Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طهران تعزز أوراقها في سوريا قبل التفاوض وإسرائيل تلاحقها

مطلب واشنطن انسحاب إيران أفشل رهان محيط الأسد على الانفتاح عليها

طرحت الغارة الإسرائيلية على مواقع للجيش السوري والحرس الثوري الإيراني في جنوب سوريا ومحيط دمشق فجر الأربعاء 18 نوفمبر (تشرين الثاني) مجدداً مسألة الوجود الإيراني في سوريا، والمخاطر من تصعيد عسكري جديد واسع النطاق في المنطقة، وسط الأحاديث والتسريبات من إدارة الرئيس الأميركي المنقضية ولايته دونالد ترمب عن أنه طلب تقييماً من القيادة العسكرية الأميركية لإمكان شن ضربة على موقع نووي إيراني ثم تراجع عنه. 

وفي وقت رأى دبلوماسيون عرب أن المخاوف من ضربة أميركية أقرب إلى التضخيم، فإنهم رأوا أن المرحلة الانتقالية في الولايات المتحدة بعد الانتخابات الرئاسية التي حصل فيها جو بايدن على الأكثرية سواء في المجمع الانتخابي للولايات الأميركية، أو على الصعيد الشعبي، لن تشهد تغييراً جوهرياً في السياسة الأميركية في المنطقة، في انتظار حسم مسألة تسلم بايدن سلطاته في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل.

الإجازة الأميركية والموافقة الروسية 

الضربة العسكرية الإسرائيلية لا تخرج عن سياق السياسة المتبعة من قبل ترمب والقاضية بالإجازة لإسرائيل توجيه هذه الضربات ضد الوجود الإيراني في بلاد الشام. وهي سياسة ليست مرشحة للتغيير في عهد بايدن وفق هؤلاء الدبلوماسيين. كما أن ضربة الأربعاء الماضي لا تخرج عن إطار التوافق الروسي الإسرائيلي الذي لا تعترض بموجبه موسكو على اتخاذ تل أبيب الخطوات التي تضمن عدم تهديد أمنها، ولسان حالها في هذا المجال بأن لا مبرر لوجود قوات إيرانية أو حليفة لإيران في مواقع حدودية مع إسرائيل مثل محافظة القنيطرة الجنوبية، وبعيدة عن جبهات "محاربة الإرهاب" و"الدفاع عن النظام"، المهمة التي جاءت قوات الدول الحليفة لنظام بشار الأسد للدفاع عنه ضدها ولمنع إسقاطه. وهي مهمة تحققت بنظر القيادة الروسية، التي ترغب في الانتقال إلى تثميرها بحل سياسي، وتساهم تصرفات إيران في سوريا وانسياق الأسد خلفها، في عدم إنجاحه.

تعزيز أوراق طهران في المرحلة الانتقالية

فطهران تسعى إلى تعزيز وجودها في سوريا، لا سيما في المنطقة الحدودية مع الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان، في إطار نهجها تمتين أوراقها التفاوضية مع الإدارة الأميركية الجديدة، خصوصاً أن أياً كان سيد البيت الأبيض فإن مطلب انسحاب إيران من سوريا سيكون على الطاولة ضمن الأهداف الأميركية العامة حيال الدور الإقليمي لطهران، الذي يتفق الحزبان الجمهوري والديمقراطي على وصفه بأنه يزعزع استقرار دول الشرق الأوسط وجيران الأخيرة. 

