Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمن القومي يعيد روسيا إلى إقامة قواعد عسكرية في الخارج

تغيير عقيدة موسكو على وقع تصاعد المستجدات الدولية وتنامي الضغوط والعقوبات الغربية والأميركية

شهدت السنوات العشرون الماضية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي السابق تغيير استراتيجية الأمن القومي لروسيا الاتحادية أكثر من مرة، بما يعكس تباين أبعاد توجهات القيادة السياسية والعسكرية وثوابتها، ويتفق مع متطلبات مواجهة ما يطرأ على السياسة العالمية، وما يظهر من تحديات جديدة تفرض على موسكو إعادة النظر في ما كانت تعتبره من الثوابت الأساسية لحماية أمنها القومي وحلفاءها، لا سيما في ما يسمى الجوار القريب. فبعد وثيقة الأمن القومي التي أقرها الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف عام 2009 وكانت تتسم بقدر ملحوظ من المهادنة والمرونة، عاد الرئيس بوتين بعد توليه فترة رئاسة ثالثة في عام 2012 ليغيرها بأخرى تتسم بقدر أكبر من التشدد والانتقال مما يسمى مرحلة الدفاع إلى موقف الهجوم، على وقع ما طرأ على سياسات الخصم الأول وهو الولايات المتحدة، من تشدد وتوجه نحو اعتماد العقوبات الاقتصادية والسياسية سبيلاً إلى الضغط على موسكو. وقد نصت الوثيقة الجديدة على أن الولايات المتحدة وحلف الناتو يشكلان الخطر الأكبر الذي يهدد روسيا، من واقع ما تقومان به من توسع للناتو شرقاً على مقربة مباشرة من حدودها، فضلاً عن العقوبات التي تتزايد كمّاً ونوعاً ضدها، واستهداف قواتها النووية بما تسميه الدرع الصاروخية، وظهور الجديد من القواعد العسكرية التي أقامتها أميركا في رومانيا وبلغاريا.

تخلى الاتحاد السوفياتي مبكراً عن قواعده العسكرية في البلدان الاشتراكية بعد إعلانه حل حلف وارسو رسمياً في يوليو (تموز) 1991، أي قبل انهيار الاتحاد السوفياتي ببضعة أشهر، فيما استكمل انسحابه من ألمانيا الديموقراطية في يونيو (حزيران) 1994 في ظروف اتسم كثير منها بالهوان والتخاذل منه، ومن دون أي ضمانات رسمية من حلف الناتو، مكتفياً بوعود شفهية من وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر قطعها في مباحثاته مع ميخائيل غورباتشوف، ثم أنكرها.

