Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتصالح حكومة الثورة مع الإسلاميين في السودان؟

موقف الأحزاب متناقض ومخاوف من سيناريو الهبوط الناعم والشارع حسم أمره بانتفاضة ديسمبر

يرفض الشارع السوداني المصالحة مع تيار الإسلام السياسي (أ ف ب)

عاد مشهد المصالحة الوطنية في السودان إلى السطح من جديد، إذ تسرّبت بعض الأخبار التي تفيد بأن اتصالات تدور بين مسؤولين سودانيين وإسلاميين، بهدف الوصول إلى صيغة وتسوية سياسية، تضمن مشاركة الصف الثاني من الإسلاميين في العملية السياسية في مقابل وقف العداء والتصعيد تجاه الحكومة الانتقالية، ومن ثمّ الوصول إلى نهاية المطاف بإقامة انتخابات حرة ونزيهة تضمن استقرار البلاد.

لكن ما رأي التنظيمات السياسية المختلفة من المصالحة مع التيار الإسلامي في السودان، الذي حكم البلاد 30 عاماً، مستخدماً القبضة الحديدية والإقصاء السياسي للقوى المعارضة؟

يقول مساعد رئيس حزب الأمة القومي للشؤون الولائية عبدالجليل الباشا، "منذ أربعينيات القرن الـ 20 ونحن نعتمد منهجاً قومياً، ومن حيث المبدأ فإننا مع وحدة الصف وإرادة الشعب، لكن لدى الحزب رأي حول كل من شارك النظام السابق حتى سقوطه في أبريل (نيسان) 2019، بأن لا يندرجوا في فترة الحكم الانتقالي، بل في المرحلة الثانية من الحكم".

واستدرك، "ومع ذلك فإن حزب الأمة لا يمانع في أن تكون هناك مصالحة وطنية يحدث من خلالها إصلاح سياسي يستوعب كل القوى التي تؤمن بالثورة والتغيير الذي حدث، كما جاء في مشروع العقد الاجتماعي الذي طرحه أخيراً، وهو ما يؤكد توسيع قاعدة المشاركة السياسية في الحكم، ولو بتحقيق الحد الأدنى للإجماع الوطني".

توازن القوة وأساس المواطنة

ويرى الباشا أنه ما دامت قوى الحرية والتغيير، الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، "قبلت التحالف مع اللجنة الأمنية للنظام السابق"، بحجة أنها "أسهمت في التغيير" الذي حدث في البلاد، بانحيازها إلى ثورة ديسمبر (كانون الأول)، وذلك من منطلق إحداث توازن قوة، فمن الأجدى القبول بـ "مشاركة أي جهة سياسية"، شرط "ألا تكون ارتكبت جريمة أو أي نوع من الممارسات الخاطئة" مثل الفساد وغيره، أو ليس لديها "عداء واضح تجاه الثورة".

وتابع مساعد رئيس حزب الأمة للشؤون الولائية، "لا بد من أن يكون للركائز الأربع للحكومة الانتقالية، (قوى الحرية والتغيير، والجبهة الثورية التي تمثل الحركات المسلحة، ومجلس السيادة، ومجلس الوزراء)، رؤى موحدة لقضايا البلد، من حيث التنظيم والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكيفية توحيد أهل السودان، والعبور بالمرحلة الانتقالية بكل سلاسة وصولاً إلى انتخابات عامة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه".

وأكد أن "ما يحدث حالياً من تشاكس بين الأحزاب لن يقود إلى الاستقرار، بل يمثل أحد العوامل المهددة للعملية السياسية، ولكن في النهاية التعامل مع هذه القضايا يكون على أساس المواطنة التي تتيح حق المشاركة للجميع بغض النظر عن أي عامل آخر، ولا بد من أن تكون هناك معايير واضحة لهذه المشاركة، أهمها العدالة الاجتماعية حتى تتحقق الوحدة الحقيقية حول أهداف الثورة". 

الهبوط الناعم

بينما قال القيادي في الحزب الشيوعي فاروق عمر صديق، "الأجندة التي تسعى إلى جعل الإسلاميين جزءاً من الحكم الانتقالي في السودان هي مشروع أميركي يطلق عليه (الهبوط الناعم)، وذلك من خلال توسيع قاعدة المشاركة في الحكم بضم المعارضين، وهو ما يمهد لتقسيم البلاد إلى دويلات، لكنهم يظنون أن تنفيذ هذا المشروع مرتبط بوجود الإسلاميين في السلطة، لأنهم على استعداد لتقديم أية تنازلات، خصوصاً من ناحية الموارد الطبيعية والمواد الخام التي تزخر بها البلاد".

