Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شريف مجدلاني يعقد خيط الزمن اللبناني المقطوع مأسويا 

"بيروت2020" يوميات خاصة وعامة مفتوحة على السرد والتأريخ الذاتي

الروائي اللبناني الفرنكوفوني شريف مجدلاني (صفحة الكاتب على فيسبوك)

لئن طغا غالباً على كتابة "اليوميات"، الطابع الخاص أو الحميم، بحسب ما درج عليه هذا الفن الأدبي تاريخياً، فإن اليوميات التي يقدمها الروائي اللبناني الفرنكوفوني شريف مجدلاني في كتابه الجديد "بيروت 2020: يوميات انهيار" (دار سوي ولوريان دي ليفر- أكت سود) تتراوح بين الطابعين الخاص أو الحميم والعام، ما جعلها في آن واحد، يوميات الكاتب نفسه ويوميات بلد أو وطن هو لبنان. ويمكن القول إنها يوميات كاتب في "جحيم" بلد، هو في حال من الانهيار البطيء، وقد جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2020، ليعجل في وتيرة انهياره. وكان الكاتب شاهداً عن كثب على ما كان يحصل سابقاً، وما حصل في اللحظة الدراماتيكية الرهيبة التي ما زال من الصعب تفسيرها، كما يعبر.

إنها يوميات إذاً، ولكن ليس في المعنى المتداول لهذا النوع من الكتابة، الذي جذب كتاباً كباراً في تاريخ الأدب من أمثال ستندال وكافكا وأندريه جيد وفيرجينيا وولف وسواهم. فالتواريخ لا تحضر دوماً، مع أن القارئ يعلم أن الفترة الزمنية تمتد بين الأول من يوليو (تموز) والعشرين من أغسطس 2020، ما يعني شهراً وعشرين يوماً تقريباً. وفي بعض "المقاطع" كما يسمي الكاتب، الفصول الصغيرة لهذه اليوميات، يذكّر قارئه أنه جالس على سطيحة منزله في الأشرفية المطلة على المرفأ، يكتب هذه السطور، أمامه الجبال ومن حوله يفوح عطر الغاردينيا. هذه الجلسة على السطيحة، يستعيدها الكاتب بعد 9 أيام، مذكراً القارئ أنه كان يكتب عليها قبل ثوان من وقوع الانفجار، وكان بلغ الفصل الرقم 50 من كتابه هذا، مشيراً إلى أنه لم يعد يجلس إلى طاولته مذاك، لا شؤماً، بل بسبب الحر الشديد. ويقول، "ما عدا الآن، إنني في حاجة إلى أن أعقد من جديد الخيط المقطوع للزمن".

الكاتب مواطناً

فعلاً عاش الكاتب كما كل المواطنين وخصوصاً البيروتيين، هذا الانقطاع في خيط الزمن، فما قبل الانفجار ليس ما بعده بتاتاً، وهذا ما تناوله الكاتب أصلاً. فما قبل الانفجار يسميه "عصراً آخر"، بل إن الزمن الذي يحضر رمزياً ومادياً في الكتاب، إنما يحضر عبر مفهوم "الخيط المقطوع". ويستحضر مجدلاني الصدفة الرهيبة التي يصفها بـ"سخرية القدر"، التي تجمع بين الذكرى المئوية لتأسيس لبنان الكبير وبداية الخراب (إفلاس، وكورونا، وانفجار المرفأ...) الذي حول البلد إلى لبنان صغير. "في الصدفة شيء من السردي الخيالي بل المأساوي"، يقول مجدلاني. لكن مفهوم "الخيط المقطوع" ينسحب في الكتاب على تاريخ لبنان الحديث الذي شهد بحسب الكاتب "ثلاثين عاماً مجيدة" أعقبتها السنوات "العجاف" (بحسب التعبير التوراتي) التي ما برحت قائمة، وستظل إن لم تحدث معجزة. هذه "الثلاثون" قامت بعد عامين من إعلان الاستقلال من الانتداب الفرنسي أي عام 1945، وانتهت على عتبة اندلاع الحرب الأهلية 1975، التي قلبت مجاز "سويسرا الشرق" إلى واقع مرير، واقع التقاتل الطائفي والانقسام والكراهية والقتل "على الهوية". وإذا كان الاختلاف حول الهوية واحداً من الأسباب الرئيسة للحرب الأهلية، فهذه الهوية ما زالت محل صراع ضارٍ، أهلي وسياسي وتاريخي وجغرافي.