امتداداً لما شهده مطلع تسعينيات القرن الماضي من ضعف وتراجع في المواقف والسياسات من جانب روسيا الجديدة، استهل بوتين ولايته الأولى بالتخلي عن العديد من القواعد السوفياتية التي كانت لا تزال باقية منذ تاريخ انهيار الاتحاد في ديسمبر (كانون الأول) 1991.
اتخذ بوتين قرارات أدرجها بعض المراقبين ضمن "سياسات حسن النوايا" والرغبة في التعاون مع القيادة الأميركية الجديدة، ومنها استجابته لطلب جورج بوش الابن الإذن بعبور المقاتلات الأميركية الأجواء الإقليمية لروسيا لتنفيذ مهماتها القتالية في أفغانستان في إطار مكافحة الإرهاب رداً على تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ووافق على طلب الرئيس الأميركي الأسبق في شأن الاستفادة من الخدمات اللوجستية لبعض المطارات للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين، إلى جانب وساطته لدى عدد من بلدان آسيا الوسطي منها أوزبكستان وقيرغيزستان لإقامة قواعد عسكرية أميركية للغرض نفسه من منظور مواقعها المتاخمة للحدود الأفغانية.
على أن ما فعله بوتين وكما أكدت الأحداث اللاحقة، لم يكن في إطار حسن النوايا فحسب، بل لكسر حدة انتقادات وتحديات الجانب الآخر ضد سياساته ومواجهته الحركات الانفصالية في الشيشان وشمال القوقاز . وشهدت هذه الفترة تخلي موسكو في بادرة أثارت تحفظات كثيرين من ممثلي التوجهات القومية فيها، عن آخر قاعدتين عسكريتين في كوبا وفيتنام حيث كانت لا تزال تحتفظ بمركز للرقابة الإلكترونية في لورديز الأولى، وقاعدة بحرية في خليج كامران في الثانية حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، ثم عادت بعد نحو خمسة عشر عاماً إلى محاولة استعادتهما لخدمة أهدافها في كل من المنطقتين على وقع احتدام الجدل بين المؤسستين العسكريتين الروسية والأميركية وتغير الوضع الدولي، على حد قول ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين. وننقل عن ألكسندر غولتس المتخصص في الشأن العسكري الروسي ما قاله إلى إذاعة "صوت أميركا" عن أن مثل هذه القرارات يستوجبها ما نشهده من بوادر جديدة تشير إلى العودة مجدداً إلى حالة الحرب الباردة.
أضاف أن "منطق المواجهة يستوجب أنه كلما زاد عدد القواعد العسكرية في الخارج، كان الأمن الوطني أقوى. والمهم جداً بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الروسية أن لا تكون أقل من أميركا وبخاصة في القواعد العسكرية". غير أن الواقع يقول إن ما يحول دون الوصول إلى القدر نفسه من التوازن والتكافؤ، يعود لاعتبارات كالقدرات المالية للبلدين،لأن الولايات المتحدة صارت تمتلك خلال السنوات العشر الماضية قرابة 800 قاعدة عسكرية في 177 دولة أجنبية، في سوريا وحدها 12 قاعدة، وبالدرجة الأولى في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية يبلغ قوامها نحو 300 ألف جندي. ما يكلفها سنوياً قرابة 70 مليار دولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب تقديرات المتخصصين في الشأنين السياسي والعسكري في روسيا لا يمكن أن يحول دون اضطلاعها بمسؤولياتها لحماية أمنها وحدودها وسلامة أراضيها وحلفائها. ما يدفعها إلى تغيير إستراتيجيتها للأمن القومي بما تنص العقيدة العسكرية على حماية مصالحها الوطنية وأمن مواطنيها أينما كانوا. من هنا، كان تحول القيادة الروسية إلى تعزيز نهج العودة إلى إقامة القواعد العسكرية في الخارج. وكانت حتى الأمس القريب تركز قواعدها ووجودها العسكري في مناطق ما يسمى الجوار القريب، أي بلدان الفضاء السوفياتي السابق في كازخستان وتاجيكستان وقيرغيزستان وأبخازيا وأوسيتا الجنوبية، والأخيرتان أعلنتا انفصالهما عن جورجيا من جانب واحد، إلى جانب أرمينيا، بعد جلائها قواعدها السابقة في جورجيا وأذربيجان. في الغرب، تملك قواعد عسكرية في بيلاروس ومنطقة ما وراء الدنيستر التي أعلنت انفصالها من جانب واحد عن مولدوفا.

أما قواعدها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط: قاعدتان في سوريا، جوية في حميميم، وبحرية في طرطوس، بعد نجاحها في عمليتها العسكرية التي بدأتها هناك في سبتمبر 2015 في إطار خطتها البعيدة المدى لمحاربة الإرهاب والقضاء على التنظيمات الإرهابية، والفصائل الجهادية هناك، فيما افتتحت أخيراً أولى قواعدها البحرية في بور سودان في السودان، بما يسهّل تحركاتها المباشرة في شمال غربي المحيط الهندي ومدخل البحر الأحمر. وبمرور الزمن وتنامي الأخطار والتحديات تجد روسيا نفسها وعلى وقع المستجدات الدولية أمام تغيير عقيدتها الدفاعية وإدخال التعديلات على إستراتيجية الأمن القومي، التي تبدو فيها القواعد العسكرية ما وراء حدودها الوطنية، من ثوابت مفرداتها الدفاعية. وكشفت مصادر وزارة الدفاع عن عدد من المشروعات، نقاط دعم ومراكز تسهيلات مقرر أن تتحول لاحقاً إلى قواعد عسكرية مكتملة خارج منطقة الفضاء السوفياتي السابق. وتقول موسكو إن هذه الخطط والمشروعات لا علاقة لها بما قد يسميه البعض "مشروعات استعمارية، أو خططاً للهيمنة والعدوان" ضد البلدان الأخرى، بل لمجابهة العدوان وملاحقة التنظيمات الإرهابية، مع دعم أمن البلدان التي تقبل بافتتاح مثل هذه النقاط أو المراكز الأمنية، والدعم اللوجستي.