وفيما ذكرت قناة "الحرة" الأميركية أن الغارة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا "استهدفت موقعاً سرياً يستخدم لاستضافة شخصيات وبعثات إيرانية رفيعة المستوى جنوب شرقي دمشق"، أشارت تقارير إعلامية إلى سقوط عشرة قتلى بينهم خمسة إيرانيين. ويقول عسكريون سوريون سابقون سبق أن انضموا إلى المعارضة إن إيران ومعها "حزب الله"، استطاعت ترتيب أكثر من موقع لها في المنطقة الجنوبية من سوريا خلال السنة الماضية، تمتد من ضواحي دمشق إلى الحدود مع الجولان، وأن بعض هذه المواقع مشتركة مع الجيش السوري لا سيما الفرقة الرابعة التي يقودها شقيق الأسد ماهر، حيث يلبس ضباط إيرانيون وعناصر من "حزب الله" لباس الجيش السوري، فيما هناك مواقع خاصة بالإيرانيين ومن معهم من الميليشيات التابعة لهم، لا يدخل إليها الجنود السوريون إلا بعد التنسيق بين ضباط كبار من الجانبين. وكان "حزب الله" سحب قبل أشهر، جزءاً من مقاتليه في منطقة إدلب ونبل والزهراء وحلب وبعض الشمال السوري للتركيز على المنطقة الجنوبية، وحلت مكانه ميليشيات "زينبيون" و"فاطميون" الموالية لطهران.

"المقاومة السورية لتحرير الجولان" ودور "حزب الله" 

أفادت التقارير الإعلامية بأن الموقع الذي أغار عليه الإسرائيليون الأربعاء يضم عناصر إيرانية وجنوداً من اللواء السابع في الجيش السوري.

وما أشار إليه الجيش الإسرائيلي في بيانه عن القصف الجوي الذي استهدف المواقع السورية الإيرانية، بأنه جاء "رداً على عبوات ناسفة اكتشفها قرب شريط خط وقف إطلاق النار في الجولان"، زاعماً أن "خلية سورية بتوجيه إيراني" قامت بزرعها، هو إشارة إلى ازدياد نشاط مجموعات مدعومة من طهران تولى "حزب الله" إنشاءها وتدريبها في المنطقة تحت لافتة "المقاومة السورية لتحرير الجولان"، تحضيراً لعمليات تخرق خط وقف النار بين سوريا وإسرائيل المعمول به وفق اتفاقية فصل القوات بعد حرب 1973، والذي اتفق على تفعيلها قبل عامين بوساطة من موسكو، بهدف ضمان تولي القوات السورية الأمن على هذا الخط وإبعاد الميليشيات الإيرانية عنه.

وسبق للجيش الإسرائيلي أن نفذ عملية مشابهة في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باستهداف موقع سوري إيراني مشترك بصاروخ أرض – أرض أطلق من الجولان على بلدة الحرية في محافظة القنيطرة. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي بني غانتس في حينها: "لن نسمح لحزب الله أو إيران بالتموضع عند حدود هضبة الجولان وسننفذ ما هو مطلوب من أجل إبعادهم من هناك". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشنت إسرائيل غارات عدة خلال الصيف الماضي استهدفت المجموعات نفسها التي تحاول التمركز في المنطقة القريبة من الحدود، في ما يشير إلى إصرار الجانب الإيراني على تعزيز وجوده فيها.

طموحات انفتاح النظام على واشنطن فشلت

لكن سياسيين سوريين مراقبين لموجات القصف الإسرائيلي يعتقدون أن الأطراف كافة يسعون إلى ترتيب أوراقهم مع العهد الرئاسي الجديد في واشنطن. ويسجل هؤلاء فشل ترتيب قدر من الانفتاح بين نظام الأسد وبين الإدارة الأميركية الراحلة، إذ شاعت تكهنات قبل شهرين أن الفريق الحاكم في دمشق سعى إلى فتح الخطوط مع إدارة ترمب لأسباب عدة بينها قلق النظام من إمكان انفتاح طهران على واشنطن، سواء نجح ترمب أو بايدن، في ظل معلومات عن أن خطوط التواصل الخلفية الإيرانية الأميركية نشطت في الصيف في سلطنة عُمان، وأنه يخشى أن يصبح وحيداً في خصام معها لاحقاً. 

