه الشخصية الروائية المحورية هي المخطوف بالمنطق الرياضي الجبري، المعلق بين قطبي المعرفة والبرهان.

عبر "موشور" السيرة والذات ترتسم الشخصيات الروائية موسومة جميعاً بالغرائبي والاستثنائي، وبذلك يندغم الفردي بالجماعي ليقوم عالم غرائبي لا فكاك من غوايته، ابتداء بلبوسه اللغوي الملون بألوان الشخصيات والمواقف، على الرغم من محاولة اللغوي الصوفي الهيمنة في مطرح أو آخر، فالجد الطيار يتكلم كأنه ابن عربي كقوله، "نحن أهل عبارة لا نعول على الإشارة". وعن عباس عبدالعزيز شقيق الكاتب، يقول عارفوه إنه كان من المستغرقين في الفكر والرؤى كما كان من أوائل "اليساريين الإنسانيين". وثمة البهلول دمدم الذي تعالج أبخرته السحرية الأمراض إلا داء النسيان، ولهذا الداء انبرى مصور الحارة الملقب بالأعور، فهو يعالج النسيان بالكاميرا، لكنه وقع في مصيدة قاتلة إذ أصيب بداء عدم النسيان.

عن دمدم الذي تُعنى به سيدة الصمت زينب، قيل إنه سقط من علياء المجهول، قادم من اللامكان، يتسامى عن اللغة السائدة، لذلك يتكلم كطفل في عامه الأول، ولغته الخاصة عبارة عن خوارزميات صوتية غير منتظمة. أما "العابر" الموهوب لغوياً فهو من الممنوحين الممسوسين بتقمص الأرواح المحلقة في سماوات الجغرافية. ومن الشخصيات النسائية في فصل "القديسة" اعتدال التي تداوي الناس بلمسة من يدها، والماء في يدها يتحول إلى علاج لأمراض الجسوم والنفوس. ومع شخصية الحاجة بلّة تتحدث الرواية عن نموذج هيليني للأنوف الصومالية الدقيقة، وعن العينين اللمّاحتين الغائرتين في لجة المعاني الكاشفة. وهذه الشخصية التي ورثت عن أبيها كبر الأذنين والقدرة الفائقة على السماع، كانت في طفولتها المرجع للتوقعات الجوية، فبإصاخة السمع تحدد قدوم الرياح والأمطار، وتنذر بقدوم الجراد. ومثل زرقاء اليمامة، أشارت وهي في الـ 90، قبل قدوم حملة "إعادة الأمل" الأميركية إلى ساحل مقديشو الطويل قائلة، "من هنا سيأتيكم العدو". وكانت الحاجة بلّة دائمة النظر إلى بحر "الليدو" الكبير، وتشير إلى مرئيات لا يراها غيرها قائلة، "ها هي سفن العدو قادمة".

تعود الرواية مع المجذوبة مريوم إلى أربعينيات القرن الـ 20، زمن هذه القادرة على إسكات الكلاب النابحة ليلاً بالإشارة، وبالصفير تستدعي أسماك الخليج. وقد جاءت هي الأخرى كدمدم من اللامكان، وتنتمي إلى زمن يصل الماضي بالمستقبل.

"ومريوم من قبيلة المتبهللين القادرين على الطفو فوق الأنواء والسير على الماء والتحليق في الهواء والتحاف السماء ومخاطبة الطيور العابرة كما السحب المسافرة".

لا يغيب التناسخ عن هذا العالم الروائي الغرائبي، فمريوم التي نظر إليها بعضهم كمجنونة تتناسخ في فصل "المنسوخة" إلى أن تشرف في نهاية القرن الـ 20 على الخليج، ثم تتابع إلى 2030، وإذ تقرر مريوم التحليق من الماضي إلى المستقبل ترى ديناصورات العصر الرقمي الفادح للآلات العاتية، وحيث يوم الوعد الأكبر، يوم التنفيذ الجهنمي لمشاريع الألفية الجديدة. وفي هذا المستقبل ينشق القمر ويرمي الأرض بحجرة كوكبية، ويقترب من الأرض متجهماً، فيتعطل الفتح العلمي الفائق للإنسان، وهو ما تسميه الرواية بالمتغير الأكبر. لكن الرواية لا تنقفل على هذا الكلح، بل تجعل الفن التشكيلي علامة ما بعد عصرنا، علامة المستقبل، وعمر عبدالعزيز فنان تشكيلي أيضاً.

لعمر عبدالعزيز سرديات أخرى غير هذه الرواية مثل، النسيان ومنازل الرؤية ومريوم والشيخ فرح. ولبعض تلك السرديات اشتباكه مع "سلطان الغيب"، ويسميه الكاتب "فن الترجيع"، وهو ما يعرف بالتناص الذاتي.

الموسيقى روائياً

كانت الموسيقى الأوبرالية الإيطالية تمنح عمر عبدالعزيز في المرحلة الابتدائية من دراسته، قدراً كبيراً من التحليقات المفارقة لمألوف السماع آنئذ. وكان السلم الموسيقي الخماسي المقرون بالغناء الصومالي حاضراً بسخاء الاستماع إلى راديو مقديشو، بينما كان السلم السباعي الأكثر غنائية يثير حفلات الأعراس اليمانية ذات الطابع الحضري. كما كانت الأغاني الهندية تطل عبر سينما حمر من خلال الصوت الفريد للفنانة الهندية لاتاما نغشكر.

