Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تخرج البيئة غير الآمنة الشركات النفطية الأميركية من جنوب العراق؟

استراتيجية حلفاء طهران تتمثل في إفراغ المناطق من الوجود الاقتصادي الغربي

تعتزم شركة أكسون موبيل بيع ما تبقى من حصتها في حقل القرنة جنوب محافظة البصرة (غيتي)

تثير التوترات المستمرة في العراق تساؤلات عدة عن مستقبله الاقتصادي، خصوصاً مع الحديث المتكرر عن عدم توفر البيئة الأمنية الملائمة للاستثمار الأجنبي في ظل انفلات السلاح والفساد ونفوذ قوى إقليمية ودولية على القرار السياسي في البلاد. ولا تبدو الاستثمارات النفطية في العراق بمعزل عن إشكالات البيئة الاستثمارية، إذ يرى مراقبون ومحللون اقتصاديون أن غياب الأمن والصراعات الخارجية على الساحة العراقية انعكست بشكل مباشر على الشركات العاملة في حقول النفط، وتحديداً في جنوب العراق، الأمر الذي يدفع عدداً منها إلى المغادرة.

حصة "أكسون موبيل" أمام الشركات الصينية

ولعل اللافت هو أن الفراغ الذي يخلفه انسحاب الشركات الغربية في كل مرة يتم ملؤه بشكل سريع من قبل شركات صينية، مما يعطي انطباعاً بأن ما يجري يمثل عملاً ممنهجاً لإفراغ البلاد من أية استثمارات غربية.

في السياق ذاته، نقلت مواقع أميركية متخصصة بالاقتصاد بينها شبكة بلومبيرغ، عزم شركة أكسون موبيل بيع ما تبقى من حصتها في حقل القرنة جنوب محافظة البصرة، مما أثار تساؤلات عن الدوافع الرئيسة التي باتت تدفع الشركات الغربية إلى مغادرة البلاد.

ونقلت "بلومبيرغ" الأميركية أن عملاقتي النفط الصينيتين، شركة البترول الوطنية الصينية و CNOOCالمحدودة، تعتزمان الاستحواذ على الحصة المتبقية لشركة أكسون موبيل في حقل نفط في العراق، الذي قد يجلب 500 مليون دولار على الأقل، وفقاً لمطلعين.

وأشار تقرير "بلومبيرغ" إلى أن "الصفقة ستكون بمثابة خروج إكسون موبيل من المشروع، وتراجع شركات النفط العالمية الكبرى عن العراق، بعد مغادرة شركة شل حقل مجنون قبل ثلاث سنوات".

ولفت التقرير إلى أن "الشروط التعاقدية الصعبة والتأخير في السداد وعدم الاستقرار السياسي أدت إلى إضعاف جاذبية ما كان في السابق جائزة النفط المتلألئة في الشرق الأوسط".

ونقلت "بلومبيرغ" عن مصادر، أن شركتيCNPC   و CNOOC، المملوكتان للدولة الصينية، تدرسان صفقة محتملة لشراء حصة الشركة الأميركية البالغة 32.7 في المئة في حقل غرب القرنة، مشيرة إلى أنه لم يتم اتخاذ قرار نهائي في هذا الشأن.

ويأتي هذا بعد أسابيع على تصريح للمدير العام لدائرة العقود والتراخيص النفطية، علي معارج، الذي قال لصحيفة "الصباح"، 11 نوفمبر (تشرين الثاني)، إن "قانون الموازنة العامة الاتحادية للعراق أكد ضرورة إعادة النظر في بعض فقرات عقود تطوير الحقول النفطية في إطار جولات التراخيص النفطية، من خلال اختيار بعض الحقول النفطية ذات الكلف الإنتاجية العالية، وإيجاد الحلول المناسبة بما يصب في مصلحة الجانبين، وخصوصاً في ظل الظروف التي تشهدها السوق النفطية العالمية".
وأضاف، "أمامنا ثلاثة خيارات لتعويض الشركات الأجنبية، وهي إما تمديد مدة العقود مع الشركات الأجنبية لأشهر عدة وفق جدولة معينة، أو التعويض التدريجي من خلال زيادة الكميات المنتجة أو التعويض المباشر، وهذا الخيار تم الابتعاد منه بسبب الأوضاع المالية التي تشهدها البلاد حالياً".

