Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يبدل الخريطة السياسية والاستحقاقات الانتخابية في العالم

أجبر الفيروس 73 دولة على تأجيل الانتخابات و43 أخرى استأنفتها والمنافسة في الولايات المتحدة كانت أسيرة الوباء

على مدار العام المنصرم تمت الاستحقاقات الانتخابات في موعدها بـ89 دولة وإقليماً على الرغم من مخاوف تفشي الجائحة (أ ف ب)

على مدار العام الماضي طالت حالة الارتباك والغموض التي فرضتها تداعيات جائحة كورونا في نوفمبر (تشرين الثاني)، وانطلقت من سوق هوانان للأسماك في مدينة ووهان بمقاطعة هوبي، وسط الصين، جميع نواحي الحياة لسكان الأرض القابعين في قبضة الفيروس.

فإلى جانب الأزمة الصحية، التي كشفت عنها الجائجة مع تجاوز إصابات كورونا عالمياً 57 مليوناً، والوفيات أكثر من مليون و362744، وتداعيات ذلك الاقتصادية والسياسية حول العالم، كان لعالم "الانتخابات والاستحقاقات الدستورية" نصيب، بعد أن أصاب الوباء الأجندات السياسية المحلية والدولية، وبات عاملاً مرجحاً ومؤثراً في أطرافها المنخرطة بها، فضلاً عن التغيرات التي طرأت بخريطتها في الدول، التي كان من المقرر أن تشهد انتخابات رئاسية أو نيابية على مدار عام 2020، حيث تراوحت المواقف بين المضي قدماً في الإصرار على إجراء الانتخابات، أو إجراء جزء منها دون استكمالها، وصولاً لتأجيلها لمدة محددة، أو لأجل غير مسمى، على وقع تحذيرات صحية متواصلة، بشأن "تجنب التجمعات لمواجهة تفشي الوباء".

كورونا والانتخابات حول العالم

بحسب إحصاء المعهد الدولي للديمقراطية ودعم الانتخابات، ومقره ستوكهولم بالسويد، فإنه في الفترة بين 21 فبراير (شباط) و15 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي، تم تأجيل الانتخابات العامة والإقليمية الفرعية في 73 دولة وإقليماً على الأقل بسبب مخاوف من انتشار جائحة "كوفيد-19"، بينها 39 تم تأجيل الاستفتاءات والانتخابات العامة بها، كما تم إجراء الانتخابات في 43 منها بعد أن تم تأجيلها سابقاً بسبب المخاوف ذاتها، بينها 23 دولة على الأقل أجرت انتخاباتها العامة أو استفتاءات على دساتيرها، مضيفاً "في المقابل تم إجراء الانتخابات العامة والإقليمية الفرعية في 89 دولة وإقليماً بالمواعيد المحددة لها على الرغم من مخاوف الجائحة، بينها 69 أجرت انتخاباتها العامة أو استفتاءات على دساتيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن بين الحالات التي حظيت باهتمام إعلامي واسع، كانت الانتخابات التشريعية التي أجريت في كوريا الجنوبية منتصف أبريل (نيسان) على الرغم من كونها ضمن دول الموجة الأولى لانتشار وباء كورونا.

ففي الحالة الكورية الجنوبية، وبحسب المعهد الدولي للديمقراطية ودعم الانتخابات، اتخذت الهيئة المشرفة على الانتخابات عدة إجراءات لتأمين الناخبين والعاملين في مراكز الاقتراع، التي بلغ عددها 14 ألفاً؛ منها الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي أثناء الانتظار قبل الدخول إلى مكان التصويت، وإلزام الناخبين بارتداء الكمامات الطبية، وقياس درجة حرارة الناخبين قبل دخولهم مركز الاقتراع، وفي حالة الاشتباه في أحدهم يتم توجيهه إلى غرفة للتصويت مخصصة لهذا الغرض، وقيام الناخب بتعقيم اليدين وارتداء قفازات إبان عملية التصويت. ولاحقاً استطاعت الإجراءات الكورية الجنوبية الصارمة والالتزام الشعبي بها من الحد لتأثيرات الموجة الأولى من الوباء.