يبدو شريف مجدلاني كأنه يستهل اليوميات استهلالًا روائياً، فالصفحات الأولى ذات نفَس سردي ويحكي خلالها الراوي (الكاتب) عن رحلة إلى الريف برفقة شخص نعرف أنه مالك أرض يسعى الراوي إلى شرائها منه، وهما يختلفان في طريقة الدفع على غرار ما يحصل في لبنان اليوم، نقداً أم عبر شك مصرفي؟ بالدولار أم بالليرة اللبنانية المنهارة؟ يكتب مجدلاني: "مشينا كلانا، هو وأنا حتى أشجار الزيتون. كانت ثلاثاً وبالقرب منها أشجار سنديان صغيرة خضراء. كنا نبصر في الأفق، شرقاً وجنوباً، قمم جبال، وفي الجهتين الأخريين كان المنظر شاسعاً حتى ليستحيل إدراك حدود قطعة الأرض. عرض علي الرجل الصنديد قطعة أرض أخرى، يُرى منها البحر، فأجبت أنني لا أريد رؤية البحر. إنني أراه ما يكفي، كل الأيام...". في الفصل الثاني ينتقل بنا مجدلاني إلى شارع بدارو الحافل بالمطاعم والنوادي الليلية، ويعلمنا أنه لم يجد مكاناً له ولرفاقه في أي واحد من النوادي أو "البابز" هناك. لكنه لم يلبث مع أصدقائه الستة أن وجدوا طاولة لأربعة أشخاص، ما اضطرهم إلى أن "ينزركوا" في جلستهم. طبعاً هذا مشهد مألوف في بدارو والجميزة وبعض أمكنة السهر، في السنوات الأخيرة (بحسب الكاتب)، قبل أن يحل عام الانهيار وبعده كورونا. إنها لمفارقة فعلاً أن يقبل شخص على البحث عن أرض للبيع، بينما بيته في الأشرفية يتعرض يوماً تلو يوم للأعطال، الغسالة، وأجهزة التكييف، وقسطل المجلى... وهي أعطال صغيرة بدت كأنها ترافق الأعطال الكبيرة في المدينة والبلد.

خريطة الكوارث

في الفصل الثالث الذي يحمل تاريخ الأول من يوليو (تموز) تبدأ اليوميات في المفهوم الكرونولوجي، الذي اعتمده مجدلاني ليبتعد عن الطابع الخاص أو الحميم، الذي يفترضه هذا النوع الأدبي مبدئياً: "أقضي نهاري راكضاً بين مصرف ومصرف...". ويطالعنا هنا بالأسعار الثلاثة التي يخضع لها الدولار، بين التعرفة الرسمية وتعرفة المصارف وتعرفة الصرافين، الذين يعملون في ما يشبه السوق السوداء. هذه أولى المهازل المأسوية في هذا البلد، الذي وجد فيه المواطنون فجأة أن أموالهم المودعة في المصارف باتت مجمدة. وانطلاقاً من هذه "الحادثة" يرسم الكاتب "خريطة" لبنان المجازية، وما عرفت من كوارث متوالية، جعلت من "سويسرا الصغيرة" بلداً على الحضيض. وعبر هذه الخريطة يستعرض مجدلاني المحطات الرئيسة في تاريخ لبنان الحديث، سياسياً وثقافياً و"أهلياً" في ما تعني الأهلية من حروب ومعارك وانقسامات وضغائن من جهة، ومن "سلام" أو "هدنة" موقتة دوماً، في ما يتخللها من تجاذب سلطوي و"تقاسم" وفساد وسرقات موصوفة... وبين لبنان "سويسرا الصغيرة" بمظاهرها الجميلة وحداثتها وريادتها وانفتاحها على الغرب اقتصادياً وثقافياً وفنياً، والبلد الذي أصبح بعد اندلاع الحرب الأهلية، ضاحية من ضواحي العالم الثالث، تبرز "المعضلة" اللبنانية التي كان المفكرون اللبنانيون الأصفياء يسمونها "الفكرة" اللبنانية. معضلة معقدة فعلاً تعقد الكيان اللبناني والتركيبة التعددية التي لم تنصهر عناصرها الدينية والبيئية والاجتماعية لتصنع هوية واحدة وانتماء واحداً.

