Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"دييغو مارادونا" فيلم آصف كاباديا: الوجه الآخر للأسطورة

بطل الملاعب المتمرد مارس الغش بذكاء في لحظات خاطفة

 الكتابة عن فيلم يتناول دييغو أرماندو مارادونا وهو على قيد الحياة تختلف بعد رحيله. فالأولى تعني الحديث عن إنسان مثل سائر البشر، أما الثانية فتوحي بالتطرق إلى شخصية تاريخية أصبحت الآن بعد غيابه المفاجئ من الماضي. طوال حياته التي امتدت على 60 عاماً، جذب مارادونا الاهتمام وأثار الجدل، "قُدّسَ" وحمل على الراحات، مالئاً الدنيا وشاغلاً الناس، فكان من البديهي أن يهتم به الفنّ السابع. هناك أعمال سينمائية وثّقت فصولاً من سيرة لاعب الكرة الأرجنتيني، أشهرها ما صوّره المخرج الصربي الفذ أمير كوستوريتسا في العام 2009. وهناك وثائقي أبصر النور العام الماضي تجاوز كلّ ما سبق إنجازه عنه، ليس على مستوى المعلومات بل في قدرته على سرد سيرة أحد أكبر الرياضيين في القرن العشرين. هذا الوثائقي تناوله بالتفاصيل المملة، التي هي هنا في هذه الحالة تحديداً غير مملة البتة.  

الفيلم المقصود عنوانه ببساطة "دييغو مارادونا" "من إخراج آصف كاباديا، مخرج بريطاني من أصل هندي سبق أن أتحفنا بعملين وثائقيين عن شخصيتين مميزتين: الأولى، سائق الفورمولا وان البرازيلي إرتون سينا الذي قضى في حادث في الرابعة والثلاثين من عمره، والثانية، المغنية البريطانية إيمي واينهاوس التي رحلت فجأةً في السابعة والعشرين. بعدهما، انكب على فيلم ملحمي عن مارادونا يُعد في رأيي ذروة السينما الوثائقية التي تتناول السيَر. اليوم، بعد رحيل مارادونا عن عمر مبكر نسبياً، يُمكن النظر إلى هذه الأفلام كثلاثية تتمحور حول مصائر ثلاثة من المشاهير الذين عرفوا المجد ثم السقوط الحر.

العبقري الماكر

عندما عُرض الفيلم في مهرجان كانّ السينمائي الفائت، التقى الصحافي الفرنسي صامويل دوهير كاباديا فتحدّث إليه الأخير عن فكرة إنجاز وثائقي عن عبقري الكرة. قال: "كان مارادونا أفضل لاعب في العالم وأكبر غشاش في الحين نفسه. كان ماكراً مع خصومه. اكتشفتُ في الأرشيف أنه لامس الطابة بيده مرات، وأحداً لم يلاحظ ذلك إلا مرة واحدة. لكن دييغو كان قبل أي شيء يعمل كثيراً. عندما لعب في نادي برشلونة أدرك أنه يتفوق على زملائه وخصومه قوةً جسدية وموهبةً. لهذا السبب قام بتعيين مدرب شخصي، هذا أمر نادر، إن لم يكن فريداً، في هاتيك الأيام. قبل نهائيات كأس العالم 1986، تدرب ثلاثة أشهر ليعتاد على ظروف اللعب في مدينة مكسيكو. في حين كان تحضير اللاعبين الإنجليز يقتصر على الفودكا والبيرة”. 

يروي كاباديا أنه في أوائل الثمانينيات، أراد وكيل مارادونا إنتاج فيلم وثائقي عنه، فاستأجر إثنين من المصوّرين لتصويره بلا توقف. جمعت 500 ساعة التقطت في الأرجنتين وبرشلونة ونابولي. في العام 2012، خلال الألعاب الأولمبية في لندن، أخبر أحد المنتجين كاباديا عن "المادة المصوّرة الرائعة". إلا أن الأخير كان أنجز للتو فيلمه عن إرتون سينا وما كان راغباً مجدداً في فيلم عن بطل رياضي آخر من أميركا اللاتينية. بعد عرض فيلمه عن إيمي واينهاوس في الصالات، تم الاتصال به مجدداً، فوافق. يقول إنه مع سينا ​​وواينهاوس كان لديه الإحساس بأنه صنع فيلمين عن لامعَين ماتا على نحو مأسوي في ذروة شبابهما. لذا الوقت مناسب لتصوير سيرة رجل على قيد الحياة.

عندما بدأ العمل على الفيلم، وجد كاباديا أشرطة فيديو مسجّلة منذ أوائل الثمانينيات في صندوق ضخم مرمي في بوينس آيرس. لم ينظر إليها أحد مدة 25 عاماً، وحالتها تتدهور مع الوقت. بدأ بنسخها على نظام رقمي لحفظها وتوليفها. بداية، كان يود أن يروي كلّ شيء عن دييغو، من الظهور الأول له في نادي بوكا جونيورز حتى الزمن الراهن، مروراً بعلاقته مع فيديل كاسترو. لكن أول مونتاج للفيلم امتد عشر ساعات، اختصرها إلى أربع. في النهاية، اقتطع من الفيلم كثيراً إلى ساعتين ودقائق عشر. 