تحضر الموسيقى في "سلطان الغيب" بخاصة، عبر ترانيم المنشدين والطبيعة، المطر والرياح والبحر والطيور في مشاهد الموت أو الرحيل. فالطبيعة وأنفاس الخلائق منفوخة بذات المفتاح الموسيقي الكوني الصادر عن مدارج الصمت والصوت، وبكل ذلك يصير النظر إلى الكون على أنه موسيقى، وتسمّي أمل الجمل ذلك بالمؤثرات الصوتية، لكن الامر أعمق وأعقد. فالموسيقى في "سلطان الغيب" فاعلة في البناء الروائي، وفي بناء الشخصية الروائية، كما في روايات شتى لواسيني الأعرج وجبرا إبراهيم جبرا وإدوار الخراط وأسعد محمد علي وربعي المدهون وعلي بدر ومي خالد.

لشخصية عباس في "سلطان الغيب" ولعة بالموسيقى الكلاسيكية على الأسطوانات الحجرية المستعارة من منازل الإيطاليين، وكذلك بموسيقى الريف الأنجلوساكسونية، وأغاني الروك أند رول ورقصة التويست الأميركية والأنغام الصادحة على آلات النفخ عند لويس آرمسترونغ، فاوستو بابيتي، حتى إنه كان يحفظ عن ظهر قلب النصوص الغنائية للفنان الأميركي ري تشارلز وأمثاله من سدنة فنون البلوز الحزينة. وفي "سلطان الغيب" أيضاً شخصية الأحدب عوض قوبّي ذو القدرات الاستثنائية، ومعلم الموسيقى والغناء الذي كان المتعلمون يحضرون إليه في غرفة التعليم للعزف على الآلات الموسيقية، أو للاستماع إلى الأسطوانات الحجرية. وكان التعليم المجاني بخاصة على الـ "هارمونيكا". ويعلل السارد ذلك بصلة الـ "هارمونيكا" بالنغم الهندي المتروحن، ولأن عوض قوبي "يدرك خصائص الـ "هارمونيكا" القابلة لتطويع بدهية المتعلم في الاتساق مع نواميسها النغمية، ففيها إمكان لدرجات النفخ بضخ النفس فيها قليلاً أو كثيراً، وفيها التدرج المفتوح للسلم الموسيقي السباعي، وفيها قابليات الانتقال بين شفتي العزف بحيث يصبح النفخ والشفتان رافعتي القرار والجواب".

في جزيرة جبل جان بساحل الليدو في مقديشو، مجاذيب مغموسون في فضاء الحرية والتمرد، ومنهم أحمدي عمولي ذو الصوت الرخيم الذي فقد البصر في مقابل تنامي ذائقته الصوتية والسماعية. وقد تعلم أحمدي عمولي من الجزيرة فن الاستماع لدراما الأمواج الصوتية وتكراراتها الإيقاعية على حجارة الجزيرة، وامتداداتها في مهب الرياح الصادحة بـ "الهارموني" وتشققاتها التي تشبه التبادل بين القرار والجواب الموسيقيين. ومع أحمدي عمولي تحضر أيضاً الموسيقى الصوفية. ففي الحضرة اليمانية في بيت الزبيدي مساء كل أربعاء، يباشر الإنشاد، ومع الحضرة يشرع صعود الإنشاد والتناوبات الإيقاعية المرفوفة بالدفوف، والتكرار التطهري الممعن في استجلاء الذات المطلسم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتماثل الفضاء في "سلطان الغيب" كمكوّن للتخييل الذاتي، عبر الطعم الحريف الذي توفر لصور مقديشو، بخاصة حي بلاجه عرب، ولعدن التي يبدو الكاتب مفتوناً بها، ولكن إلى هذا الافتتان البديع، أثقلت المعلومات التاريخية التي جاءت في ما يشبه الدراسة مرة والريبورتاج مرة، كما في ذكريات الصراع السياسي الدموي في فصل (13 يناير 1986)، وهو الصراع الذي كان له حضوره الكاوي في روايات شتى لأحمد زين وحبيب عبدالرب سروري ونادية الكوكباني.

ويتصل بذلك الصراع في مقديشو، ومنه بخاصة تألق الرواية في رسمها شخصية سياد بري الذي قيل عنه إنه الرئيس الذي لا ينام، وإنه يرى الآخرين ولا يرونه، وله ثقافة البراري اللامتناهية، ويبقى رأسه ثابتاً حتى لتحسب أنك أمام روبوت إعجازي، وهذا ما ترى الرواية أنه لم يكن حكراً على سياد بري في الزمن الرئاسي العربي.

تلك هي الجبلّة التي أبدعها عمر عبدالعزيز في "سلطان الغيب" بالتخييل الذاتي، مما توجزه التميمة السحرية الناظمة لأحوال الوجود في الصندوق الذي تصفه زوجة الحمودي بأنه الغيب المطلسم. فمن أراد إدراك سر السرائر، فعليه أن يبحث عنه في "طيّات السلطان الأكبر سلطان الغيب القادر على شطب ما كان وفتح الأبواب والنوافذ لما سيكون".

المزيد من ثقافة