إشكالات مالية وعقود ثانوية

وتراوح التحليلات في شأن الدوافع خلف عزم "أكسون موبيل" بيع حصصها، ففي حين يرى خبراء في إطار النفط أن أسباباً مالية وفنية تقف خلف هذا القرار، إلا أن آخرين رجحوا أن الأسباب السياسية والأمنية، فضلاً عن أخرى مالية وتنظيمية، هي الدافع الرئيس لهذا الانسحاب.

ويستبعد المتخصص في شؤون النفط، حمزة الجواهري، أن تكون "الأسباب الأمنية والسياسية هي التي ستدفع "أكسون موبيل" إلى بيع حصصها في حقل القرنة"، مبيناً أن تلك الشركات "عملت في العراق على مدى سنوات في أسوأ الظروف الأمنية، ولم تنسحب".

ويعتقد الجواهري أن السبب الرئيس خلف الانسحاب "يرتبط بمسائل مالية"، مشيراً إلى أن "تنظيم العراق لمسائل تتعلق بالعقود الثانوية الطائلة التي كانت تستفيد منها تلك الشركات، هو الدافع لشعورها بعدم جدوى البقاء".

ويلفت الجواهري إلى أن "الشركات الغربية بشكل عام باتت ترى أن المصلحة التي تجنيها من عقود الخدمة في جولات التراخيص ليست ذات جدوى، بخاصة مع التشديد العراقي على مسائل تتعلق بإدارة تلك العقود"، مبيناً أن "العقود الثانوية تسببت بأعباء مالية كبيرة على الدولة، مما دفعها إلى محاولة منع التلاعب فيها".

ويختم الجواهري أن "انسحاب أكسون موبيل من العراق ربما سيكون مجدياً للبلاد، لأنها أخلت بعدد من التزاماتها، ومنها التعاقد بإنتاج النفط بطرق مثلى، إلا أنها اعتمدت أسوأ الطرق في هذا الإطار".

استراتيجية إيرانية

وعلى الرغم من الحديث عن جوانب مالية وتنظيمية، يرى مستثمرون أن هذا الأمر ربما لا يمثل الدافع الرئيس أمام انسحاب تلك الشركات، وأن هناك استراتيجية إيرانية لإفراغ الجنوب العراقي من أية استثمارات غربية، واقتصارها على الصين وروسيا وحلفائهما.

ويرى المستثمر والمتخصص الاقتصادي رمضان البدران أن "الاستراتيجية التي يعتمدها حلفاء إيران تتمثل في محاولات دؤوبة لإفراغ مناطق الجنوب العراقي تحديداً من أي وجود اقتصادي غربي أو غير مرتبط بثلاثي الصين وروسيا وإيران"، مبيناً أن "هناك تمدداً صينياً مدروساً في الحقول النفطية في جنوب العراق على حساب الشركات الغربية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف، "ما يجري مع أكسون موبيل هو عمل ممنهج يجري مع الشركات الغربية الفاعلة في جنوب العراق، التي باتت تتعرض لضغوط كبيرة في جميع الأصعدة".

وعلى الرغم من حديث البدران عن إمكان أن تكون الإشكالات الفنية والمالية التي تتعرض لها الشركات الغربية ومنها أكسون موبيل دافعاً للمغادرة، إلا أنه يشير إلى أن هذا الأمر "يرتبط أيضاً بإشكالات أمنية وسياسية تعاني منها تلك الشركات".

ويتابع، "الابتزاز الممارس على الشركات والتوترات الأمنية والتهديدات المتكررة من قبل ميليشيات مسلحة هي الدافع الرئيس لعرض أسهمها للبيع"، مردفاً، "تلك التهديدات المتكررة جزء من الاستراتيجية المتعلقة بعرقلة مسار الاستثمارات الغربية في العراق بشكل عام".

ويربط البدران بين تلك التسريبات والحديث عن محاولات إحالة ميناء الفاو إلى شركات صينية، قائلاً أن "هذا يؤكد أن ما يجري مخطط لإزاحة أية منافسة غربية للشركات الصينية".

