Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا سكتت تركيا على تهديدات المافيا لكليجدار أوغلو؟

لم يتصدَ أردوغان أو أي مسؤول في حكومة حزب العدالة والتنمية للرد عليها لمدة 24 ساعة

علاء الدين تشاكجي (أ ف ب)

وجه زعيم المافيا الشهير المدعو علاء الدين تشاكجي تهديداً صارخاً لزعيم المعارضة وزعيم حزب الشعب الجمهوري (كمال كليجدار أوغلو) في تغريدته على تويتر: "أنظر إليّ أيها الدرزي! لقد وصمتَ (بهتشلي) بـ"بواب القصر"، فإذ تجاوزتَ حدود أسلوبك فإني سأعرفك بخازوق الفول. ولربما يشجعك الخونة من خلال سيكولوجية الجماهير، لكنهم لن يكونوا إلى جانبك في الأوقات الصعبة. لهذا السبب أقول لك كن: كيساً ذكياً".

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يحكم الدولة، ولا أي مسؤول من حكومة حزب العدالة والتنمية، ولا قاض أو مدع عام تصدى للرد على هذا التهديد مدة 24 ساعة. تماماً مثل استقالة بيرات ألبيرق، التي سكت الجميع عن التفوه بها والتعليق عليها.

بل صدرت بعض تصريحات مؤيدة لزعيم المافيا. إذ قال دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية وشريك حزب العدالة والتنمية في السلطة: "إجابتي علَى كيليجدار أوغلو والمتعاونين معه هي: علاء الدين تشاكجي هو ابن شهيد وأولْكُوجِي (وهي منظمة حركية يمينية منتشرة في تركيا تدعو إلى إنعاش فكر القومية التركية). تشاكجي عاشق للوطن والأمة التركية. إنه رفيق دربي في القضية".

وصرح (محمد مَتِينَرْ)، النائب السابق لحزب العدالة والتنمية وكاتب في صحيفة ستار التابعة لأردوغان، : "علاء الدين تشاكجي، الذي أعرفه غيابياً، رجل شجاع صدوق اللسان".

لكن الرأي العام على الرغم من ذلك، تلاحم ولم يترك الميدان لفساد المافيا، وهبّ من جميع الأطياف السياسية والفكرية لدعم (كيليجدار أوغلو) على وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من رد الفعل الواسع من المجتمع، للأسف لم يتصدّ أي مدع عام لفتح تحقيق ضد تشاكجي إلا بعد 24 ساعة، بطلب من المسؤولين في حزب الشعب الجمهوري. ولم يصدر أي رد فعل من الحزب الحاكم إلا من مسؤول واحد علق على القضية بعد يوم كامل، وبأسلوب ضئيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في السابق كان الأشخاص والمؤسسات التي على صلة بالمافيا أو الهياكلِ العميقة يتخذون الاحتياطات الممكنة لتجنب فضح علاقاتهم بها. لكن في الوقت الحالي وصلت العلاقات بين رجال الدولة والمافيا إلى درجة لا يشعرون بالحاجة إلى التستر عليها.

لا ننسى أن تشاكجي الذي سبق أن هدد الرئيس أردوغان نفسه وحكم بالسجن 10 أشهر بسبب ذلك، يعمل الآن جنباً إلى جنب مع كل من أردوغان وشريكه زعيم حزب الحركة القومية.

وأفرج عن تشاكجي في أبريل (نيسان) الماضي بطلب من زعيم حزب الحركة القومية (بهتشلي) وبموافقة الرئيس أردوغان. وكان تشاكجي مسجوناً على خلفية قتل زوجته، وبيع المخدرات، والابتزاز، وجرح 15 شخصاً. 

فور إطلاق سراحه أَرسل رسالة شكر علانية إلى أردوغان. كما قام بأول زيارة له بعد خروجه إلى وزير الداخلية الأسبق محمد آغار، ووكيل الاستخبارات الأسبق كوركوت أَكَنْ، والفريق المتقاعد والقائد السابق للقوات الخاصة إنجين آلان.

للمفارقة، أن الأشخاص الذين تقلدوا في السابق مناصب حساسة في الدولة أصبحوا اليوم لا يرون بأساً في لقاء زعيم المافيا والتقاط الصور معه ومشاركتها في الصحافة. 

