Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة مارادونا من الانتصار إلى الانكسار

حياته لم تكن الأفضل أو الأسهل بل كانت الأصعب والأقسى

 رحل دييغو صاحب هدف الأرجنتين الأشهر الذي صوّبه بيده في مرمى إنجلترا في نيو مكسيكو بمونديال 1986. غادر الحياة بعد مسيرة حافلة، على الرغم من قصرها النسبي، بالجدل والصخب والنجومية والصدمات وقصص النجاح الملهمة، وكذلك أخرى مفجعة جعلت من "الفتى الذهبي" أحد أشهر الشخصيات الكروية في تاريخ الرياضة الأشهر على ظهر الكوكب.

ملهم الفقراء

وحين ينعى الكوكب لاعب كرة قدم، فهذا يعني الكثير. فكل تفصيلة في سنوات مارادونا الـ 60 أثارت الاهتمام والعشق والوله، لكنها أيضاً فجرت غضباً وفزعاً وقلقاً غير مرة. اللاعب المصنف باعتباره الأكثر موهبة في تاريخ كرة القدم، حفر لنفسه مكانة مختلفة عن كل من سبقه وعاصره ولحقه.

كان مارادونا مدرسة مستقلة بذاتها، حيث الموهبة الفطرية مع الملكات المكتسبة والقدرة على توظيفها بذكاء شديد وتركيز عميق، حتى أصبح اسمه يراود أحلام ملايين الأطفال الحالمين بأن يكونوا "مارادونا"، وبلايين الكبار من المتيمين بفنه الكروي.

كروياً، كان دييغو الأفضل، لكن حياته منذ نشأته لم تكن الأفضل أو الأسهل. بل يمكن القول إنها كانت الأصعب والأقسى، وهو ما صنع منه أيقونة فيها الحلو وأيضاً المُر. مارادونا الملهم لملايين الفقراء ولد لأسرة فقيرة في مدينة بوينس آيريس، وكان ترتيبه الخامس بين ثمانية أبناء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأ لعب رياضته المفضلة وهو في سن صغيرة، وحصل على أول هدية وقت كان في الثالثة، وكانت كرة قدم. وفي العاشرة انضم مارادونا الصغير إلى نادي لوس سيبوليتاس، أحد أكبر الفرق بالأرجنتين، وهناك أذهل الصغير الجميع بأدائه المتفرد وتصويباته التي لا تتوقف، حتى إنه تحوّل إلى الاحتراف قبل أن يكمل عامه الـ 16.

الذهبي قصير القامة

الفتى الذهبي القصير القامة انتقل من نصر كروي إلى آخر بسرعة الصاروخ، لكن هذه السرعة أدخلته في سلسلة من المشكلات التي كاد بعضها في كل مرة يشوه كل ما أنجزه. فمارادونا السريع الذي يصوب أهدافاً كالسهام كان أيضاً سريع الغضب، أفعاله مثل الطلقات القاتلة.

ووصل الأمر في عام 1984 إلى استبعاده من أرض الملعب تماماً أثناء المباراة النهائية بين ناديه برشلونة الذي كان يلعب ضمن صفوفه في عام 1984 ولاعب من فريق أتلتيك بيلباو، بعدها انتقل إلى نادي نابولي وتمكّن من إنقاذ الفريق الإيطالي المرتبط بجنوب البلاد الفقير، ودفعه إلى التنافس أمام أندية شمال إيطاليا الكبرى، أبرزها يوفينتوس تورين وآي سي ميلانو وإنترميلان.

حرب الفوكلاند

ومن إيطاليا إلى مونديال مكسيكو عام 1986 الأشهر، الذي يحسب لمارادونا أنه أحرز فيه لبلاده اللقب للمرة الثانية، وكان اللاعب قد شارك في المونديال السابق في إسبانيا في عام 1982 كذلك، وهو كأس العالم التي شهدت فوز الأرجنتين أيضاً.