مسائل أمنية

ويربط مراقبون إعلان الشركة عزمها الانسحاب من البلاد بحديث واشنطن الجاد عن سحب قوات إضافية من العراق، مما يعطي انطباعاً بأن تلك الشركات تتخوف من أن تعمل في ظل بيئة غير آمنة.

ويعتقد الصحافي معن الجيزاني أن عوامل عدة تثير تساؤلات في شأن عزم شركة أكسون موبيل المغادرة في هذا التوقيت، على رأسها "تزامن تلك التسريبات مع الحديث الأميركي الجاد عن الانسحاب العسكري من العراق، فضلاً عن ملء فراغ تلك الشركات بأخرى صينية في أكثر من مرة".

ويوضح أن تلك العوامل "تعطي انطباعاً بأن الانسحاب يرتبط بمسائل أمنية أكثر من كونها مالية أو تنظيمية". متسائلاً، "لماذا تستطيع الشركات الصينية العمل بينما لا تستطيع الشركات الغربية ذلك؟".

ويشير الجيزاني إلى أن "واشنطن باتت تعتقد بأن العراق لم يعد مكاناً ملائماً للعمل، خصوصاً مع ضعف الحكومة العراقية في الإيفاء بالتزاماتها في ما يتعلق بضبط الجماعات المسلحة، التي لا تخفي رغبتها في استهداف المصالح الغربية".

صراع نفوذ واستعانة بالميليشيات

في مايو (أيار) 2019، أجلت شركة أكسون موبيل أكثر من 30 موظفاً إلى الإمارات لأسباب وصفتها بالأمنية. وفي يونيو (حزيران) من العام نفسه، أجلت الشركة نحو 20 موظفاً بعد أن تعرض مخيم سكني للعاملين في قطاع النفط إلى قصف بصاروخ من نوع كاتيوشا، أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، احتشد المئات أمام مقر الشركة في البصرة مطالبين بالرحيل على خلفية الغارة الأميركية التي أدت إلى مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الشركات الأميركية، إذ كانت شركة بتروناس الماليزية للنفط هددت في 18 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بمغادرة حقل الغراف النفطي في محافظة ذي قار، إثر التوترات الناجمة عن سلوك أفراد القبائل الذين يعيشون بالقرب من الحقل.

ويرى مراقبون أن الصين تعتمد على إيران في تحفيز ميليشيات مرتبطة بالأخيرة، للضغط على الشركات الغربية ودفعها إلى الانسحاب من البلاد، مما يتيح لشركات صينية ملء هذا الفراغ.

في السياق، يرى المتخصص في الشؤون الاقتصادية حسن الأسدي، أن "جزءاً كبيراً من الصراع على حقول النفط في العراق، هو صراع أميركي - صيني"، مبيناً أن "الصين تحاول الاستعانة بحلفائها الإقليميين الداعمين لميليشيات مسلحة، في الضغط على الشركات الأميركية لمشاكستها ودفعها إلى الانسحاب من البلاد".

ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد، بحسب الأسدي، هو أن "منسوب الاستهداف للشركات الشرقية بشكل عام شبه معدوم، قياساً إلى الشركات الغربية"، لافتاً إلى أن "البدائل الشرقية وعلى رأسها الشركات الصينية، لطالما كانت جاهزة في شراء الحصص التي تغادرها الشركات الغربية".

ويضيف، "العراق بات ضحية لصراع إقليمي ودولي، والصراع على منابع النفط في العراق مرتبط برغبات القوى العظمى وعلى رأسها الصين في منافسة الولايات المتحدة على الجوانب الاقتصادية".

ويختم أن "إخلاء البلاد من الشركات الغربية، وجعل الاستثمارات النفطية وغيرها محصورة في شركات أخرى، يضر بمصالح البلاد". مردفاً، "مصلحة الاقتصاد العراقي في أن تكون علاقات الدولة متوازنة بين الشرق والغرب، وتفعيل توازنات بين تلك القوى في البلاد كي لا تكون منصة صراع في ما بينها".

المزيد من اقتصاد