أدرك كاباديا أن حياة اللاعب حلقات. يقول: "في كلّ نادي لعب تحت رايته أو في المنتخب الوطني الأرجنتيني، كان يصل كبطل، يحرز نجاحاً باهراً، وينتهي به الأمر بالتصرف بشكل سيّء، بالتالي يسقط، ولا يعود له خيار سوى المغادرة. ثم يبرز في مكان آخر، فتبدأ دورة جديدة من الصعود والموت والقيامة (…). لكن الأشد حدةً في حياته تجسّدت في نابولي، عندما فاز مرتين بالدوري الإيطالي متغلباً على الأندية الشمالية الغنية. هذا الفصل لم يكن الأكثر دراماتيكية في حياته المهنية فحسب، بل كان لديّ عنه الكثير من المواد المصوّرة التي لم يسبق عرضها. قررتُ تكريس معظم الفيلم لهذه التجربة النابوليتانية. مع تعليقات من شهود عاصروه، مستعيناً بصوت دييغو نفسه للتعليق الصوتي". 

فيلم غير دعائي

أهم ما في الرواية التي يقدّمها كاباديا عن أسطورة الكرة أنها ليست دعائية، بل نقد لتجربته يغدو لاذعاً أحياناً. توثيق لا يخلو من الموضوعية لصعود إحدى أيقونات العصر الحديث وهبوطها، لها ملاييين المتابعين والمعجبين حول العالم. عملياً، أخذ كاباديا مواد مصوّرة جاهزة لا يملك سطوة ليبني عليها سرديته، بوتيرة تحبس الأنفاس، سيرة مارادونا، الشخص الذي يلخّصه بالصفات الآتية: "المتمرد والبطل والمحتال والرب". فلا يوجد أي تملق في الفيلم يقدّم اللاب باعتباره نموذجياً، في الشق المتعلق بتجربته الإيطالية. عكس ذلك، يحاول فكفكة الأسطورة للوصول إلى الرجل خلفها، مشدداً على ازدواجية التجربة. 

لماذا الحيز الأكبر للفصل الإيطالي في الفيلم؟ ربما لأن في سنواته النابوليتانية خلاصة تجربته. من المعروف أن مارادونا عشَقَه أهل نابولي ثم نبذوه في قمّة مجده في الثمانينيات، على خلفية صراعات مع المافيا وإدمان المخدرات وخسارة. صحيح أن الفيلم غير رحوم مع مارادونا، لذا يستمد بعض أهميته،  في الحين نفسه، يفي حقّه كاملاً، مصوّراً إياه رجلاً متحدّراً من عشوائيات بوينس آيرس، يجد نفسه في فخّ الشهرة والمجد، الذي وقع فيه. ما صنعه بقدمه، هذا الذي جاء من القاع أنقذه بقدر ما دمرّه. لكن، الفيلم ليس فقط عن هذا، بل أيضاً تحية لموهبة إستثنائية تتراقص في الملعب، مع العديد من لقطات تسجليه أهدافاً أسطورية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لفهم سيرة مارادونا المهنية علينا بخلفتيه الثقافية. السيرتان متداخلتان، الواحدة مع الأخرى. في هذا المجال لا يبخل الفيلم. سنكتشف رجلاً انتقل من نادٍ إلى نادٍ، ليترك شيئاً منه في كلّ مكان يمر به. ثم حكايته في نابولي، وهي واحدة من أفقر مدن إيطاليا. علاقته معها سترسم مساره. فبعد نشوة الانتصارات الأولى، ستأتي الخيبات. يركّز كاباديا على السنوات السبع بين 1984 و1991 التي تقول ما يجب عن مارادونا، كاشفاً خفايا شخصيته المعقدة، الكائن المعذّب الذي كثيراً ما يراهن على غريزته للاستدلال على طريقه.

براعة الفيلم في شكل خاص في توليفته. كيف استطاع كاباديا انتشال سيرة من داخل آلاف اللقطات المنسية التي تراكم عليها الغبار عبر السنوات؟ مشاهدة الفيلم تمنحنا بعض الإجابات. أيضاً الإيقاع الذي يمنح العمل صوتاً خاصاً يتماهى مع ما يعيشه مارادونا من صعود وهبوط. لا يستخدم أدوات الوثائقي التقليدي، مع نبذ قاطع للراوي، تاركاً الصور تتكلّم عن نفسها، فتحملنا إلى ذروة المجد التي يحتاج المرء ليكون مستعداً لها وإلا مفاعيلها أكثر دماراً من الفقر والتهميش. 

المزيد من سينما