Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"رئاسة الوزراء" بالعراق جزء من السلطة أم واجهة للكتل السياسية؟

نظام المحاصصة أدى لتقسيم غير معلن للبلاد وفقاً لأقاليم ذات طابع طائفي وقومي وغلب آراء مسؤوليها على حساب الدولة

تعهدات رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بملاحقة الفساد ومحاسبة المتورطين لم تتحقق بعد (رويترز)

يمثل شكل الدولة في العراق المعضلة الكبرى منذ عام 2003، وحتى الآن، حيث تعد المحاصصة وإدارة البلاد ضمن آلية التوافق بين القوى السياسية الرئيسة العنوان الرئيس لشكل سلطة ما بعد الغزو الأميركي للبلاد. ولعل الرفض الشعبي المتزايد لتلك الآليات في إدارة الدولة العراقية، زاد من حجم التساؤلات عن مساحة سلطة رئاسة الوزراء في النظام العراقي، وإمكانات التغيير من خلال هذا المنصب، الذي يبدو في الكثير من محطات هذا النظام مكبلاً في ظل إحكام نظام المحاصصة على الدولة وقراراتها.

وعلى الرغم من إشارة الدستور العراقي إلى أن النظام في البلاد برلماني دستوري، فإن الجانب التنفيذي الذي تختص به سلطة الجهاز الإداري للدولة من خلال الحكومة، يبدو خاضعاً لسيطرة زعماء الكتل، حتى في ما يتعلق بصلب عمل رئيس الوزراء والجهاز التنفيذي في الدولة.

ولطالما تحدث رؤساء الوزراء العراقيون عن جماعات تتجاوز حدود القانون، أطلقت عليها تسميات عديدة من قبيل قوى "اللا دولة"، أو الدولة الموازية، التي تحدث عنها في أكثر من مناسبة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، إلا أن أياً من الحكومات المتعاقبة لم تستطع حل تلك الإشكالية، الأمر الذي يرجعه عديد من المراقبين إلى ضرورة خضوع من يريد الوصول إلى منصب رئاسة الحكومة لإرادة الزعامات السياسية.

وعلى الرغم من تعهدات الكاظمي في قضايا عديدة، بينها ملاحقة رؤوس الفساد ومحاسبة المتورطين بعمليات قتل طالت المحتجين في الانتفاضة العراقية، فإن عديداً من تلك التعهدات لم يتم تحقيقها. وفي مكاشفة صريحة، أشار في مؤتمر صحافي الثلاثاء الماضي، إلى "وجود ضغوط تمنع ملاحقة الفاسدين وحيتان الفساد"، الأمر الذي يبين مدى التأثير السياسي في رئاسة الحكومة حتى في أكثر القضايا حساسية.

وتمثل تلك الإشكالية عنواناً دائماً للصراع السياسي في الحكومات المتعاقبة، إلا أنها تزداد تفاقماً في المرحلة الحالية، وخصوصاً أن الحكومة الحالية جاءت إثر انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) العراقية، التي ركزت مطالبها بشكل شبه واضح على إرساء دعائم الدولة والتخلص من تأثيرات القوى الموازية لها، التي لا تبدو بوادرها متحققة حتى الآن.

مهمة مستحيلة

لا تبدو مهمة الكاظمي سهلة في ظل صراع محموم بين الدولة وتلك القوى، الأمر الذي يراه باحثون عائقاً رئيساً أمام تلبية طموحات العراقيين.

يقول الباحث والأكاديمي دياري الفيلي، إن "الإشكالية غير محصورة بالحكومة الحالية، بل إنها متجذرة في أصل تشكيل نظام الحكم ما بعد 2003، من خلال ترسيخ القوى السياسية الرئيسة لفكرة التشارك في الحكم"، مبيناً أن تلك الفكرة "تغيب وجود حاكم فعلي، وتحصر حراك الدولة السياسي والاقتصادي بيد زعماء الكتل السياسية".

ويطلق الفيلي مصطلح "قوى الظل" على تلك الجماعات السياسية، التي يرى أنها "رسخت سلطتها ليس على حساب مؤسسات الدولة فحسب، بل امتدت مساحات تأثيرها إلى المجتمع من خلال التغلغل في العشائر والمؤسسات الدينية، فضلاً عن أن تشكلات تلك القوى الموازية للدولة جاءت بقوة السلاح الذي امتد بشكل ملحوظ للسيطرة التامة على مؤسسات الدولة".

وتمثل الفترة الحالية شكلاً آخر أكثر وضوحاً لسيطرة تلك الجهات على الدولة العراقية، إذ يعتقد الفيلي، أن "التدخلات في صناعة القرار السياسي والاقتصادي بلغت ذروتها في المرحلة الحالية". ما يؤكد أن تلك الجماعات باتت قادرة على تهديد الدولة بشكل أكبر، ورسم تعاملاتها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها بدول العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قادة الكتل وعزلة منصب رئيس الوزراء

يعتقد مراقبون أن الفاعلين السياسيين أرادوا أن يكون العراق بلا قيادة واضحة، ما يمثل المعضلة الأكبر في عراق ما بعد الغزو الأميركي، لأن الأطراف المهيمنة على الدولة تخشى استبعادها، وربما محاسبتها إثر التورط في العديد من القضايا.