لكن يبقى هدفاه في مونديال 1986 الأشهر، لا سيما ذلك الذي قيل إنه سدده بيده اليسرى، ورغم ذلك احتسبه الحكم، ولم يخل الهدف من خلفيات سياسية واحتقانات كروية. فالمباراة تلونت بحرب المالوين أو فوكلاند الشهيرة بين الأرجنتين وبريطانيا، وسبقها وتزامن معها كم هائل من الحروب الكلامية بين مواطني الدولتين.

وعلى الرغم من أن الحرب أدت إلى سقوط نظام الحكم في الأرجنتين، وبزوغ شعبية رئيسة وزراء بريطانيا حينئذ مارغريت تاتشر، فإن الحرب على الملعب انتهت بفوز رائع للأرجنتين ولمارادونا، إذ بات مونديال 1986 يعرف باسم "مونديال مارادونا".

فصل الانكسارات

لكن الهدف باليد و"مونديال مارادونا" تحولا إلى دموع أسطورة كرة القدم في كأس العالم التالية التي أقيمت في إيطاليا عام 1990، وذلك بعدما خسرت الأرجنتين أمام ألمانيا الغربية في النهائي، الذي قيل إن دييغو قادها وحده على أرض الملعب.

ويبدو أن مونديال 1990 كان بداية فصل من الانكسارات في حياته، فقد ترددت أقاويل أنه يتعاطى الكوكايين وقت التحاقه بنادي برشلونة الإسباني في عام 1982، وتأكدت الإشاعات المفجعة في المونديال التالي، وجرى إيقافه 15 شهراً بعد ما ثبت تناوله الكوكايين.

أسطورة لا تنتهي

ظن كثيرون أن أسطورة مارادونا انتهت، وانتهى معه تاريخه الكروي وتفاصيل حياته المثيرة للجدل والاهتمام، لكنه فاجأ الجميع بعودته أقوى وأكثر لياقة وجاهزية وأخف وزناً مما كان، وذلك قبل مونديال 1994. وقتها قال، "هناك من يزعمون أنني بدين، لقد مللت منهم، وسترون مارادونا آخر في مونديال 1994".

ورغم الهدف الرائع الذي أحرزه في مباراة الأرجنتين واليونان، فإنه أتى بتصرفات غريبة على أرض الملعب أثارت كثيراً من التعليقات، إذ ركض نحو الكاميرا وحدق إليها بنظرات غريبة صارخاً بعلو صوته. وفي اللقاء التالي أمام نيجيريا سجّل هدفاً ضمن هدفي فوز الأرجنتين، وكرر فعلته العجيبة أمام الكاميرا، لكن هذه المرة تسببت ملامح وجهه وجحوظ عينيه في تشكك مسؤولي "فيفا" فيه، وبدأ البحث والتقصي إن كان تحت تأثير مواد مخدرة أو منشطة.

اختبارات الطاقة

وتفاقمت الإثارة بخضوع الأسطورة لاختبارات أثبتت تناوله عقار الإيفيدرين المنشط، وهو ما كتب كلمة النهاية أمام مشاركته في هذا المونديال. الأعجب من ذلك هو أن مارادونا قال في مذكراته إن طبيبه هو من أمره بتناول "مشروبات الطاقة"، وأنه اشتراها من الولايات المتحدة الأميركية، إذ لم يجدها في الأرجنتين، وأنه فوجئ بعد ذلك أنها تشتمل على عقار منشط، وأكد أنه لم يكن يعلم ذلك!

الأدهى من ذلك أن مارادونا ادّعى أن مسؤولي "فيفا" اتفقوا معه على تناول عقار مخدر لإنقاص الوزن ليتمكّن من المشاركة في المونديال، وهو ما نفاه الاتحاد الدولي لكرة القدم، وأسهم في تأكيد إنهاء مسيرته مع منتخب الأرجنتين، وتسببت هذه النهاية في حزن بالغ لعشاق الأسطورة.