ترافق هذا السعي مع رسائل عدة وجهها النظام الذي يعتبر إسرائيل مفتاحاً للعلاقة مع واشنطن فبعث بإشارات عن الاستعداد لتجديد مفاوضات السلام مع إسرائيل. وترددت معلومات في حينها أن النظام السوري أوفد مدير إدارة الاستخبارات العامة اللواء حسام لوقا ليلتقي من ينقل رسائل إلى إسرائيل في الإمارات.

لا انسحاب أميركياً من سوريا 

أشارت تقارير إلى أن إدارة ترمب أبدت استعداداً من أجل قدر من الانفتاح، إلى درجة التلميح بإمكان زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو إلى دمشق في حال نجحت جهود الإفراج عن الصحافي المحتجز في سوريا منذ 2014 أوستن تايس. وذهبت التكهنات أيضاً إلى ربط الزيارة التي قام بها المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس ابراهيم إلى واشنطن لتكريمه مقابل جهوده للإفراج عن محتجزين أميركيين في إيران وسوريا، بمفاوضات غير مباشرة بين واشنطن ودمشق حول مسألة سحب القوات الأميركية عند معبر التنف الحدودي بين العراق وسوريا، والذي تتمركز فيه قوات أميركية لمنع خط التواصل بين القوات الإيرانية الموجودة في العراق وتلك الموجودة في سوريا وصولاً إلى لبنان. 

لكن هذه التكهنات ما لبثت أن تراجعت. فنظام الأسد طلب مقابلاً لخطوات الانفتاح برفع العقوبات الاقتصادية عنه ولو جزئياً لعله يساعد في انفراج جزئي في الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر فيها سوريا، بعدما أدت الأزمة الاقتصادية في لبنان إلى خفض نسبة إفادة دمشق من الالتفاف على العقوبات عبره. في المقابل فإن الجانب الأميركي يرهن العقوبات بتخلي الأسد عن علاقته بطهران، الأمر الذي يتعذر عليه القيام به من دون أن يحصل على الضمانات حول مصير نظامه.

يرى مراقبون أن طموحات حكام دمشق بالانفتاح على واشنطن كانت مجرد سراب في ظل اليد الطولى لإيران في المجريات على الساحة السورية من جهة، وفي ظل قرار واشنطن استثناء سوريا من أي خفض لقواتها في العراق وأفغانستان من جهة ثانية، بحسب ما أعلن مصدر عسكري أميركي مؤكداً أن الـ900 جندي الموجودين فيها سيبقون في إطار مهمة محاربة الإرهاب و"داعش" بالتعاون مع القوات الكردية في الشمال السوري. فضلاً عن أن مسألة الانسحاب الأميركي من معبر التنف، تتصل بضمان واشنطن قطع التواصل بين إيران وسوريا ولبنان.

الموقف الأميركي السلبي حيال نظام الأسد تجلى بحدة حيال مؤتمر عودة اللاجئين السوريين الذي رعته موسكو في العاصمة السورية في 11 و12 من الشهر الجاري حين قال متحدث باسم الخارجية إنه "لم يكن محاولة موثوقة لخلق الظروف المؤاتية لعودة اللاجئين بشكل طوعي وآمن، ويُظهر غياب الدعم للمؤتمر من خارج دائرة حلفاء النظام الضيقة، أن العالم يرى حقيقة هذه المحاولات على أنها تكتيكات". ورأى المتحدث باسم الخارجية أن نظام الأسد يسعى إلى استخدام اللاجئين المستضعفين كبيادق سياسية ليدعي كذباً أن الصراع السوري انتهى"، متهماً الأسد بالمسؤولية "عن مقتل أكثر من 500 ألف من مواطنيه". 

والعبارة الأخيرة كافية للدلالة على أن واشنطن ستبقي على وسائل الضغط كافة على النظام، مؤكدة أنه لا ينبغي أن يمتلك السلطة على أموال إعادة الإعمار، وتبقي إجازتها لاستهداف إسرائيل الوجود الإيراني.  

المزيد من تقارير