ويلفت الفيلي إلى أن "نظام المحاصصة أدى إلى تقسيم غير معلن للبلاد وفقاً لأقاليم ذات طابع طائفي وقومي، ما أدى إلى صعود قادة تلك الأقاليم على حساب الدولة، وتغليب رؤاهم السياسية على حساب مؤسساتها الرسمية"، مشيراً إلى أن الإشكالية الأكبر تتمثل في "ارتباط تلك القوى بمشروعات ومصالح إقليمية جعلت البلاد ساحة للصراعات في المنطقة"، لكن المعضلة الرئيسة في هذا التوزيع الموازي للدولة، كما يعبر الفيلي، تتمثل في أن تلك القوى "لم تكتفِ بمساحات التأثير داخل مجالاتها الجغرافية والاجتماعية، بل باتت تتصارع فيما بينها لإزاحة شركائها"، مبيناً أن هذا الصراع أدى إلى "غياب فكرة الدور المركزي لسلطة رئيس الوزراء".

ويعتقد الفيلي أن هذا الأمر كان السبب في "تفكيك سلطة رئيس الوزراء لتحل محلها سلطات زعماء الكتل السياسية"، مبيناً أن "كل تلك التمثلات جعلت الكاظمي يعيش عزلة عن إمكانية تطبيق جميع قراراته".

ولعل ما يزيد من تعقيد الأزمة العراقية في الوقت الراهن يتمثل في أن حكومة الكاظمي أتت بعد الانتفاضة العراقية، التي كانت شعاراتها الأبرز تتحدث عن معضلة الدولة ورفض نظام المحاصصة، الأمر الذي يضع الكاظمي أمام خيارات محدودة، بحسب الفيلي، تتمثل في "الاصطدام مع رؤساء الكتل لتنفيذ تعهداته أو الاستسلام للمنظومة الحالية".

يتابع "إن رؤساء الكتل السياسية يحاولون بشكل ملحوظ جر الكاظمي إلى منطقة رؤساء الوزراء السابقين، من خلال ترسيخ فكرة وضع رئيس الوزراء في مساحة الموظف الذي لا يحق له مخالفة شروطها في إدارة الدولة أو صناعة سياساتها"، مبيناً أن هذا الأمر "يعرقل بشكل واضح مساعيه في الإيفاء بأي تعهدات قطعها للشارع العراقي".

ويرى الفيلي أن "قوى الظل رسخت سلطتها ليس على حساب مؤسسات الدولة فحسب، بل امتدت مساحات تأثيرها إلى المجتمع من خلال التغلغل في العشائر والمؤسسات الدينية، فضلاً عن أن تشكلات تلك القوى الموازية للدولة جاءت بقوة السلاح الذي امتد بشكل ملحوظ للسيطرة التامة على مؤسسات الدولة".

تداخل السلطات

تبدو قضية النظام البرلماني الذريعة الدائمة لتدخلات زعامات القوى السياسية في إدارة الدولة العراقية، لكن مساحة التدخلات تلك تجاوزت حدود العمل البرلماني، وباتت تفرض رؤاها في قضايا رئيسة من صلب اختصاصات الحكومة.

ويرى رئيس المجموعة المستقلة للدراسات منقذ داغر، أن "أي نظام برلماني تتحكم فيه أحزاب البرلمان، لكن المشكلة ترتبط بعدم وجود أحزاب حقيقية، الأمر الذي أدى إلى أن يحل محلها رؤساء الكتل الذين لا يمتلكون خططاً ومبادئ للحكم من خلالها على أداء الحكومة، بل تتحكم بهم مصالح وأجندات داخلية وخارجية".

ويشير داغر إلى أن "المشكلة ليست في المحاصصة، بل في غياب المؤسسية، فضلاً عن تداخل السياسة في الإدارة"، لافتاً إلى أن هذا الأمر أدى إلى امتداد سيطرة الأحزاب إلى داخل المؤسسة البيروقراطية للدولة، التي يفترض أن تكون مستقلة عن السياسة".

ولعل المعضلة الكبرى في البلاد، بحسب داغر، تتمثل في "تداخل الحكومة مع الدولة، إذ باتت الدولة تبتلع الحكومة أحياناً أو العكس في أحيان أخرى، اعتماداً على قوة من يحكم الحكومة أو الدولة"، مبيناً أنه "ما لم يتم فصل الإدارة عن السياسة من جهة، وبناء مؤسسات إدارية وسياسية رصينة ستستمر أزمة الحكم في العراق".

وفي سياق ذي صلة، تمكن الكاظمي من إزاحة هذا المشهد وترسيخ سلطة لرئاسة الوزراء في المرحلة المقبلة. ويعتقد داغر أن هذا الأمر "أكثر تعقيداً من أن يتم حسمه في المرحلة المقبلة، ويتطلب وقتاً وجهداً غير متوفرين في الوقت الحالي".

