Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركا وبريطانيا أكبر الخاسرين من الفشل في احتواء كورونا

تعمل الجائحة على تسريع انتقال القوة إلى الدول وعالم متمركز حول آسيا

يقول الدكتور هانز كلوج، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، إن عمليات الإغلاق (الحجر) غير ضرورية إذا كان 95 في المئة من السكان يستخدمون الكمامات. ومن الجيد معرفة هذا، لكن من المؤسف أن المنظمة لم تشدد على هذه النقطة في مارس (آذار) الماضي، بينما كانت الجائحة تنتشر في جميع أنحاء أوروبا والعالم.

في ذلك الوقت، أعلنت ضرورة ارتداء الكمامات، لكن نصيحة استخدامها جاءت من مصدر مرفوض لدى القادة الأوروبيين والأميركيين باعتباره غير مقبول من الناحية السياسية. فبينما كانت بريطانيا ودول أوروبية أخرى تتجه نحو الإغلاق، سُئل الدكتور جورج غاو، المدير العام للمركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وهي هيئة الصحة العامة في الصين، في مقابلة في 27 مارس عن الأخطاء التي كانت في اعتقاده ترتكبها دول أخرى تحاول السيطرة على الوباء، وأجاب أن "الخطأ الكبير في الولايات المتحدة وأوروبا، بحسب رأيي، هو أن الناس لا يرتدون الكمامات".

كان ينبغي أن يؤخذ رأيه على محمل الجدّ لأن الصين، على الرغم من قمعها للإيغور والديمقراطية في هونغ كونغ، إلى جانب دول أخرى في شرق آسيا، كانت ناجحة في السيطرة على وباء كورونا. لكن بدلاً من الاستفادة من هذه التجربة، فإن الحرب الباردة الجديدة ضد الصين كانت كفيلة بتجاهل أي أخبار إيجابية من هناك أو بعدم تصديقها أو السخرية منها. في حين، سُلّط الضوء على إخفاء الصين للوباء في بادئ الأمر، وأُغفل نجاحها في احتوائه.

وعندما أشير إلى عودة البلاد إلى الحياة الطبيعية، أُرجع ذلك إلى الحكم الاستبدادي الذي لا تمكن ولا تنبغي محاكاته في أي مكان آخر. لكن في الواقع، يعود الإنجاز الصيني كثيراً إلى تدابير تقليدية في الصحة العامة، من خلال التركيز الشديد على الاختبار والتتبّع وحظر السفر، التي بُذل جهد حثيث في التزامها وحشد موارد هائلة.

كان رفض الاستفادة من حملة ناجحة ضد فيروس كورونا بدعوى أنها نُفّذت على يد منافس سياسي، تدميراً ذاتياً لأوروبا والولايات المتحدة، لكن ردّهم لم يكن غير متوقع. فقبل الجائحة، كنّا نعيش في عالم بات يبتعد عن العولمة بحيث تتدافع الدول، الأمم، كلّ على حِدَة لتعزيز قوتها. في غضون ذلك، كان نفوذ المؤسسات والائتلافات الدولية المستندة إلى القانون (نواة النظام الدولي)، من منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية إلى الاتحاد الأوروبي وحلف "ناتو"، يتراجع. وسلّطت الجائحة الضوء بشكل كبير على حقيقة أن القومية التي انبعثت شعلتها، أصبحت روح العصر السارية من أميركا إلى الفيليبين ومن الصين إلى البرازيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وغلب هذا الاتجاه بشكل واضح منذ 2016، وهو العام الحاسم الذي شهد تصويت المملكة المتحدة على مغادرة الاتحاد الأوروبي واختيار الولايات المتحدة دونالد ترمب رئيساً لها، وتحوّل تركيا إلى دولة أوتوقراطية مكتملة الأركان في أعقاب انقلاب عسكري فاشل.

لكن كوفيد-19 أعطى للتاريخ دفعة قوية في منحدر كان فيه بالفعل. ولو أن تهديداً عالمياً مثل فيروس قاتل لا يعرف الحدود قد ظهر قبل عقد من الزمان، لكان ربما أثار استجابة عالمية برعاية الولايات المتحدة. ولكن بعد ظهور فيروس كورونا في ووهان في نهاية عام 2019، حدث العكس وأدى إلى تسريع عملية تفكّك العولمة، وليس فقط بسبب كراهية الأجانب الصاخبة التي يدعمها ترمب أو من قبل أمثاله الصغار الذين بدأوا في الظهور في جميع أنحاء العالم.

لم تكن "القومية الصحية" قضية الساعة فقط بين الأنظمة الشعبوية القومية والأنظمة الشمولية، إذ تشير دراسة بعنوان "أوروبا الجيوسياسية في أزمنة كوفيد-19" لمؤلفها مارك ليونارد من مجلس أوروبا للعلاقات الخارجية، إلى أن صدمة الجائحة أثارت استجابة مشابهة من الدول، الأمم، داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه.