تجدر الإشارة إلى أن وزير الداخلية الحالي سليمان صويلو هو أيضاً من فريق محمد آغار وزير الداخلية الأسبق، ولم يزل من رجاله الذين يحظون بثقة عالية.

وقد أشرتُ في مقالي المنشور الأسبوع الماضي إلى الخلاف الحاد بين سليمان صويلو وبين بيرات ألبيرق صهر أردوغان المستقيل، والحرب بينهما لم تهدأ وستستمر في المسقبل.

إذا تعمقنا في حيثيات التهديد نستشف أن الهدف الحقيقي من التهديد في هذه الرسالة هو أردوغان نفسه وليس (كيليجدار أوغلو) التي وُجه إليه التهديد. من باب "إياك أعني واسمعي يا جارة!".

ونستطيع القول إن هذه الهياكل المظلمة التي تحالف معها أردوغان منذ عقد من الزمان تقريباً، بدأت الآن في الالتفاف على حكومة حزب العدالة والتنمية.

وكأني أسمع الآن من قارئي العزيز يتساءل: هل من الممكن أن يقوم أحد في تركيا بتهديد أردوغان في الظرف الحالي؟

اسمحوا لي أن أشرح بإيجاز:

لقد بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية للتو تدرك أنها لن تستطيع التعافي من الأزمة الاقتصادية. وبدأ أردوغان يلاحظ أن الشعب لم يعُد يؤمن بالخطابات والمفاهيم الدينية والشعارات القومية التي ظل يستخدمها على مر السنين للتلاعب بعقول الجماهير.

ومهما تنازل عن سياساته الاقتصادية السابقة وسمح بأن يرفع البنك المركزي سعر الفائدة من أجل كبح جماح التضخم، فإن الاقتصاد التركي لن يتعافى بالتأكيد.

بالتالي فقد أصبح أردوغان يدرك بأن الخرق اتسع على الراقع، وأن هذه الخطوات المتخذة لإنقاذ الموقف لن تجدي على المدى القريب والمتوسط في بلده الذي بدأت تتحكم فيه الفوضى واستشرى الفساد بدلاً من سيادة القانون.

هناك موضوع صواريخ (S-400) الروسية، التي اشترتها تركيا من روسيا لكنها لم تستطع أن تستخدمها بعد. فإذا لم تتراجع عن تفعيلها، فمن المحتمل بقوة أنها ستتعرض للعقوبات الأميركية.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي أنه قد يفرض عقوبات في ديسمبر (كانون الأول) إذا لم تصحح أنقرة أسلوبها في التعامل مع قضية شرق البحر المتوسط والأزمة مع اليونان.

باختصار، نلاحظ أن أردوغان المحصور في زاوية أصبح لهذه الأسباب يلوّح منذ بضعة أيام بأنه سيتخلى عن أفكاره التي دافع عنها بعناد على مدى سنوات. ففي الداخل بدأ يطلق شعارات الرجوع إلى القانون بحق الأكراد وشرائح أخرى.

كما أنه في السياسة الخارجية، بدأ يرسل رسائل إيجابية إلى الولايات المتحدة ويشير إلى مواصلة الطريق في اتجاه الاتحاد الأوروبي.

إضافة إلى أنه أرسل بسمات دافئة إلى دول الشرق الأوسط من خلال الرياض بمناسبة قمة مجموعة العشرين التي عقدت تحت قيادة السعودية. 

بالعودة إلى  تهديدات رئيس المافيا، فإن رجال هذه البؤر الخطيرة هم أعرف الناس بمدى ضعف موقف أردوغان إزاء هذه القضايا المستفحلة، ولذلك فهو حيال هذه القضية أمام أمرين:

إما أن يرد على التهديد، ويعني انتهاء تحالفه مع حزب الحركة القومية، وعند ذلك لن يفوز بمفرده في الانتخابات المقبلة. وإما يسكت، وبذلك ستظهر أزمات اجتماعية في البلد الذي يمر بأزمة اقتصادية حادة، وربما ستكون تبعاتها أسوأ لأردوغان وحزب العدالة والتنمية من الخسارة في الانتخابات. إنه لا يريد أن يخسر، وهو مستعد للتضحية بكل شيء من أجل الفوز.

أخيراً أقول: إن الرئيس أردوغان على مفترق طرق وربما في نهاية الطريق، وهو على علم بذلك. ليس لنا إلا انتظار سَير الأحداث.

المزيد من تحلیل