عام 2018 ووضوح منظومة الحكم

على الرغم من جميع المحطات التي مر بها النظام العراقي بعد الغزو الأميركي، ابتداءً من تشكيل مجلس الحكم الذي احتوى على ممثلين للقوى الشيعية والكردية والسنية وتم تقسيمه وفق إطار محاصصاتي أدى إلى ترسيخ مبدأ التوافق في البلاد، فإن باحثين يرون أن انتخابات عام 2018 كانت الحدث الفارق في إثبات السيطرة الحقيقية لرؤساء الكتل على الدولة العراقية، خصوصاً مع تصدير شخصيات جديدة تمكنهم من السيطرة على البلاد من دون الحاجة لطرح شخصيات حزبية أو تمثل عناوين واضحة للكتل السياسية كما حدث في حكومات سيطر عليها حزب الدعوة.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية إياد العنبر، أن "وصول كل من رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، والحالي مصطفى الكاظمي، أثبت التحكم الفعلي لزعماء الكتل السياسية في إدارة البلاد وليس منصب رئيس الوزراء".

ويوضح العنبر أن "هذه الآلية في إدارة البلاد كانت واضحة منذ بداية التأسيس عام 2003، إلا أنها باتت أكثر وضوحاً بعد عام 2018، في تبيان ضعف الواجهة التنفيذية والرؤساء الثلاث من إدارة الدولة".

ويشير إلى أن "ما حدث من مراوغة عام 2018، في محاولة إنشاء واجهة جديدة تتيح لزعماء الكتل التنفيذ بشكل أكبر، من دون أن تكون في الواجهة كما حصل في ثلاث دورات سيطر عليها حزب الدعوة"، مبيناً أن "الشارع العراقي كان أسرع في مواجهة تلك الإرادة من خلال انتفاضة أكتوبر 2019".

وعلى الرغم من تأثيرات الانتفاضة العراقية ومحاولاتها إنهاء هذا الشكل من السلطة، كما يعتقد العنبر، فإن "تلك اللعبة استهوت زعماء الكتل السياسية وعملوا على إعادة إنتاجها مرة أخرى من خلال الكاظمي".

ويلفت إلى أن تلك المراوغة أسهمت إلى حد ما خلال السنوات الماضية في "تشتت المسؤولية وتهرب قادة الكتل الذين يمثلون السلطة الحقيقية في البلاد منها أو المواجهة مع الشارع".

ولعل عدم تصدي أي من زعماء الكتل السياسية وقادتها للسلطة ما بعد حكومة عبد المهدي، يمثل بحسب العنبر "دليلاً على أن هذا التوجه بات سلوكاً سياسياً بالنسبة للزعامات الرئيسة".

ويلفت إلى أن "هذه اللعبة باتت مكشوفة نوعاً ما للعراقيين، الأمر الذي دفع التيار الصدري إلى إعلان نيته الصريحة في التصدي لمنصب رئاسة الوزراء في المرحلة المقبلة".

وفي شأن إمكانية الكاظمي تفكيك هذا المشهد في الفترة الحالية، يبين العنبر أن "من يصل إلى السلطة سيكون بالضرورة مقيداً بمنظومة قادرة على إزاحته، وهذا بشكل عام يجعل الحديث عن إمكانية التغيير من خلال حكومة الكاظمي غير مقنعة وبلا أدوات".

ناطق باسم زعماء الكتل

أما الكاتب هشام الموزاني، فيعتقد أن "الحديث عن نظام برلماني بات يمثل ذريعة لتقليل أو إلغاء سلطات رئيس الوزراء"، مبيناً أنها "باتت مدخلاً لزعماء الكتل السياسية في إخضاع الحكومة لتوجهاتها، كما يحصل مع البرلمان".

ويضيف الموزاني "السلطة الحقيقية في العراق تمثلها زعامات الكتل السياسية وليس البرلمان بمفهومه العام"، مبيناً أن "قادة البيت الشيعي الذين يمثلون جميع الكتل الشيعية هم من يختار رئيس الوزراء، ووفقاً لذلك يتحركون في إطار رسم سياساته وتوجهاته".

ويرى أن هذا النهج أدى إلى أن زعماء الكتل السياسية يحاولون إفراغ منصب رئيس الوزراء من محتواه وجعله مجرد "ناطق رسمي باسمها"، مبيناً أن "تمدد سلطة زعماء القوى السياسية على حساب الحكومة يبدو مدروساً، للحيلولة دون ممارستها دورها في ردع القوى الخارجة عن القانون والمتورطة بقضايا فساد وقتل، فضلاً عن التحكم في رسم سياسات الدولة".

ويلفت الموزاني إلى أن "هذا النسق تمدد، ولم يعد محصوراً في إطار القوى ذات التمثيل السياسي؛ إذ باتت جهات خارج إطار الدولة تهدد بشكل معلن سلطة رئيس الوزراء، وتتحدى في كثير من الأحيان سياسات الدولة في علاقاتها الخارجية ومناهجها الاقتصادية".

المزيد من تقارير