لعل ما يستعرضه مجدلاني من مشكلات سياسية وتاريخية و"كيانية" وأزمات متعددة يضع القارئ الفرنسي والغربي أمام واقع لبناني، لم يكن ليتخيله، مهما عممت وسائل الإعلام في العالم من صور هذا الواقع، وقد يقع القارئ هذا في حال من الاندهاش والاستغراب فعلاً. في هذا المعنى يبدو مجدلاني كأنه يؤدي دور المواطن اللبناني في مسرحية عبثية ومأسوية، انقطاع الكهرباء والماء، والنفايات، والبطالة، والفقر، والغلاء، وكورونا، وزحمة السير، والحرائق التي تلتهم الغابات والأحراج، وثورة 17 أكتوبر، والتظاهرات، والحياة الليلية المتقطعة.... وفي مقابلها تحضر سلسلة "التقلبات" المشهودة منذ اندلاع الحرب الأهلية، الدخول السوري 1979، والاجتياح الإسرائيلي 1982، واتفاق الطائف، ومشروع إعمار البلد، وأطماع سوليدير، والاغتيالات المتتالية بدءاً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والدين العام الذي أرهق البلاد، وصعود المافيا الحاكمة الجديدة، والإفلاس ... وأجمل صفة يطلقها مجدلاني على الحالة هي "الثقب الأسود" اللبناني، وأجمل الشعارات التي يوردها ، "الدولة تريد إسقاط الشعب اللبناني"، وهو رد ساخر ومرير على شعار الثورة، "الشعب يريد إسقاط الدولة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من اعتماده اللعبة الكرونولوجية وإيراده التواريخ البارزة في هذه المرحلة وما سبقها، لم يسع مجدلاني إلى فعل التأريخ. إنها يوميات مفتوحة على عناوين المرحلة التي يعيشها كمواطن ثم ككاتب. يوميات مفتوحة، فيها من الانطباعية ما فيها من المشهدية والسرد والموضوعية والذاتية. وكم بدت مفاجئة "اللقطة" التي تبرز فيها نايلة زوجة الكاتب، المتخصصة في التحليل النفسي، وهي تُخضع نفسها للتحليل النفسي الذاتي، كواحدة من المواطنات والمواطنين الذين عانوا كثيراً من الصدمات، لا سيما صدمة الانفجار الكبير والإفلاس والفقر، عطفاً على مشكلاتهم اليومية ومنها خضوعهم الآلي لـ"سلطة" السوشيل ميديا المدمرة.

"بيروت 2020: يوميات انهيار" كتاب جميل بمأسويته، أليم بسخريته وعبثيته، مؤثر بسرده اليومي الجارح، عميق وبسيط في آن واحد، موضوعي وذاتي، تأريخي وانطباعي، وما يميزه خصوصاً اللغة المتينة والأسلوب السلس اللذين اعتمدهما شريف مجدلاني، ليكتب بهما مأساة بيروت بوجوهها المتعددة. ولعل فوزه بجائزة فمينا الخاصة في باريس، هو بمثابة تحية للكاتب الذي بات معروفاً جداً في فرنسا والعالم الفرنكوفوني وسواهما، وتحية للبنان الغارق في أزمته الكارثية.

المزيد من ثقافة