كشفت المصادر العسكرية الروسية عن احتمالات إقامة قواعد في شمال أفريقيا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط والصومال جنوباً مع ما ذكره نيكولاي بانكوف نائب وزير الدفاع الروسي لإعادة افتتاح ما تخلت عنه طواعية من قواعد ومراكز رقابة في كوبا وفيتنام لضمان الأمن الجيوسياسي وبما يسمح بمقاومة الولايات المتحدة في حال تدهور العلاقات بينهما على حد قوله، فضلاً عن فنزويلا واليمن وأفريقيا الوسطى. وتسوّق المصادر الروسية عدداً من المبررات لتنفيذ مخططات في هذا الشأن، منها الوصول إلى جنوب البحر الأحمر والساحل الشرقي لأفريقيا لمواجهة القرصنة وتأمين حرية الملاحة وضمان أمن البحارة الروس.

أضافت المصادر، أن من الدول الصديقة ذات العلاقات الطيبة والوثيقة مع روسيا التي تحتاج إلى الحماية والدعم العسكري، ويمكن أن تكون القواعد العسكرية بالنسبة إليها مصدر دخل إضافي ومعونة مالية إلى جانب الغرض الأساسي منها وهو الحفاظ على أمنها القومي، ما ينطبق على جمهوريات كثيرة في الفضاء السوفياتي السابق. غير أن موسكو لا تنكر مدى الفائدة المرجوة لأمنها القومي من هذه القواعد، وزيادة قواتها بعيداً من أراضي الوطن. وكشفت المصادر صراحة عن أنها ستسهم في قيام المقاتلات الروسية برحلات جوية بعيدة المدى، مع ما يمكن أن تحصل عليه السفن والقطع البحرية للأسطول الروسي من دعم مادي وتقني.

في اجتماع أخير لمجلس الأمن القومي في موسكو كشفت لجنة المجلس لشؤون التخطيط الإستراتيجي عمّا تتطلب الأوضاع الراهنة من إجراءات إضافية لضمان سلامة أراضيها ووحدتها في ضوء المتغيرات الناجمة عن الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي في الولايات المتحدة، وما تمارسه وحلفاؤها من ضغوط في المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية. وقال في هذا الشأن، نيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن القومي ضرورة دعم ما وصفه "بالوضعية الهجومية للسياسة الخارجية وضمان المستوى الكافي للدفاع وأمن الدولة والمجتمع".
أكد المسؤول الأمني الروسي الاهتمام برفع المستوى العسكري والمدني للاقتصاد، وتهيئة الظروف لتحقيق التقدم في العلوم والتكنولوجيا وتأمين منظومة الطاقة ومواجهة ما يسمى الغزو الفكري والثقافي وتحقيق استقلالية المنظومة المالية. يتفق ما قاله باتروشيف مع ما سبق وقاله بوتين في خطابه في مؤتمر الأمن الأوروبي في ميونيخ في فبراير (شباط) 2007، إذ حذر فيه من مغبة القطب الواحد وانفراده بالقرار الدولي متجاوزاً الشرعية الدولية، مؤكداً أن بلاده ستعزّز قدراتها العسكرية لمتطلبات الأمن القومي، وهو ما أعلن عن تحقيقه بعد أقل من عشر سنوات من ذلك التاريخ، على صعيد الانتشار العسكري إلى ما وراء حدود بلاده، أو تحديث ترسانته المسلحة.