Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الشاعر وملهمته" لهنري روسو الجمركي الذي أسس حداثة فطرية

لا أبولينير يشبه أبولينير ولا ماري لورنسان راضية عن وزنها

"الشاعر وملهمته" للجمركي روسو (1909) خلال عرضها في متحف الفن الحديث في بودابست (غيتي)

في رسائل متبادلة بينه وبين الرسام هنري روسو المعروف بالجمركي خلال العامين 1907 و1908 ونشرتهما مجلة "سواريه دي باري" في عدد خاص كرسته عام 1914 لروسو، يكشف الشاعر والناقد الفني غيوم أبولينير كم أن روسو كان دقيقاً في عمله، فهو "قاس أذنيّ طولاً وعرضاً، كما قاس أنفي وعرض جبهتي وطول عنقي، وراح يهيئ لجلستي أمامه أنا وماري لورانسين طوال أيام، كي يرسم بورتريه لنا في زاوية اختارها بعناية في جانب من حديقة لوكسمبورغ". ترى هل يستقيم هذا الكلام الذي يمكن الركون إليه مع ما يروى عادة من "عفوية الجمركي في تحقيق رسومه"؟ مهما يكن، نعرف أن بودلير كتب كثيراً عن فن روسو "الفطري"، ووقف حائراً بين أناس أصروا على وجود تلك الفطرية وآخرين رأوا أن روسو ربما كان من أكثر مجايليه دقة في تنفيذ لوحاته، ودرس مسبق لما ستكون عليه. 

زوجان ملولان

والحال أن تلك اللوحة الشهيرة التي تحدث عنها بودلير في مطلع هذا الكلام والمعنونة بـ "الملهمة توحي إلى الشاعر"، والموجودة عادة بغير نسخة، أهمها تلك التي يملكها متحف بوشكين في موسكو، هي التي يصف بودلير اشتغال روسو عليها بكل تلك الدقة الموصوفة، لكنه يستطرد قائلاً إنه فوجئ حين عُرضت اللوحة في معرض المستقلين عام 1909 (بارتفاع 141 سنتيمتراً وعرض 114 سنتيمتراً) بكثير من النقاد والأصدقاء يغرقون في الضحك، معتبرين اللوحة طريفة للغاية "لكن الشخص المرسوم فيها لا يشبهني على الإطلاق،" ناهيك عنى أن "الملهمة" لم تبد في اللوحة ملهمة، بل بدت أشبه بربة بيت قيل لها أن ثمة من سيرسمها، فيما كانت تنهي أشغال المطبخ، "فسارعت إلى غسل يديها وتبديل ثيابها لتقف إلى جانب من يُفترض به أن يكون شاعرها"، بحسب ما كتب أحد النقاد في مجلة "كوميديا" حينها.

ومع ذلك تعتبر هذه اللوحة اليوم من أشهر لوحات الجمركي روسو وأكثرها "واقعية" حتى لو بدت الوقفة فيها أشبه بوقفة زوجين ملولين، أمام مصور فوتوغرافيّ! ولعل من المفيد أن نذكر هنا أن الرسّامة وسيدة المجتمع المرسومة إلى جانب من يُفترض أنها صاحبته، لكنه يتفادى الإشارة إليها، ماري لورنسان، ما إن شاهدت اللوحة في العرض المذكور حتى كتبت رسالة إلى هنري روسو تكتفي بأن تلفت نظره فيها إلى "أنني في الحقيقة أنحف كثيراً مما رسمتني". فاكتفى بأن أجابها ببساطة، "إن أبولينير يا سيدتي شاعر كبير وهو يحتاج بالتالي إلى ملهمة ضخمة!".

ويبدو أن الفنانة لم تعلق بكلمة على موقف روسو منها، تماماً كما أن أبولينير نفسه لم يحاول أن يقارن بين الاستعدادات الدقيقة والطويلة التي قام بها الرسام، وبين النتيجة التي تمخضت عنها كل تلك الجهود، والتي بحسب أحد النقاد "كان يمكن الاستغناء عنها وإنجاز اللوحة غيباً من دونها".

 

عفوية مدروسة

على أي حال، لا بد من الإشارة هنا إلى أنه منذ أن أطل هنري روسو على الحياة التشكيلية الفرنسية انقسم الناس حياله، وحيال أعماله بالطبع، إلى قسمين، قسم أدرك عمق شاعريته وغرابة مواضيعه وأجوائه، وأن ذلك الأسلوب الفطري أو الساذج الذي كان يعتبر في ذلك الحين أحد كبار وأوائل مبدعيه، سيكون له شأن ما في فنون القرن الـ 20، وقسم ثان يأخذ على لوحات روسو، وبالتحديد تلك الفطرية التي تطبعها، والتي كان يرى فيها أسلوباً صالحاً للوحة واحدة، أما إذا تتكرر في لوحات عدة فإن المسألة لا تعود مرتبطة بالفن الإبداعي، بل بالعمل الحرفي.

