Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دوغلاس ستيوارت ثاني أسكتنلدي يفوز بجائزة بوكر عن رواية أولى

أهدى فوزه الى أمه البائسة التي أوحت له بالكتابة ولم يخف زواجه المثلي

الروائي الأسكتنلدي الفائز دوغلاس ستيوارت (موقع بوكر)

حملت جائزة "بوكر" البريطانية هذه السنة مفاجأتين، الأولى تتمثل في منحها لرواية أولى، هي "شَغي باين"، باكورة الكاتب دوغلاس ستيوارت، بعد تغييبها الأعمال الأولى عن لائحة الفوز لما يقارب عشر سنوات، والثانية تكمن في اختيارها رواية أسكتلندية للمرة الثانية، بعد فوز أسكتلندي يتيم هو جيمس كيلمان الذي حصد الجائزة سنة 1994. وبهذا الاختيار أرضت الجائزة الساحة الأدبية في أسكتلندا التي طالما أثار غيابها عن البوكر حفيظتها، لا سيما أن الأميركيين كادوا يطغون على الجائزة في السنوات الأخيرة. غير أن الأسكتلندي دوغلاس ستيوارت (1976) يحمل أيضاً جنسية أميركية، ويقيم في نيويورك، ويعمل في حقل الأزياء، ومتزوج من رجل أميركي، كما أعلن بجرأة في الحفلة التي أقامتها الجائزة، مساء أول من أمس، في "راوند هاوس" شمال لندن، في مداخلة له عبر "سكايب"، بعد استحالة سفره جراء وباء كورونا. وأقيمت الحفلة أصلاً وسط غياب الروائيين الخمسة الآخرين الذين أدرجت أسماؤهم في اللائحة القصيرة للسبب نفسه. وكانت الجلسة الأخيرة للجنة التحكيم شهدت نقاشاً هادئاً لم يتجاوز الساعة، نظراً إلى إعجاب أعضاء اللجنة بهذه الرواية التي توقعت الصحافة البريطانية فوزها.

واللافت أن ثلاثاً من الروايات الخمس المنافسة تنتمي إلى ما يسمى "أدب الشعوب"، فاللائحة القصيرة ضمت روايات من "زيمبابوي والهند وإثيوبيا" (للمرة الأولى)، علاوة على روايتين من الولايات المتحدة الأميركية. والأسماء هي: الزيمبابوية تسيتسي دانغيريمبغا (رواية "هذا الجسد الحزين")، الهندية آفني دوشي (رواية "سكر محروق")، الإثيوبية مازا مينغيست (رواية "ملك الظل")، الأميركية ديان كوك (رواية "البرية الجديدة")، الأميركي براندون تايلور (رواية "حياة حقيقية"). واللافت أيضاً أن الحفلة تضمنت مداخلات حية ومصورة، واحدة منها للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قال فيها: "لجأت دوماً إلى الكتابة لفهم عالمنا... وفي أفضل حالاتها، تذكرني الكتب المدرجة في جائزة بوكر بقدرة الخيال على وضعنا في مكان أشخاص آخرين، وفهم نضالاتهم، وتخيل طرق جديدة لمعالجة المشاكل المعقدة وإحداث التغيير".

ليس في مسيرة دوغلاس ستيوارت الأدبية، سوى مجموعة قصص قصيرة نشرها في «النيويوركر»، فضلاً عن رواية ثانية أنهى كتابتها أخيراً، ولم تصدر بعد. أما روايته الأولى الفائزة "شَغي باين" التي تحمل اسم البطل، وهو نفسه الكاتب غير المعلن الذي يحمل اسم عائلة الام في الرواية ( أنياس باين)، فهي حصيلة عقد كامل من العمل، أمضاها في العودة افتراضياً إلى أسكتلندا. إنها سيرة روائية، يستعيد فيها ستيوارت طفولته برفقة أمه المدمنة الكحول التي رحلت وهو في السادسة عشرة من عمره.