وأبت المآسي أن تتوقف، ففي عام 2000 تسببت جرعة زائدة من الكوكايين في أزمة قلبية أصيب بها وكادت تودي بحياته، ويبدو أنه اتخذ قراراً حينها بتصحيح حياته ومسيرته، فسافر إلى كوبا بهدف العلاج من الإدمان، وسارت الأمور بطريقة جيدة، لكنه عاد إلى التعاطي مجدداً، وعاني أزمة صحية جديدة في 2004 وجرى إيداعه مستشفى في الأرجنتين، ثم عاد إلى كوبا لمعاودة العلاج، لكن الأخبار تواترت عن عدم اكتفائه بالكوكايين فقط، بل أدمن الكحول كذلك، ودخل في دائرة مفرغة من الإدمان والعلاج والانتكاس.

رحلة تدريب خافتة

وبعدما اعتقد العالم أن مارادونا انتهى تماماً، فاجأ الجميع بعودته لكن هذه المرة إلى التدريب الذي لم يحقق فيه ما حققه من انتصارات في اللعب، ومن الأرجنتين إلى الإمارات إلى المكسيك، لم يحرز المدرب مارادونا الكثير. بل العكس هو الصحيح.

وفي استطلاع رأي أجري عبر الإنترنت، لتسمية لاعب كرة القدم الأفضل في القرن الـ 20، وعلى الرغم من حصول دييغو على العدد الأكبر من الأصوات، فإنه نجح في تحويل الفوز إلى كارثة، حين رفض أن يصعد منصة التكريم في وجود اللاعب البرازيلي الأسطورة بيليه الذي كان من المقرر تكريمه.

وفي 2008 وقت كان يدرب المنتخب الوطني للأرجنتين، الذي كان يفاخر بوجود ليونيل ميسي بين صفوفه، الذي وصف بأنه اللاعب الأفضل في العالم، خرجت البرازيل من كأس العالم عام 2010 برباعية نظيفة، سددها الفريق الألماني في مرماه، مما أدى إلى عدم تجديد عقد مارادونا.

الأسطورة والثورة

مارادونا لم يكن لاعباً أسطورياً فقط، بل كان شخصاً ثورياً طوال حياته، لكنها ثورة هوجاء لا تؤدي إلى تغيرات إيجابية بقدر ما أفضت به إلى أزمة تلو الأخرى. المخرج الصربي العالمي أمير كوستوريكا قدم فيلماً وثائقياً شهيراً عن مارادونا، لكنه لم يوثق إنجازاته الكروية بقدر ما وثق جنونه الذي ربما كان جزءاً من إبداعه.

ووجوه مارادونا الكثيرة والمتناقضة لم تقف عند حد معين، فهو المعجب بفيديل كاسترو، والهاتف ضد "الإمبريالية الأميركية"، والمؤيد لهوغو تشافيز، والمتظاهر ضد سياسة الرئيس الأميركي السباق جورج بوش وسياساته، وهو الذي قال في أثناء وجوده في موسكو قبل عامين "في قلبي فلسطيني"، وصاحب سلسلة من العلاقات النسائية، والضالع في مشاجرات وتراشقات، ومحرز ما يزيد على 100 هدف عبقري، ولديه عدد قياسي من الوقوف وجهاً لوجه أمام الموت.

الفوضوي العبقري

الفوضوي العبقري بدأ يخطو نحو النهاية مطلع الشهر الحالي، حين خضع لجراحة وصفت بأنها "روتينية" بعد إصابته بجلطة في المخ. قال الأطباء إنها "ناجحة"، وإن دييغو تحملها بشكل "جيد"، لكن يبدو أن قلب مارادونا خذله.

وحين قال قبل توقف قلبه للمرة الأخيرة "أشعر بأنني مريض"، كان بالفعل المرض الأخير الذي عرف أنه المحطة الأخيرة. المفارقة هي أن مارادونا قبل عام بالتمام والكمال قال رداً على ما أشيع حول إصابته بألزهايمر، "من يروج إصابتي بألزهايمر لا يعرفون هذا المرض، هذا المرض يؤدي إلى الموت وأنا لا أموت".

ربما مات مارادونا حيث توقف القلب وأجهزة الجسم، لكن المؤكد أنه صدق حين قال إنه لا يموت، فأسطورته باقية، بحلوها ومرها، انتصاراتها وانكساراتها، قممها وهاوياتها.

 

المزيد من رياضة