غير أن المكانة التي احتلها روسو خلال الربع الأخير من القرن الـ 19 والتي أمنت له شهرة واعترافاً رافقاه حتى رحيله عن عالمنا في سبتمبر (أيلول) 1910، أتت بعد ذلك لتؤكد انتصار أصحاب الرأي الأول على أصحاب الرأي الثاني، مما جعل أسلوب روسو يعتبر مكوناً أساسياً من مكونات الحداثة الفنية، حتى وإن تمكن نقاد الفن ومؤرخوه بعد ذلك من إيجاد روابط ما تصل بين أسلوب روسو وأساليب أخرى كانت سادت في عصر النهضة وما بعده، ووصلت إلى ذروتها مع فنان مثل أرشمبولدو.

في تاريخ الفن عرف هنري روسو بلقب "الجمركي"، وذلك بسبب الوظيفة المتواضعة التي كان يشغلها في دائرة الجمارك في باريس. وكذلك عرف بتوجهه الفني الذي جعله يعتبر على هامش جميع أساليب التعبير الفني في عصره، هو الذي كان عمله يبدو مؤسساً لا يستند إلى أية تقاليد سابقة عليه. والحال أن السمة الأساسية التي طبعت أعماله كانت شاعرية الخيال، والعفوية المطلقة.

روح تواقة إلى الغرابة

لكنها كانت، وربما تفيدنا اللوحة التي نتحدث عنها هنا بعض الشيء في ما نرمي إليه، عفوية خداعة على أي حال، لأننا اليوم إذ نتأمل لوحات الجمركي روسو المعلقة نسخاً في معظم البيوت، يمكننا أن نكتشف أنها لم تكن على تلك الفطرية والسذاجة، بل كانت بساطتها مدروسة بعناية ومتعمدة، تخفي وراءها روحاً تواقة إلى عوالم الغرابة والهرب من واقع ما، وكأن الفنان شاء هنا أن يخلق لنفسه عوالم موازية ترتبط بالرغبات الطفولية والأحلام الرومانسية.

ولد هنري روسو في لافال في 1844، وعاش الـ 40 عاماً الأولى من حياته عيشة غامضة في منأى عن الأوساط الفنية، أما بدايات ظهوره الحقيقية فكانت في 1885، حين بدأ يعرض وبانتظام في صالون المستقلين، وحقق من النجاح والدهشة الفورية إزاء عمله، ما جعله يتقاعد العام 1894 من وظيفته الحكومية ليتفرغ للرسم نهائياً، وظل ذلك دأبه حتى رحيله في 1910.

غير أن نجاح روسو الفوري لم يضمن له اعتراف النقاد الذين راحوا يتساءلون باستنكار عن جدوى ذلك الفن الطفولي، ولكن في المقابل تمكنت لوحات روسو الأولى من أن تثير حماسة الأوساط الفنية الطليعية، ولا سيما الرسام روبير ديلوني وبيكاسو والشاعرين الفريد جاري وغيوم أبولينير، اللذين راحوا يدافعون عنه بحرارة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

معظمه صناعة محلية

خلال المرحلة الأولى من عمله الفني انكب روسو على رسم المشاهد الغريبة، وحين يسأله أحد عن الأمكنة والخلفيات التي يستمد منها مواضيع لوحاته، كان يجيب كاذباً بأنه إنما يستمد صوره من رحلة قام بها إلى المكسيك، واليوم نعرف عن يقين أن روسو لم يقم بأية رحلة إلى هناك، أما النباتات الاستوائية التي ملأت لوحاته الأولى، فإنه لم يشاهدها إلا داخل حديقة النباتات في باريس.

لكن روسو لم يكتف برسم المشاهد الطبيعية والغرائبية والاستوائية، بل إنه أخذ بالتدريج يهتم برسم مشاهد الحياة اليومية، ولكن على الدوام ضمن إطار أسلوبه الفطري الطفولي، وهكذا حقق لوحات اشتهرت ولا تزال مثل لوحة "العرس" و"عربة السيد جونييه".

ولعل أهم ما طبع لوحات روسو تلك هو قدرته الهائلة على تحويل أكثر المواضيع والمشاهد عادية إلى عالم مليء بالسحر والحلم، بل لعل تأملاً تقوم به اليوم لبعض لوحات روسو يكفينا لإدراك الدهشة التي كانت تصيب معاصريه أمام عمل حققه فنان علّم نفسه بنفسه، فمن صرامة تكويناته في "ساحرة الأفاعي" إلى قوة البعد الحلمي "البوهيمية النائمة" إلى غرابة المشهد وقوته التعبيرية في لوحة "الحرب"، تراوحت أعمال روسو لتخلق أسلوباً فنياً جديداً، لم يكن ليخامر صاحبه يوماً في أنه سيكون واحداً من أساليب الفن التشكيلي في القرن الـ 20، إلى درجة أن أندريه بريتون، شيخ السوريالية لم يتوان عن التعبير عما تدين به السوريالية لذلك الجمركي البسيط الذي "تقوم لوحاته على حجر الزاوية للإبداع، الإبداع الذي لا يمتلك في نهاية الأمر سوى القدرة على أن يستكمل في أعماقنا الحنين إلى الطفولة".

المزيد من ثقافة