وأوضح، "قوى المحور الإقليمي محرك أساسي لهذا المشروع، ولها علاقات وطيدة مع الإسلاميين في السودان ونظامهم السابق، بل كانت ممولاً حقيقياً لهم. والحقيقة أن هذه القوى لا تدعم القضايا السودانية، بل لديها أمور خاصة بها، ولا تريد دعم قوى الثورة لأنها تعتقد أنها أقرب إلى اليسار، وهو ما جعلهم يدعمون خيار عودة الإسلاميين إلى الحكم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف صديق، "واضح من الاتجاهات المتبعة أن السلطة في بلادنا تسير في المسار ذاته، فالسلام مع إسرائيل على سبيل المثال ليس من خيارات الثورة، وكذلك في ما يتعلق بتبني اقتصادات السوق الحرة، وهي نفس خيارات الإسلاميين، وليست خيار ميثاق قوى الحرية والتغيير، فضلاً عن مشاريع التعدين، وخصوصاً الذهب الذي تسيطر عليه دول بعينها، بجانب موضوع الصراع على الموانئ السودانية على البحر الأحمر، والحرب غير المعلنة، فكل هذه المشاريع قدم فيها الإسلاميون تنازلات كبيرة في مقابل بقائهم في السلطة".

وبشكل قاطع قال صديق، "المصالحة السياسية حسم أمرها الشارع السوداني برفضه الإسلام السياسي، ولا نعني الإسلام ديناً، بل مشروع الإخوان الذي فشل في السودان، وحدد الشعب موقفه منه، وبالتالي فمن الصعب عودة الإسلاميين إلى السلطة، من غير مكاشفة صريحة لما ارتكبوه من جرائم وممارسات خاطئة، وأن يعلنوا إدانتهم لها، لأنها جرائم مركّبة وما زال بعضها مستمراً".

ومضى القيادي بالحزب الشيوعي السوداني، "مما يؤكد ما ذهبت إليه أن معظم تلك الدول التي تناصر مشروع الهبوط الناعم في البلاد لم تتعاون مع السودان في استرداد الأموال المنهوبة من قبل رموز النظام السابق، التي تقبع في مصارفها، فهذا ليس مشروعاً وطنياً، إذ يختلف في فهمه عن قضية العدالة الاجتماعية، ولكنه مشروع سياسي له ارتباطات اقتصادية". 

أعداء السلام

في سياق متصل، قال القيادي في قوى الحرية والتغيير والمتحدث الرسمي باسم حزب المؤتمر السوداني نورالدين بابكر في تصريحات صحافية، إن حديث قيادات الجبهة الثورية عن دعوتهم إلى المصالحة الوطنية جرى "تسطيحه وتحريفه من أعداء السلام"، مؤكداً أن المصالحة الوطنية "لا تعني الإفلات من العقاب بأي حال من الأحوال"، بينما استبعد أن تكون هناك تسوية مع الإسلاميين، لكنه رجّح أن يكون الحديث المتداول عن التسوية السياسية بغرض التصعيد ضد الحكومة الانتقالية والتشويش عليها.

وأضاف نور الدين، "ليس لدينا علم بأية تسويات مع الإسلاميين، ونعتقد أن المبررات المذكورة ليس لها أساس من الصحة، من ناحية أن الثورة قامت بضرب العمق الرئيس للإسلاميين، إذ أثبتت قضايا مثل السلام وفصل الدين عن الدولة أن السودان طوى مرحلة الشعارات الإسلاموية إلى براح العقلانية والموضوعية، بعيداً من التعقيدات الأيديولوجية والخطابات الديماغوجية"، لافتاً إلى أن الشارع السوداني الذي قاد هذا التغيير ليس ضد أي طرح إسلامي أو غيره، وللإسلاميين الحق في التعبير عن مشاعرهم بعيداً من محاولاتهم تدجين الدولة التي تخص كل السودانيين.

وتوصل السودانيون من مدنيين وعسكريين في الخامس من يوليو (تموز) 2019 بعد الوساطة الأفريقية - الإثيوبية بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، وذلك بعد نحو سبعة أشهر من بدء الاحتجاجات الشعبية في السودان وأقل من ثلاثة أشهر من إطاحة الرئيس السوداني السابق عمر البشير، إلى توقيع الوثيقة الأولى للاتفاق في 17 يوليو.

بينما تأخر توقيع الوثيقة الدستورية حتى الرابع من أغسطس (آب)، وأقيمت مراسم التوقيع رسمياً في 17 أغسطس بحضور رؤساء دول وحكومات وشخصيات من دول عدة، حضرها رئيس وزراء مصر ورئيس المفوضية الأوروبية، وتنص الوثيقة على فترة حكم انتقالي مدتها 39 شهراً.

المزيد من تقارير