في جانب آخر، كانت من بين الدول التي أصرت على المضي قدماً في موعد انتخاباتها قبل أن تُداهمها سرعة تفشي الوباء، وترضخ لتأجيل مراحلها اللاحقة، إيران وفرنسا، ففي الأولى، أجرت إيران انتخابات الجولة الأولى لمجلس الشورى، في فبراير (شباط)، في وقت كانت فيه هي الدولة الثالثة في العالم من حيث انتشار المرض، وترتب على ذلك انخفاض نسبة المشاركين في التصويت، ووفقاً لبيان وزير الداخلية الإيراني، فإن نسبة الإقبال بلغت 42.6 في المئة، وإن هذه النسبة، حسب قوله، هي أقل نسبة إقبال في الانتخابات البرلمانية. وكان من المفروض إجراء الجولة الثانية من الانتخابات في أبريل، ولكن صدر قرار بتأجيلها وإتمامها في وقت لاحق من العام.

أما فرنسا، التي أجرت الجولة الأولى من انتخابات المجالس المحلية في مارس (آذار)، وشملت 35 ألف مدينة وقرية وبلدة، فقد أجبر تفشي المرض إعلان السلطات تأجيل الجولة الثانية، في المقابل كانت هناك دول آثرت التأجيل من البداية؛ كما في إثيوبيا التي أجلت الانتخابات البرلمانية التي كان مقرراً عقدها في 29 أغسطس (آب) إلى أجل غير مسمى، وبريطانيا التي أقر رئيس وزرائها بوريس جونسون تأجيل الانتخابات المحلية، التي كانت من المقرر عقدها مايو (أيار) إلى نهاية العام.

وفي حين بقي وباء كورونا يحكم قبضته على المشهد السياسي والاقتصادي في أغلب دول العالم، كان أيضاً بمثابة فرصة لتيارات سياسية أخرى للتمدد وبسط النفوذ على المجتمعات. ففي دراسة حديثة أعدتها منظمة "مشروع مكافحة التطرف"، شملت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والسويد وفنلندا، استخلصت أن اليمين المتطرف يسعى بشكل متزايد لاستغلال الجائحة للتمدد في أوروبا والولايات المتحدة، عبر بناء روابط عالمية واستغلال جائحة "كوفيد-19" لاستمالة مناهضين للقاحات وأتباع نظريات المؤامرة، موضحة أن الجائحة تحولت إلى وسيلة يستغلها المتطرفون من أجل "توسيع نطاق تعبئتهم لتشمل نظريات مؤامرة مُعادية للحكومات عبر انتقاد القيود المفروضة حالياً".

ويؤمن المتطرفون بنظرية "الاستبدال العظيم"، التي تعتبر أن الشعوب الأوروبية البيضاء يجري استبدالها بشكل منتظم بوافدين من خارج القارة. وهم يعملون بشكل متزايد على بناء شبكات عابرة للحدود مع نشطاء آخرين، لا سيما من الروس ومتطرفي دول أوروبا الشرقية.

وجاء في تغريدة أطلقها وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، أن "التطرف اليميني أكبر خطر يتهدد أمننا في أوروبا"، وحذر من حركة "تزداد نشاطاً وترابطاً عالمياً"، وقال إن ألمانيا تسعى إلى التصدي للتهديد عبر تحرك منسق مع غيرها من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

كيف أحكم الوباء قبضته على المنافسات الانتخابية؟

بخلاف الاستحقاقات الانتخابية التي كان الوباء أحد أبرز موضوعاتها، لا سيما على الصعيد الصحي والاقتصادي، جاءت الحالة الأميركية وانتخابات الثالث من نوفمبر بين الرئيس الجمهوري دونالد ترمب، ومنافسه الديمقراطي جو بايدن، مثالاً على تمركز الوباء في قلب معركتها الانتخابية، لدرجة وصفها الإعلام الأميركي بـ"استحقاق كوفيد-19"، لا سيما أنها تأتي على قائمة الدول الأكثر تضرراً من الوباء حول العالم من حيث عدد الوفيات والإصابات مع تسجيلها أكثر من ربع مليون وفاة، ونحو 12 مليون إصابة، حسب تعداد جامعة جونز هوبكنز.