وقال ليونارد، "من الواضح أنّ أيّاً من القوى العظمى لم تلتفت إلى منظومة متعددة الأطراف لتقديم استجابة للجائحة، فمع تضاعف أعداد الوفيات، تصرفت كل دولة كما لو كانت وحيدة، فأغلقت الحدود وكدّست التجهيزات الطبية وفرضت الرقابة على الصادرات". ويستمر هذا التصدي للعولمة السياسية والتجارية ويؤثر في مختلف الجوانب من الهجرة العابرة للحدود، والسفر والسياحة العالمية إلى سلاسل التوريد العالمية وتوزيع اللقاحات.

أما الدفعة الأخرى التي قدّمها كوفيد-19 للتاريخ، فهي تحويل ساحة السياسة الدولية المحورية من أوروبا إلى آسيا. وفي هذا الصدد، يتخبّط الاتحاد الأوروبي سياسياً ويُظهر مرة أخرى نقاط الضعف التي كشف عنها خلال الأزمة المالية عام 2008 وأزمة اللاجئين الناجمة عن حروب الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن بروكسيل قد تبدو كوحش هائل لبريطانيا التي همّشت نفسها وهي تفاوض شروط خروجها من الاتحاد الأوروبي، إلّا أن هذا الأخير أصبح بدوره يعاني مزيداً من التهميش في العالم.

في هذه المرحلة، هل يمكن إعداد دليل عام للفائزين والخاسرين في عام كوفيد-19؟ تعتبر أميركا وبريطانيا خاسرتين كبيرتين. لقد كان ترمب وجونسون غوغائيين ومثيرين للشقاق قبل اندلاع الجائحة. لكن عندما ضربت العالم، كشفت على نحو فاضح عن الطبيعة المختلّة لحكومتيهما وعجزهما الشخصي عن التعامل مع أزمة حقيقية. ولقد فاقمت الادعاءات الزائفة بالفوز في الانتخابات الرئاسية التي يطلقها الرئيس ترمب هذا الشعور بالانهيار المزمن، ما ينذر باستمرار الانقسام وعدم الاستقرار في أميركا على نحو دائم.

وبالنسبة إلى بريطانيا، فإن مستقبل ما بعد كوفيد-19 وما بعد "بريكست" يبدو قاتماً أكثر مما هي حال أميركا. فهذه الأخيرة قوة عظمى يمكنها ارتكاب أخطاء فادحة على خلاف بريطانيا التي لا تستطيع فعل ذلك لكونها لاعباً صغيراً.

وكان من المؤكد أن الخروج النهائي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون أمراً صعباً، لكن فيروس كورونا يعني أن عملية الانسحاب هذه ستدخل حالياً مشهداً سياسياً خطيراً جداً. ومع أن "بريكست" في حد ذاته ليس غريباً (شاذاً عن أحوال الأمم)، إذ إن بلداناً عدة سعت إلى تقرير مصيرها مدفوعة بأحلام استرجاع السيطرة، إلا أن بريطانيا كانت تقليدياً تعتمد على التحالفات الدولية في الحرب والسلم. وعندما وقفت وحيدة، خصوصاً ضد نابليون وهتلر، كان ذلك فقط لأن حلفاءها هُزموا ولم يكن لها أي خيار آخر.

الأرجح أن تحاول بريطانيا ترميم علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا عبر التحوّل إلى مقاتل صغير شجاع لصالحهما في الحرب الباردة المتصاعدة ضد روسيا والصين. وهذا ما يفسّر رفع جونسون موازنة الدفاع 16 مليار جنيه على مدى السنوات الأربع المقبلة، على الرغم من الأضرار الكارثية التي ألحقتها الجائحة بالاقتصاد. وتشدّ مثل هذه المبادرات، إلى جانب بعض التهديد الذي يمثّله التضخم، عود التحالفات، لكنها بالكاد تكون استراتيجية جديدة، لأن توني بلير حاول تبنّي مقاربة مماثلة وكانت لها نتائج كارثية عندما انضم إلى المغامرات العسكرية في العراق وأفغانستان.

وتواجه بريطانيا إحدى أخطر الأزمات في تاريخها في ظل قيادة تعدّ الأقل جدّية في تاريخها. ولقد تبيّن أن مؤيدي "بريكست" أكثر خطورة من هذه العملية "بريكست" ذاتها. فكل أسبوع يأتي بدليل جديد على أخطائهم وصفقاتهم المشبوهة وعجزهم عن إدراك أخطار إلغاء عولمة عالم ستكون فيه بريطانيا سمكة صغيرة تحاول الإبحار في المحيطات السياسية.

© The Independent

المزيد من آراء