"الجيش الوطني" يضيق الخناق على قوات "حكومة الوفاق" ودخول كتائب مصراتة يعقّد المشهد

هل تسعى الأطراف المتحاربة إلى تحسين موقعها التفاوضي قبيل عقد "الملتقى الوطني الجامع" في غدامس؟

آلية تابعة لقوة مصراتة على طريق وادي الربيع جنوب طرابلس (رويترز)

مع تحرك "الجيش الوطني الليبي" في اتجاه طرابلس يضيق الخناق على "حكومة الوفاق الوطني"، التي أعدت العدة لمواجهة القوات المهاجمة. وباتت حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج في وضع دفاعي داخل العاصمة، بعد تمدد سلطة الجيش في شرق وجنوب البلاد. ولم يحل الدعم الدولي الذي تتمتع به حكومة الوفاق دون وصول قوات "الجيش الوطني" الذي يقوده المشير خليفة حفتر إلى تخوم العاصمة، التي لم تكن كتائبها المسلحة مستعدة بالقدر الكافي، بعدما أنهكتها سنوات من الحروب الداخلية مارس خلالها قادتها التجارة وبات عملها يشبه "عمل المافيات" وفق ما يقول مراقبون.

جنوب وغرب العاصمة... بداية التماس

ويتركز ضغط "الجيش الوطني الليبي" على العاصمة من المناطق الواقعة جنوبها بالدرجة الأولى، بخاصة بعد سيطرته على جنوب البلاد، فصار الطريق شمالاً مفتوحاً أمامه. وتقدمت وحدات "الجيش الوطني" أولاً صوب مدينة غريان الواقعة على مسافة 100 كيلومتر تقريباً جنوب العاصمة، ودخلتها بشكل شبه سلمي بعد انضمام أجهزتها الأمنية وكتائبها المسلحة للقوات المهاجمة، التي شنّت بعد ذلك عمليةً خاطفة بسطت فيها سيطرتها على العزيزية ومناطق أخرى متاخمة لجنوب طرابلس.

أما في غرب العاصمة، فشكلت مدينة الزاوية أهم نقاط تقدم "الجيش الوطني"، الذي تحالفت معه مجموعات محلية من المدينة وضواحيها. وتقدم "الجيش" صوب بوابة الـ 27 (المدخل الغربي لطرابلس) بشكل شبه سلمي، ولم تندلع اشتباكات عنيفة إلا بعد أن استجمعت القوات المسلحة الطرابلسية قواها وبدأت بالرد.

في غضون ذلك، تتباين مواقف وولاءات الكتائب المسلحة داخل طرابلس، غير أنها تتفق جميعاً في رفض وقوع العاصمة تحت سيطرة "الجيش الوطني"، فبدأت بالحشد لصد الهجوم، كما تمكنت من استرجاع بوابة الـ 27 غرب العاصمة، فيما ذكر مصدر عسكري أن "ما حصل في البوابة27  هو انسحاب تكتيكي للجيش".

الأمم المتحدة تحاول تدارك الموقف

وتزامن بدء هجوم الجيش مع وصول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رفقة مبعوثه الخاص إلى ليبيا غسان سلامة، إلى العاصمة (غرب)، حيث أكد أن "لا حل عسكرياً للأزمة"، داعياً كل الأطراف إلى اتباع سياسة ضبط النفس وإفساح المجال أمام مزيد من الحوار والتشاور برعاية الأمم المتحدة.

ثم انطلق غوتيريش إلى بنغازي (شرق) حيث التقى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، والقائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية المشير خليفة حفتر، واختتم زيارته مبدياً قلقه وحزنه إزاء تدهور الوضع في ليبيا.

بيان الدول الأربعة

من جهة أخرى، سارعت الدول المهتمة بالشأن الليبي والتي تعترف بحكومة الوفاق الوطني (فرنسا، ايطاليا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة) إلى إصدار بيان مشترك، عبرت فيه عن قلقها العميق تجاه النزاع المسلح حول طرابلس، وما يمكن أن يتسبب به من اضرار للمدنيين، مبينةً أن أي محاولات لتقويض أمن ليبيا غير مقبولة. وحذرت الدول الأربع من أي تصعيد، مجددةً دعمها للممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة. هذا البيان، وفق عضو هيئة التدريس في جامعة سبها مسعود عبدالقادر، "لم يكن كافياً لكبح جماح الحرب التي تتسع دائرتها حول المدينة، ويبدو أنها ستطال المدنيين لامحالة، في ظل إصرار الأطراف المتحاربة على اتخاذ المدينة وشوارعها ساحةً للقتال، ما ينذر بوقوع كارثة إنسانية في حال تفاقم الوضع".

مصراتة تدخل على خط المواجهة

وزاد من تعقيد المشهد، دخول كتائب من مدينة مصراتة، الواقعة على بعد 200 كيلومتر شرق العاصمة، على خط المواجهة، فهي تناصب المشير حفتر العداء، وترى أنها في خندق واحد مع كتائب طرابلس، وأن صراعها مع الجيش الوطني "صراع وجود"، فهو لن يبقي عليها إذا ما انتصر. كل ذلك دفع قوات مصراتة إلى التحرك في أرتال ضخمة صوب العاصمة، لعرقلة تقدم قوات الجيش نحوها، الأمر الذي من شأنه أن يطيل أمد الحرب.

داخل طرابلس تأهب وترقب

أما داخل طرابلس تسير الحياة بشكل شبه اعتيادي، فالأسواق والمحلات التجارية فاتحةً أبوابها للسكان، وكذلك المؤسسات الحكومية والخدمية، في حين تسود حالة من الذعر في الأحياء القريبة من مناطق الاشتباك. وحرص الناس على تعبئة الوقود وتخزين المواد الغذائية تحسباً لأيام حرب طويلة ولوضعٍ مجهول.

مصير "الملتقى الوطني الجامع"

لا أحد يعلم ما الذي ستسفر عنه هذه الحرب، التي تُعتبر أول مواجهة مباشرة بين قوات "حكومة الوفاق" والجيش الوطني" في العاصمة، لكن استمرار الحرب قد يكشف مواقف محلية ودولية كثيرة، ولعل أقرب مناسبة لذلك هي "الملتقى الوطني الجامع" المزمع عقده في مدينة غدامس جنوب غرب البلاد في منتصف أبريل (نيسان) الحالي برعاية الأمم المتحدة. ويعتقد الكاتب فتحي إسماعيل أن "حفتر يسعى من خلال هذا التقدم إلى تحسين موقفه التفاوضي، فذلك أمر ضروري بالنسبة إلى حلفائه المحليين والدوليين. وتظل كل السيناريوهات متاحة في الأيام المقبلة".

المزيد من العالم العربي