 

ففي الانتخابات الأميركية، التي أعلنت وسائل إعلام أميركية، فوز المرشح الديمقراطي بها، وسط رفض الرئيس ترمب لنتائجها، كان الوباء مسيطراً طوال أشهر على المشهد الانتخابي، بدءاً من تبادل الاتهامات بين المتنافسين، وصولاً إلى عملية الاقتراع وفرز الأصوات، حيث صوت عدد كبير من الناخبين عن طريق البريد، بلغوا نحو 70 مليوناً من بين أكثر من 150 مليون صوت بحسب إحصاء من مشروع الانتخابات الأميركية في جامعة فلوريدا، وسط مخاوف من التعرض للإصابة بفيروس كورونا في أماكن الاقتراع المزدحمة يوم الانتخابات.

وفي معرض تحليلها لنتائج الانتخابات الأميركية، قالت "نيويورك تايمز" إن "تداعيات وباء كورونا أحد أبرز الأسباب التي قادت إلى عدم تمكن الرئيس ترمب من الحصول على ولاية ثانية"، موضحة "قبل وصول الفيروس للبلاد، كانت المؤشرات السياسية لترمب قوية. فقد نجا من المحاكمة تمهيداً لعزله. ووصلت نسب تأييده لأعلى مستوياتها، وهو 49 في المئة، فضلاً عن تباهيه بالإنجازات الاقتصادية التي حققها خلال ولايتها الأولى وخفضه غير المسبوق لنسبة البطالة، وهي عوامل تضمن لأي رئيس ولاية ثانية"، مضيفة "لكن بعد تفشي وباء كورونا، وما تلا ذلك من أزمة اقتصادية، صار إثبات ذلك شبه مستحيل".

وفي الأسابيع الأولى من الوباء في الولايات المتحدة، شكل ترمب فريق عمل في يناير (كانون الثاني)، وعارض إغلاق البلاد كلياً، وأعطى أولوية للتطوير السريع لعلاجات فيروس "كوفيد-19"، واللقاحات التي تقي منه، وخصص لذلك مبلغاً قدره 10 مليارات دولار. في المقابل، انتقد بايدن سياسات ترمب، متعهداً في أول أيامه بالبيت الأبيض، بوضع استراتيجية وطنية "للمُضي قدماً" في مجابهة جائحة "كوفيد-19" من خلال سن قانون رئيس في الكونغرس لتمويل حملة اختبار وطنية "ستكون نتائجها متاحة على الفور"، وصناعة منتجات ومعدات طبية في الولايات المتحدة وجعل وضع الكمامات إجبارياً في المباني الفيدرالية ووسائل النقل بين الولايات، وتوفير لقاح مجاني "للجميع" في المستقبل.

وأظهرت استطلاعات جرت على مدى عدة أشهر أن الأميركيين يرون أن الرئيس ترمب لم يحسن إدارة أزمة الفيروس، ففي استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أي قبل أيام من الاقتراع الانتخابي، في الثالث من نوفمبر أعرب 40 في المئة فحسب، من المستطلعين عن تأييدهم لطريقة تعامله مع أزمة الوباء مقارنة بـ60 في المئة خلال مارس. كما قال باحثون في تحليل نشرته مجلة "ساينس أدفانسز"، إن "الوباء قد أضر بشكل كبير التأييد الشعبي لترمب".

وإجمالاً، ووفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة إبراهيم المنشاوي "تبقى تأثيرات كورونا في السياسة المحلية والدولية ضمن المحطات الكبرى التي غيرت العالم خلال العصر الحديث"، مضيفاً في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن "عالم السياسة بعد فيروس كورونا لن يكون مثلما كان قبله، وأن هذا الأمر لن يقتصر فحسب على مستويات الحكم وصناعة القرار، بل سيطال آراء المواطن العادي في جميع مناحي الحياة، لا سيما السياسية منها والمتعلقة بالانتخابات واختيار ممثليه، خصوصاً في بالدول الديمقراطية".

وبحسب المنشاوي "كشف الوباء عن هشاشة الإنسانية أمام الأوبئة، وعليه أثار الانقسام في كل أنحاء العالم بين المطالبين بتعاون دولي وبين من يريدون الانكفاء على أوطانهم وتفضيل الانعزالية، وما يرتبط بذلك من قضايا متعلقة بالسفر والهجرة والتجارة، وغيرها".