شبه سير ذاتية

 تبدو رواية "شغي باين" قريبة من السيرة الذاتية، فالكاتب يروي فيها حكاياته الشخصية وعلاقاته في طريقة مواربة ومن دون أن يعلن أنها سيرته. تدور الرواية حول شخصية الفتى شغي باين نفسه، شبه المعزول، الباحث عن هويته الاجتماعية والجنسية، والمتعلق عاطفياً بأمه السكيرة، التي بقي وفياً لها بعد انهيار العائلة وتفرّقها، حتى وإن انتهى به هذا التعلق إلى النزول إلى الجحيم، جحيم الحياة الخاصة والعامة. طبعاً المدينة غلاسكو التي تشهد الوقائع، هي مسقط رأس الكاتب، والزمن يمتد خلال الثمانينيات من القرن المنصرم، وتحديداً في ظل حكومة مارغريت ثاتشر، التي شهدت المملكة خلالها أحوالاً من الفقر والعوز، نتيجة الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي حلت حينذاك، ونجم عنها تهميش الطبقات الشعبية وازدياد مساحة الفقر والبؤس. في مثل هذه الأجواء، وفي وسط هذه "الجدارية"  الإنسانية التي تمثل حياة اجتماعية منهكة اقتصادياً، يكتب دوغلاس ستيوارت روايته شبه السير- ذاتية، منتقماً من ماضيه وراوياً قصصاً عادية عاشها هو، مثلما عاشها أناس آخرون ليسوا بعيدين عنه. الرواية خليط من حب وحرمان ومواجهة ذاتية للعالم والحياة والمجتمع أيضاً. وقد تكون العلاقة بين الفتى وأمه أنياس باين، السكيرة والمحذوفة اجتماعياً، هي ركيزة السرد ومرجعيته. إنها علاقة بين فتى لم يبق له في العالم سوى أم غير سوية، لكنها تفيض حناناً وحباً، وامرأة لم يبق لها سوى هذا الابن شبه المدمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن مفاجئاً أن يهدي ستيوارت في كلمته التي ألقاها في الحفلة عبر "سكايب"، فوزه بجائزة "بوكر" إلى أمه وإلى الرجل الذي تزوج منه ويعيش معه في نيويورك، قائلاً "إنني في غاية الذهول، وأود أولاً أن أشكر أمي... وزوجي". في الرابعة والأربعين، ليس في رصيده سوى مجموعة قصصية، وهو أنهى للتو روايته الثانية، وتتطرق إلى شخصية فتى مثلي، يعيش حياته منقسماً بين هويتين وحياتين. وعلى الرغم من عيشه في نيويورك وحياته "العائلية" الراسخة (كما يقول)، يظل ستيوارت مشدوداً إلى غلاسكو مدينة أمه وذكرياته وطفولته التي لم تخلُ من أسى، ويمني النفس بالعودة إليها متى سنحت الفرصة.

من الهواية إلى الاحتراف

عندما عرض ستيوارت مخطوطة روايته" شغي باين" على دور نشر بريطانية وأميركية عدة، رُفضت مرات إلى أن تبنتها داربيكادور.وما إن ورد اسمه في اللائحة القصيرة حتى راجت الرواية وحققت أرقاماً في المبيع وراح القراء يقبلون عليها والصحافة ترحب بها وبصاحبها غير المعروف. ولم يكن الإقبال على شرائها إلا للإطلاع على وجه من وجوه أزمة الثمانينيات في بريطانيا عبر قصة الفتى وأمه، والذي مثل انهيار علاقتهما وجهاً من وجوه الانهيار الداخلي. ولعل حصول ستيوارت على الجائزة وقيمتها تفوق الستين ألف دولار، عطفاً على مردود مبيع الرواية، سيتيح له فرصة التفرغ للكتابة، وهجر عمله في عالم الأزياء و"الموضة". وهذا يعني انتقال هذا الروائي الموهوب من فترة "الهواية" إلى مرحلة الاحتراف الذي يفترض تفرغاً تاماً لعالم الأدب وطقوسه. فروايته الأولى تطلبت كتابتها منه نحو عشر سنوات، وهذا وقت ليس باليسير دوماً. وهو لا ينسى أعوام البؤس التي عاشها بعد ما توفيت أمه جراء إدمان الكحول، في بيت فقير لا كتب فيه، كما يقول، وكان في السادسة عشرة من عمره، ما اضطره إلى العمل ليلاً ليواصل دروسه ويلتحق من ثم بالمعهد الملكي للفنون في لندن. وقال ستيوارت في الحفلة: "نشأت في غلاسكو في زمن صعب، شديد الصعوبة، هو الثمانينيات. ولم تكن كتابتي للرواية إلا نوعاً من العلاج من تلك الشدة". وأصر على تذكير الحاضرين بأن "أمي ستذهل بفوزي، وأعتقد أنها ستكون فرحة".

وصفت رئيسة اللجنة مارغريت بازبي الرواية قائلة إنها "جريئة، رهيبة ومقلقة". وقد اختيرت من بين 162 رواية إنجليزية وأنغلوفونية رُشحت بين أول أكتوبر (تشرين أول) 2019 وآخر سبتمبر (أيلول) 2020.وبات إسم هذا الروائي الشاب يمثل في لائحة بوكر البريطانية مع اسماء كبيرة مثل: مارغريت أتوود، سلمان رشدي، جوليان بارنز، هيلاري مانتيل وسواهم.

المزيد من ثقافة